إسرائيل تبتلع الضفة الغربية وتحوّل الدولة الفلسطينية إلى وهم
الدكتور حسن العاصي
تتسارع على الأرض خطوات إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى تكريس واقع جديد في الضفة الغربية، واقع يقطع الطريق أمام أي أفق لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وفي ذات الوقت يتحدث العالم عن حلول سياسية عادلة للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
ففي فبراير 2026، صادقت الحكومة الإسرائيلية على سلسلة من الإجراءات الإدارية والقانونية، من بينها تسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية كـ”أملاك دولة”، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة والعديد من الدول “تصعيدًا خطيرًا” يقوّض فرص حل الدولتين ويشرعن التوسع الاستيطاني.
تشير التقارير إلى أن هذه القرارات لا تقتصر على مناطق الاستيطان فحسب، بل تمتد إلى مناطق مصنفة (أ) و(ب)، حيث يعيش ملايين الفلسطينيين تحت إدارة السلطة الوطنية، مما يعني عمليًا إعادة صياغة الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية لصالح السيطرة الإسرائيلية المباشرة. ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 700 ألف مستوطن يعيشون اليوم في الضفة الغربية والقدس الشرقية، موزعين على نحو 300 مستوطنة وبؤرة استيطانية، في حين تتعرض آلاف العائلات الفلسطينية لتهديدات الإخلاء القسري، كما حدث مؤخرًا في حي سلوان بالقدس.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل هي مؤشرات على مسار سياسي وأمني يراد له أن يصبح أمرًا واقعًا: ضم فعلي للأرض، وتفتيت للجغرافيا الفلسطينية، وإغلاق الباب أمام أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. إن ما يجري اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد إدارة نزاع، بل هو إعادة رسم للخريطة على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، في تحدٍ صارخ للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.
السياق التاريخي والسياسي
منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، كان يُفترض أن تشكّل الضفة الغربية النواة الجغرافية والسياسية للدولة الفلسطينية المستقبلية، عبر تقسيمها إلى مناطق (أ) و(ب) تحت إدارة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومناطق (ج) تحت السيطرة الإسرائيلية المؤقتة. غير أن الواقع على الأرض سار في اتجاه معاكس تمامًا، حيث تحولت المرحلة الانتقالية إلى فرصة لإسرائيل لتوسيع نفوذها وترسيخ مشروعها الاستيطاني.
عند توقيع أوسلو، كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية لا يتجاوز 110 آلاف مستوطن موزعين على نحو 128 مستوطنة، إضافة إلى نحو 140 ألف مستوطن في القدس الشرقية. لكن بعد ثلاثة عقود، تضاعف الرقم بشكل هائل ليصل إلى أكثر من 465 ألف مستوطن في الضفة الغربية موزعين على نحو 300 مستوطنة وبؤرة استيطانية، إضافة إلى حوالي 230 ألف مستوطن في القدس الشرقية. هذه الأرقام تكشف أن المشروع الاستيطاني لم يتوقف عند حدود أوسلو، بل استغل الاتفاق كغطاء لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
السياسات الإسرائيلية لم تقتصر على البناء الاستيطاني، بل شملت أيضًا مصادرة الأراضي الفلسطينية عبر آليات قانونية وإدارية، مثل إعلان مساحات واسعة “أراضي دولة”، أو تحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة، أو ربطها بمشاريع البنية التحتية الخاصة بالمستوطنات. ووفق تقارير الأمم المتحدة، فقد صادرت إسرائيل منذ عام 2000 أكثر من 2 مليون دونم من أراضي الضفة الغربية، أي ما يعادل نحو 35% من مساحتها الكلية، وهو ما أدى إلى تقليص المساحة المتاحة للفلسطينيين بشكل خطير.
