إبداع بلا ضفاف.. ملاحظات حول اللقاء الأول لكتاب ومبدعي إقليم الجديدة
أحمد الراوي
نظمت الجمعية الإقليمية للشؤون الثقافية بالجديدة، بشراكة مع “صالون مازغان للثقافة”، يوم الأحد 11 يناير 2026 بمنتجع مازغان، “اللقاء الأول لكتاب ومبدعي إقليم الجديدة”. وحسب الورقة التعريفية المنشورة على وسائط التواصل الاجتماعي، فقد تمثل هدف هذا اللقاء في «الاحتفاء بالكلمة الحرة، وتجديد الثقة في دور الكاتب، وتقديم دعوة مفتوحة لكل المهتمين بالشأن الثقافي للمشاركة في لحظة يتقاطع فيها الإبداع مع الذاكرة».
إلا أن الصور المنشورة والشهادات الواردة كشفت عن غياب لافت وقوي لمجموعة من القامات الثقافية المكرسة على مستوى مدينتي الجديدة وآزمور وباقي الإقليم، وجوه أغنت المشهد الوطني بإنتاجاتها، أمثال: عبد المجيد نوسي، مراد الخطيبي، المصطفى اجماهري، صدوق نور الدين، الحبيب الدايم ربي، عبد اللطيف عوام، عبد الحميد شكيب، حبيبة زوغي، حسنة عدي، خطيبة منديب، ورضوان خديد.
ويبدو أن المقاربة التشاركية غابت عن هندسة هذا اللقاء، إذ لم تُناقش الفكرة قبلياً مع الفاعلين الوازنين من باب تبادل الرأي، ناهيك عن غياب برنامج علمي واضح. فجاء اللقاء بمثابة “نداء عام” لجميع من يكتب في حقول الرواية، النقد، القصة، المسرح، السينما، الزجل، الفلسفة، التراث، الموسيقى، الحكاية والمقال؛ في حين سقطت “الترجمة” من قائمة الملصق. هذا الانفتاح غير المضبوط فتح الباب أمام “كشكول” من الاهتمامات المتفرقة التي لا يجمع بينها رابط موضوعي أو نسق ناظم.
إن عدم تحديد مفهومي “الكتابة” و”الإبداع” بدقة، هو ما شرّع الأبواب للجميع في غياب شروط موضوعية تراعي تراكم التجربة والاستمرارية. فالمجال الثقافي الإقليمي، كما الوطني، يتشكل من أسماء مكرسة وأخرى صاعدة وفئة ثالثة تتلمس طريقها، لكن هذا اللقاء اختار “وضع كل البيض في سلة واحدة”، رغم أن عدد الكتاب الفعليين والمعروفين في الإقليم محدود ومعلوم.
أما بخصوص رغبة المنظمين في إنجاز “دليل ببليوغرافي” لكتاب الإقليم، فإن المشروع يواجه تحديات منهجية جسيمة؛ فهو يتطلب تشكيل لجنة علمية لتمحيص المعطيات والتأكد من قيمتها الإبداعية، والتركيز على العناصر الفارقة عوض تجميع محاولات بسيطة لملء استمارة. كما أن شمولية التخصصات قد تقتضي إصدار دلائل متعددة (للمسرحيين، السينمائيين، الزجالين، إلخ)، وهو أمر يغلب عليه الاستحالة من الناحية العملية.
ويذهب مهتمون بالشأن الثقافي الإقليمي إلى أن الحاجة اليوم ليست لمثل هذه “التجمعات الكرنفالية”، بل لمبادرات ملموسة تنهض بالفعل الثقافي؛ من قبيل تخصيص دعم مباشر للمشاريع الهادفة، وتشجيع القراءة عبر اقتناء إصدارات كتاب الإقليم وتوزيعها على المكتبات العمومية والقروية، والقيام بـ “التفاتات رمزية” تليق بمن نذروا حياتهم لتنشيط الفكر والإبداع بالمنطقة.
