أندريه مالرو: خمسون عاماً من الغياب وإرث يتجدد في 2026
كاركاسون- المعطي قبال
المثقف العضوي: صياغة الذات في ساحات الميدان
بعد مرور خمسين عاماً على اختفائه، أندريه مالرو يطل من جديد على المشهد الثقافي. 2026 سنة صاحب «الأمل»، لم تقم مرجعيته لا على الشهادات ولا الدراسات المعمقة ليصبح على ما كانه وما أصبح عليه: كاتباً عالمياً، ناشطاً نضالياً على جبهات الحرب، ومغامراً في جغرافية بلا معالم. لقد اختار ساحة الميدان لتكوين ذاته وصقل موهبته، وكان ذلك في فترة تميزت بسطوة النازية وذيولها في أكثر من بلد أوروبي، حيث تدخل حاملاً السلاح في وجه “الفرانكيزم” ودفاعاً عن الجمهوريين.
ميزة مالرو هي المزاوجة بين المعارك الحربية والإبداع، إلى درجة أن أعماله الأدبية هي مرايا لنشاطه السياسي والحركي؛ مادة نستقرء فيها ومن خلالها انخراطه في المعارك التي دمغت القرن العشرين: الحرب الأهلية الإسبانية، حرب الهند الصينية، الحرب الكونية الثانية والتحاقه بالجنرال ديغول. لذا تصدق في حقه عبارة غرامشي: «المثقف العضوي».
التظاهرة الثقافية 2026: احتفاء بشخصية رؤوية
ستكون سنة 2026 سنة مالرو. فقد اختارت وزارة الثقافة، على خلفية مرور خمسين عاماً على اختفاء صاحب «الأمل»، هذه السنة لإطلاق تظاهرة ثقافية بأوجه متعددة تشمل 130 حدثاً تغطي الندوات السياسية، الندوات الفكرية والثقافية، التوقيع لمؤلفات عن مالرو، المعارض الفنية، والعروض الموسيقية… إلخ. الرهان هو الاحتفاء بكل أوجه «شخصية رؤوية» مع تقريب الشباب من هذه الشخصية التي ارتبطت الثقافة الفرنسية باسمه، نظراً للورشات التي دشنها وأنجزها جاعلاً من البلد بلد الثقافة والفكر بامتياز، مع فتحها على العالم وعلى ثقافات بقيت حبيسة تمركزها الذاتي.
انفتاح على الآخرية: مالرو والغيرية الثقافية
ولما يكون وزير الثقافة كاتباً ومثقفاً وناقداً من قامة مالرو، فإن هذه الثقافة لا يمكنها سوى إلا أن تكون إبداعية ومنفتحة. ولربما كان مالرو من وراء دخول مفهوم “الآخرية” أو “الغيرية” الذي أصبح أحد المفاهيم المركزية في تقييم الثقافات والحضارات؛ ذلك أنه اعترف واحتفى بثقافة الآخر: الإفريقي، الآسيوي والعربي.
من زنزانة “الخمير” إلى جائزة “الغونكور”
شهد مالرو النور بباريس في الثالث من نوفمبر 1901. وبدل الدراسة، بحيث أنه لم يحصل على شهادة الباكالوريا، استهوته المغامرات. التحق بالهند الصينية وهو في الثانية والعشرين من عمره رفقة “كلارا” التي أصبحت زوجته فيما بعد. حاول سرقة تماثيل من معبد للخمير قبل أن تعتقله السلطات وتلقي به إلى السجن لمدة عام، وذلك ما بين 1923-1924 بتهمة سرقة تحف مقدسة. بعد هذه التجربة، عاد إلى الهند الصينية لإطلاق جريدة مناهضة للاستعمار، لكنه ما لبث أن عاد إلى فرنسا لنقل هذه التجارب في رواية «الطريق الملكي» التي صدرت عام 1930، لكن شهرته ذاعت بعد إصداره لرواية «الشرط الإنساني» التي نال عليها جائزة الغونكور.
الرؤية الإستيتيقية: تقاطع الفن، الفلسفة، والحداثة الشعرية
من بين بقية أعماله العديدة: «أقمار على الورق»، «الأمل»، «قيود يجب أن تتكسر»، «اللاواقعية»، «عابر سبيل»، «الإنسان المزعزع والأدب»، و«مذكرات مضادة». كان لمالرو وقع هام على الثقافة العربية حيث أشادت النخبة من روائيين وفنانين بكتاباته الجريئة. وكان لفريديريك نيتشه تأثير قوي على تربيته الفكرية والفنية. اتسع نطاق اهتمامه لتغطية ميادين فنية، إستيتيقية، هندسية ومعمارية، كما أن مخالطته لرسامين كبار من أمثال بيكاسو، هارتينغ، شاغال، ليجي، وفوترييه… غدت رؤيته للإبداع.
نبوءات مالرو: صراع الايديولوجيات ومنعرجات العنف المعاصر
شغفه بالفن الحديث وبأعلامه لا يقل أهمية عن شغفه بالشعر، حيث كان قارئاً عاشقاً لشعر كل من: بودلير، مالارمي، ماكس جاكوب، سان-جون بيرس، جان غروجان، أندريه فيرنو، بيار إمانوييل، وأندريه بروتون، وغيرهم من شعراء الحداثة الشعرية. كان مالرو الشاهد الحي على انهيار العقلانية وتصادم الرأسمالية بالشيوعية، كما عاين تحولات وضعية الكاتب والفنان والمثقف وصعوبة، بل استحالة، تفكيرهم خارج الدينامية المتسارعة للتاريخ.
اليوم أخذت هذه الدينامية، وبعد مرور 50 عاماً على اختفائه، منعرجات جديدة أصبحت فيها السيادة للعنف، للفكر الأوحد، للاهوت الجهل والإقصاء، وهي أشكال تنبأ بها مالرو في مشواره كمثقف ومسؤول سياسي. تجدر الإشارة إلى أن علاقته بالعالم العربي كانت علاقة فنية (اهتم بالعمارة، الهندسة، فنون الخط، والأركيولوجيا)، كما اهتم بالإسلام ومنحاه الكلياني الذي رأى فيه تهديداً قد يضر به ويصبح قطباً للمواجهة مع الغرب بعد زوال الشيوعية. وقف عند هذه الحقيقة من منظوره اللائكي لدى زيارته للمغرب، تونس، مصر، واليمن.