في السنوات الأخيرة، ومع صعود تيارات اليمين القومي والديني داخل إسرائيل، أصبح الحديث عن “الضم الفعلي” للضفة الغربية أكثر وضوحًا. ففي فبراير 2026، صادقت الحكومة الإسرائيلية على إجراءات جديدة تشمل تسجيل أراضٍ فلسطينية كأملاك دولة، وتوسيع صلاحيات الإدارة المدنية الإسرائيلية في مناطق (أ) و(ب)، أي في قلب المدن الفلسطينية الكبرى، وهو ما اعتبره محللون “تسريعًا لعملية الضم الفعلي” ونهاية عملية أوسلو. هذه الخطوات تعني أن إسرائيل لم تعد تكتفي بالسيطرة على مناطق (ج)، بل بدأت بفرض نفوذها المباشر على مناطق يفترض أنها تحت إدارة السلطة الفلسطينية.
المجتمع الدولي عبّر عن قلقه، حيث أكدت تقارير الأمم المتحدة أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن، خاصة القرار 2334 لعام 2016 الذي يطالب بوقف الاستيطان فورًا. لكن رغم الإدانات، لم تُتخذ خطوات عملية لوقف التوسع، ما سمح لإسرائيل بفرض واقع جديد على الأرض. الاتحاد الأوروبي أصدر بيانات متكررة تدين الاستيطان، والولايات المتحدة عبّرت عن “قلق”، لكن دون إجراءات عقابية أو ضغط فعلي، الأمر الذي فسّره كثيرون على أنه ضوء أخضر غير مباشر لإسرائيل لمواصلة سياساتها.
بهذا الشكل، يتضح أن السياق التاريخي والسياسي منذ أوسلو وحتى اليوم لم يكن مسارًا نحو الدولة الفلسطينية، بل مسارًا نحو إعادة رسم الخريطة لصالح إسرائيل، عبر التوسع الاستيطاني، مصادرة الأراضي، وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية إلى جزر معزولة، ما يجعل أي حديث عن حل الدولتين أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع.
الإجراءات الإسرائيلية اليومية على الأرض
إذا كان السياق التاريخي يوضح المسار العام للسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، فإن التفاصيل اليومية تكشف حجم الضغط الميداني الذي يتعرض له الفلسطينيون، والذي يهدف إلى جعل حياتهم أكثر صعوبة ودفعهم نحو الانسحاب التدريجي من أراضيهم. هذه الإجراءات ليست عشوائية، بل هي جزء من استراتيجية متكاملة تقوم على السيطرة المكانية، التقييد القانوني، والهندسة الديموغرافية.
- مصادرة الأراضي وتغيير صفتها القانونية
من أبرز الأدوات التي تستخدمها إسرائيل هي إعلان الأراضي الفلسطينية “أراضي دولة” أو تحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة. ووفق تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فقد صادرت إسرائيل منذ عام 2000 أكثر من 2 مليون دونم من أراضي الضفة الغربية، أي ما يعادل نحو 35% من مساحتها الكلية. هذه المصادرات لا تتم فقط في المناطق النائية، بل تشمل أراضٍ زراعية حيوية، ما يؤدي إلى ضرب الاقتصاد الفلسطيني في صميمه.
- البناء الاستيطاني وتوسيع البؤر
تستمر إسرائيل في بناء وتوسيع المستوطنات بوتيرة متسارعة. ففي عام 2025 وحده، تمت المصادقة على بناء أكثر من 13 ألف وحدة استيطانية جديدة، وهو رقم قياسي مقارنة بالسنوات السابقة. هذه الوحدات لا تُبنى فقط في المستوطنات الكبرى مثل “معاليه أدوميم” و”أريئيل”، بل أيضًا في بؤر صغيرة يجري تحويلها تدريجيًا إلى مستوطنات معترف بها رسميًا. هذا التوسع يؤدي إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية عبر شبكة من الطرق الالتفافية التي تخدم المستوطنين وتمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم.
