ألغام تعيق إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا!
سمير سكاف
بناء الثقة، والتهدئة العسكرية قبل الملفات السياسية؛ هذه باختصار هي خارطة الطريق للعمل على إنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية في المحادثات التي تستضيفها العاصمة الإماراتية أبوظبي، بوساطة أمريكية.
ولكن طريق السلام بين موسكو وكييف لا يزال مزروعاً بألغام كثيرة وخطيرة، وهي تحتاج إلى مجهود دبلوماسي جبار لمحاولة فكفكتها. وتُعد المحادثات الجارية في أبوظبي حالياً واحدة من أهم المحطات الدبلوماسية منذ اندلاع النزاع، وخطوة جدية للبدء بعملية نزع هذه الألغام؛ فقد نقلت اجتماعات العاصمة الإماراتية الحوار من مجرد وساطات إنسانية إلى مفاوضات ثلاثية مباشرة تشارك فيها الولايات المتحدة.
وقد اتسمت جولتا المحادثات في أبوظبي خلال اليومين الأخيرين بـثلاث خصوصيات هامة:
- أ – المشاركة الأمريكية: إذ يقود الوفد الأمريكي المبعوث الخاص “ستيف ويتكوف”، بمشاركة لافتة لـ “جاريد كوشنر” صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما يعكس رغبة إدارة ترامب في حسم الملف سريعاً.
- ب – الأطراف المتفاوضة: ترأس الوفد الروسي “كيريل ديمترييف” ومدير الاستخبارات العسكرية “إيغور كوستيوكوف”، بينما مثّل الجانب الأوكراني وفد رفيع المستوى بتوجيه مباشر من الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي“.
- ج – تعقيدات الأجواء العامة: وُصفت المحادثات بأنها “معقدة للغاية” وجرت تحت ضغط ميداني كبير، خاصة مع تصعيد الضربات الروسية على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا قبيل بدء الجولة.
اختراقات ملموسة
ومع ذلك، حققت المحادثات اختراقات ملموسة، أبرزها:
- تبادل أسرى هام: أُعلن في 5 شباط/فبراير الجاري عن نجاح وساطة إماراتية – أمريكية في تبادل 314 أسيراً (157 من كل جانب)، وهي العملية الأولى في هذا العام 2026.
- استئناف الحوار العسكري: الاتفاق على إعادة فتح قنوات التواصل العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وروسيا لأول مرة منذ سنوات، لضمان عدم الانزلاق نحو صدام مباشر وتأمين ممرات إنسانية.
- كسر الجمود: اعتُبر مجرد جلوس الأطراف الثلاثة على طاولة واحدة في أبوظبي تقدماً دبلوماسياً يتجاوز “لقاءات الصدفة” السابقة.
الألغام الثمانية: نقاط الخلاف الجوهرية
يمكن أن تحمل المرحلة المقبلة تحديات وسيناريوهات عدة حول 8 ألغام أساسية تشكل نقاط الخلاف الكبرى:
- السيادة مقابل “التجميد لا التنازل“: تستند روسيا إلى تفوقها الميداني، وتطالب بالاعتراف بتبعية الأقاليم الأربعة (دونيتسك، لوغانسك، زابوروجيا، وخيرسون) بالإضافة إلى القرم لسيادتها. في المقابل، لا تعارض أوكرانيا فكرة “التجميد لا التنازل” الأمريكية، أي قبول الواقع الميداني دون اعتراف قانوني بالسيادة الروسية.
- الهدنة المؤقتة ووقف إطلاق النار: تقترح أوكرانيا تجميد العمليات على “خطوط التماس الحالية”. وتضغط واشنطن من أجل “هدنة تقنية” بسبب الظروف الجوية القاسية (الشتاء والقرس) لتكون مدخلاً لوقف دائم للقتال.
- الضمانات الأمنية الدولية: تطالب كييف بآلية استجابة سريعة (خلال 24-72 ساعة) تشمل تدخلاً عسكرياً من “تحالف الراغبين” في حال خرق الهدنة. بينما تصر روسيا على أن تكون الضمانات خارج إطار “الناتو”. وتتضمن الخطة الأمريكية تأجيل انضمام أوكرانيا للحلف لمدة تصل إلى 20 عاماً مقابل تسليح دفاعي مكثف.
- نزع السلاح والحياد: تطلب روسيا وضع سقف لقدرات الجيش الأوكراني ومنع وجود أي قوات أجنبية أو قواعد للناتو على الأراضي الأوكرانية.
- رفع العقوبات: تشترط موسكو جدولة زمنية واضحة لرفع العقوبات الغربية كجزء من الاتفاق النهائي.
- حماية مصادر الطاقة: تطالب أوكرانيا بوقف كامل للضربات على منشآت الطاقة كاختبار لجدية موسكو.
- المناطق العازلة: لا تعارض روسيا الفكرة، لكن الخلاف يكمن في “تحديد عمق” هذه المناطق.
- الانضمام للاتحاد الأوروبي: تتمسك أوكرانيا بمسار الاندماج الأوروبي كضمانة اقتصادية وسياسية للمستقبل.
أجندة المرحلة المقبلة
من المرجح أن تُعقد الجولة الثالثة بين 20 و25 شباط/فبراير الجاري، لتقييم الالتزام بتبادل الأسرى ومناقشة “خريطة الهدنة الشتوية”. ستنتقل المفاوضات فيها من الملفات الإنسانية إلى “الملفات الميدانية السيادية”، وهي المرحلة الأصعب التي تشمل:
- تثبيت الهدنة التقنية لإصلاح شبكات الطاقة.
- البحث في إنشاء مناطق منزوعة السلاح برقابة دولية.
- تقديم مسودة أولية للضمانات الأمنية.
استبعاد أوروبي وتحركات موازية
في ظل هذه التطورات، يبرز استبعاد واضح للدور الأوروبي؛ فالأمريكيون يقودون المشهد في ألاسكا وأبوظبي، بينما “يلهث” القادة الأوروبيون لإيجاد مقعد لهم في الحل النهائي. وفي سياق موازٍ، يُتوقع أن يزور الرئيس بوتين بكين قريباً، وهي زيارة ستنعكس نتائجها مباشرة على موقف روسيا التفاوضي.
أبرز مقترحات “الخطة الأمريكية“
تسعى الخطة لاتفاق “واقعي وسريع” يوقف النزيف، وترتكز على:
- مبدأ (Freeze for Peace): تجميد الصراع على الخطوط الحالية (اعتراف بالأمر الواقع De Facto لا القانوني De Jure).
- خطة الرد السريع: تفعيل عقوبات تلقائية وتزويد أوكرانيا بأسلحة نوعية فوراً في حال خرق روسيا للهدنة.
- المقايضة الاقتصادية: رفع تدريجي للعقوبات مقابل انسحابات محددة، مع دور لرجال أعمال دوليين (ويتكوف وكوشنر) في إعادة الإعمار، مما يجعل السلام “مجزياً” اقتصادياً.
خلاصة القول: رغم تصريح المبعوث الأمريكي بأن “مسألة واحدة متبقية” للحل، لا يزال الطرفان يعيشان في عالمين منفصلين سياسياً. فالتجميد دون اعتراف رسمي قد لا يكون حلاً مستداماً، بل مجرد تأجيل لحرب لم تتوقف بعد.