- القيود على الحركة والتنقل
الحواجز العسكرية الإسرائيلية، التي يزيد عددها عن 600 حاجز ونقطة تفتيش، تشكل عائقًا يوميًا أمام الفلسطينيين. هذه الحواجز لا تعطل فقط حركة الأفراد، بل تؤثر أيضًا على نقل البضائع والمواد الغذائية والدوائية. تقارير البنك الدولي تشير إلى أن القيود على الحركة تكلف الاقتصاد الفلسطيني نحو 3 مليارات دولار سنويًا، أي ما يعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي.
- هدم المنازل والإخلاء القسري
سياسة الهدم والإخلاء القسري تُستخدم كأداة ضغط إضافية. ففي عام 2025، هدمت السلطات الإسرائيلية أكثر من 950 منزلًا ومنشأة فلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، مما أدى إلى تهجير حوالي 1,200 شخص، نصفهم من الأطفال. هذه الأرقام تعكس أن الهدم ليس مجرد إجراء إداري، بل سياسة تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في مناطق محددة، خاصة في القدس ومناطق الأغوار.
- السيطرة على الموارد الطبيعية
إسرائيل تفرض سيطرة شبه كاملة على الموارد الطبيعية في الضفة الغربية، خاصة المياه. ووفق تقارير منظمة العفو الدولية، يحصل المستوطن الإسرائيلي على معدل استهلاك مياه يومي يصل إلى 300 لتر للفرد، بينما لا يتجاوز نصيب الفلسطيني 70 لترًا، وهو أقل من الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية. هذا التفاوت يعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى إضعاف قدرة الفلسطينيين على الاستقرار والنمو.
هذه الإجراءات اليومية، من المصادرة والهدم إلى القيود على الحركة والسيطرة على الموارد، تشكل شبكة متكاملة من السياسات التي لا تترك مجالًا للفلسطينيين سوى العيش في ظروف قاسية، وتدفعهم تدريجيًا نحو فقدان السيطرة على أراضيهم ومقدراتهم. إنها سياسة “الضغط المستمر” التي تهدف إلى جعل فكرة الدولة الفلسطينية غير قابلة للتحقق عمليًا، حتى لو بقيت ممكنة نظريًا على الورق.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
إذا كانت الإجراءات الإسرائيلية اليومية في الضفة الغربية تُظهر الوجه الأمني والسياسي للسيطرة، فإن انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية تكشف عمق الأزمة التي يعيشها الفلسطينيون، وتوضح كيف تتحول السياسات الميدانية إلى واقع خانق يطال كل تفاصيل الحياة.
- الاقتصاد الفلسطيني تحت الضغط
الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية يعاني من قيود ممنهجة. وفق تقارير البنك الدولي، فإن القيود على الحركة والبنية التحتية المرتبطة بالاستيطان تكلف الاقتصاد الفلسطيني نحو 3 مليارات دولار سنويًا، أي ما يعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي. هذه الخسائر لا تأتي فقط من تعطيل التجارة، بل أيضًا من حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية ومصادر المياه. الزراعة، التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني، تراجعت بشكل كبير بسبب مصادرة الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مناطق استيطانية أو عسكرية. ووفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، فقد خسر الفلسطينيون أكثر من 250 ألف دونم زراعي خلال العقدين الماضيين، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة تقارب 40%.
- البطالة والفقر
تؤدي هذه السياسات إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر. تشير إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن معدل البطالة في الضفة الغربية بلغ نحو 18% في عام 2025، بينما يعيش أكثر من 25% من السكان تحت خط الفقر. هذه الأرقام تعكس أن الاقتصاد الفلسطيني غير قادر على استيعاب القوى العاملة، خاصة مع القيود المفروضة على الحركة والتجارة.
- التعليم والصحة تحت الحصار
القيود الإسرائيلية لا تؤثر فقط على الاقتصاد، بل تمتد إلى القطاعات الاجتماعية الأساسية. في مجال التعليم، يعاني آلاف الطلاب من صعوبة الوصول إلى مدارسهم بسبب الحواجز والطرق الالتفافية. تقارير اليونيسف تشير إلى أن أكثر من 50 ألف طالب في الضفة الغربية يواجهون يوميًا عراقيل للوصول إلى مدارسهم، سواء عبر الحواجز أو بسبب إغلاق الطرق. أما في قطاع الصحة، فإن المستشفيات الفلسطينية تعاني من نقص حاد في المعدات والأدوية نتيجة القيود على الاستيراد والتنقل. منظمة الصحة العالمية أكدت أن نحو 30% من المرضى الفلسطينيين الذين يحتاجون إلى علاج متخصص خارج مناطقهم لا يحصلون على تصاريح من السلطات الإسرائيلية، ما يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الصحية.
- التفاوت بين المستوطنين والفلسطينيين
المفارقة الصارخة تكمن في التفاوت بين حياة المستوطنين والفلسطينيين. المستوطنات تتمتع ببنية تحتية متطورة، طرق حديثة، شبكات مياه وكهرباء مستقرة، وخدمات صحية وتعليمية عالية المستوى. في المقابل، يعيش الفلسطينيون في قرى ومناطق تعاني من نقص الخدمات الأساسية، وانقطاع الكهرباء والمياه بشكل متكرر، وغياب شبكات طرق آمنة. هذا التفاوت يعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى تعزيز جاذبية المستوطنات مقابل إضعاف مقومات الحياة الفلسطينية.
- الأثر الاجتماعي والنفسي
لا يمكن إغفال الأثر الاجتماعي والنفسي لهذه السياسات. القيود اليومية، الهدم، المصادرة، والحرمان من الموارد، كلها تؤدي إلى حالة من الإحباط واليأس لدى الفلسطينيين، خاصة الشباب الذين يشكلون أكثر من 60% من السكان. هذه الحالة النفسية والاجتماعية تترجم إلى فقدان الثقة في المستقبل، وتراجع الأمل في إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
الأبعاد القانونية والدولية
حين ننظر إلى ما يجري في الضفة الغربية من زاوية القانون الدولي، يتضح أن إسرائيل تمارس سياسات تتعارض بشكل مباشر مع قواعد أساسية نصّت عليها اتفاقيات جنيف وقرارات مجلس الأمن. فوجود مئات الآلاف من المستوطنين في أراضٍ مصنفة دوليًا كأراضٍ محتلة، يمثل انتهاكًا صارخًا للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على القوة المحتلة نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة. كذلك فإن سياسة هدم المنازل والإخلاء القسري تخالف المادة 53 من الاتفاقية نفسها، التي تمنع تدمير الممتلكات الخاصة إلا للضرورة العسكرية القصوى، وهي ذريعة لا يمكن تبريرها في معظم الحالات التي يشهدها الفلسطينيون يوميًا.
قرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها القرار 2334 الصادر عام 2016، أكدت بوضوح أن المستوطنات “ليس لها أي شرعية قانونية وتشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي”، وطالبت إسرائيل بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية فورًا. لكن هذه القرارات بقيت بلا آليات تنفيذية، لتتحول إلى نصوص أخلاقية أكثر منها أدوات إلزامية. الأمم المتحدة تواصل إصدار تقارير دورية توثق الانتهاكات، والاتحاد الأوروبي يكرر رفضه للاستيطان ويضع قيودًا على منتجات المستوطنات، فيما تكتفي الولايات المتحدة بالتعبير عن “القلق” دون ممارسة ضغط فعلي، بل إن بعض الإدارات الأميركية السابقة ذهبت إلى حد اعتبار المستوطنات غير متعارضة مع القانون الدولي، وهو ما منح إسرائيل غطاءً سياسيًا إضافيًا.
أما المحكمة الجنائية الدولية، فقد أعلنت في عام 2021 فتح تحقيق في جرائم الحرب المحتملة في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك الاستيطان، لكن التحقيق يسير ببطء شديد وسط ضغوط سياسية هائلة، ما يعكس حجم التعقيدات التي تواجه أي محاولة لمحاسبة إسرائيل على المستوى القضائي الدولي. هذه الازدواجية في المعايير الدولية تثير تساؤلات عميقة حول مصداقية النظام القانوني العالمي، إذ تُفرض عقوبات صارمة على دول أخرى بسبب انتهاكات أقل حجمًا، بينما تُترك إسرائيل لتواصل سياساتها دون عقاب فعلي.
إن استمرار هذه الانتهاكات دون محاسبة لا يضعف فقط حقوق الفلسطينيين، بل يهدد أيضًا شرعية القانون الدولي ذاته، ويحوّله إلى منظومة انتقائية تُستخدم وفق المصالح السياسية لا وفق المبادئ القانونية. بهذا المعنى، فإن الضفة الغربية ليست مجرد ساحة نزاع محلي، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة المجتمع الدولي على حماية القانون الدولي من الانهيار أمام منطق القوة والهيمنة.
انعكاسات على مستقبل الدولة الفلسطينية
ما يجري في الضفة الغربية اليوم لا يمكن النظر إليه كإجراءات أمنية أو إدارية مؤقتة، بل هو إعادة صياغة شاملة للجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية بما يقطع الطريق أمام أي إمكانية لقيام دولة مستقلة. التوسع الاستيطاني، الذي بلغ أكثر من 465 ألف مستوطن في الضفة الغربية إضافة إلى نحو 230 ألف في القدس الشرقية، يخلق واقعًا جديدًا على الأرض يجعل من المستحيل عمليًا رسم حدود لدولة فلسطينية ذات سيادة. فالمستوطنات والطرق الالتفافية تقطع أوصال الضفة إلى جزر معزولة، أشبه بـ “كانتونات” محاطة بجدران وحواجز، ما يحول دون التواصل الجغرافي الضروري لأي كيان سياسي.
مصادرة الأراضي، التي تجاوزت 2 مليون دونم منذ عام 2000، تعني أن الفلسطينيين يفقدون تدريجيًا السيطرة على مواردهم الطبيعية ومساحاتهم الزراعية، وهو ما يضعف قدرة أي دولة مستقبلية على تحقيق الاكتفاء الذاتي أو بناء اقتصاد مستقر. ومع استمرار سياسة الهدم والإخلاء القسري، التي أدت في عام 2025 وحده إلى تهجير أكثر من 1,200 شخص، يصبح الوجود الفلسطيني في مناطق استراتيجية مثل القدس والأغوار مهددًا بشكل مباشر.
هذه السياسات لا تقتصر على الجانب الميداني، بل تحمل دلالات سياسية واضحة: إسرائيل تسعى إلى فرض ضم تدريجي بحكم الأمر الواقع، بحيث يصبح الحديث عن “حل الدولتين” مجرد شعار فارغ. المجتمع الدولي، رغم إداناته المتكررة، لم ينجح في وقف هذا المسار، ما يعزز شعور الفلسطينيين بأن العالم يتخلى عن التزاماته القانونية والأخلاقية تجاه قضيتهم.
الانعكاس الأعمق لهذه السياسات هو ضرب الأمل الفلسطيني في المستقبل. فالشباب، الذين يشكلون أكثر من 60% من السكان، يعيشون في واقع يفتقر إلى أفق سياسي أو اقتصادي، ما يخلق حالة من الإحباط واليأس قد تنعكس على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في المنطقة بأكملها. بهذا المعنى، فإن ما يحدث في الضفة الغربية لا يهدد فقط إمكانية قيام دولة فلسطينية، بل يهدد أيضًا استقرار الشرق الأوسط برمته، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على حماية القانون الدولي ومنع انهيار فكرة العدالة في العلاقات الدولية.
ردود الفعل الفلسطينية والعربية
أمام هذا الواقع المتسارع في الضفة الغربية، تتباين ردود الفعل الفلسطينية والعربية بين محاولات سياسية ودبلوماسية، وتحركات شعبية، ومواقف إعلامية. السلطة الوطنية الفلسطينية ترى في الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة إعلانًا صريحًا عن نهاية عملية أوسلو، وتؤكد أن الضم الفعلي للأراضي يقوّض أي إمكانية لحل الدولتين. في بياناتها الرسمية، تحذر السلطة من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى انفجار جديد في المنطقة، وتدعو المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري لوقفها.
الفصائل الفلسطينية الأخرى، مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي، تعتبر أن ما يجري يثبت فشل المسار التفاوضي، وتدعو إلى تصعيد المقاومة الشعبية والمسلحة كخيار وحيد لردع إسرائيل. هذه المواقف تعكس حالة من الانقسام الداخلي، لكنها تتفق على أن الضفة الغربية تواجه أخطر مرحلة منذ عقود.
على المستوى الشعبي، تتجلى ردود الفعل في المظاهرات والاعتصامات التي تشهدها مدن الضفة الغربية بشكل متكرر، حيث يخرج آلاف الفلسطينيين للتعبير عن رفضهم لسياسات المصادرة والهدم. هذه التحركات غالبًا ما تواجه بالقمع من قبل الجيش الإسرائيلي، ما يؤدي إلى سقوط ضحايا وجرحى، ويزيد من حالة الاحتقان.
أما على الصعيد العربي، فقد صدرت بيانات من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي تدين الإجراءات الإسرائيلية وتصفها بأنها محاولة لفرض واقع جديد بالقوة. بعض الدول العربية، خاصة تلك التي وقعت اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل، اكتفت ببيانات عامة دون خطوات عملية، ما أثار انتقادات واسعة في الأوساط الفلسطينية. في المقابل، هناك دول مثل الأردن ومصر عبّرت بوضوح عن رفضها لهذه السياسات، محذرة من تداعياتها على الاستقرار الإقليمي.
الجاليات الفلسطينية والعربية في الخارج تلعب دورًا متزايدًا في إيصال صوت القضية إلى الرأي العام العالمي، عبر تنظيم حملات إعلامية ومظاهرات في العواصم الأوروبية والأميركية. هذه التحركات تسعى إلى الضغط على الحكومات الغربية لاتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل، لكنها تواجه تحديات كبيرة بسبب النفوذ السياسي والإعلامي الإسرائيلي في تلك الدول.
بهذا الشكل، يمكن القول إن ردود الفعل الفلسطينية والعربية، رغم تنوعها، تعكس إدراكًا مشتركًا لخطورة المرحلة، لكنها ما زالت تفتقر إلى استراتيجية موحدة قادرة على مواجهة المشروع الإسرائيلي المتسارع في الضفة الغربية.
الضفة الغربية: اختبار العدالة الدولية وانهيار أفق الدولة الفلسطينية
إن المشهد في الضفة الغربية اليوم يتجاوز كونه مجرد نزاع محلي بين طرفين، ليصبح اختبارًا صارخًا لمدى قدرة النظام الدولي على حماية القانون والعدالة في مواجهة منطق القوة. فالإجراءات الإسرائيلية، من مصادرة الأراضي إلى التوسع الاستيطاني والهدم والقيود اليومية، لا تترك مجالًا لأي أفق سياسي حقيقي، بل ترسم خريطة جديدة على الأرض هدفها الواضح: إغلاق الباب أمام قيام دولة فلسطينية مستقلة وتحويل الضفة إلى كانتونات معزولة بلا سيادة ولا موارد.
الأرقام والمعطيات التي استعرضناها تكشف حجم الكارثة: أكثر من 700 ألف مستوطن يفرضون واقعًا ديموغرافيًا جديدًا، ملايين الدونمات المصادرة، آلاف المنازل المهدمة، اقتصاد منهك بخسائر سنوية تصل إلى 3 مليارات دولار، وحقوق أساسية تُسلب يوميًا من ملايين الفلسطينيين. هذه ليست مجرد تفاصيل إحصائية، بل هي مؤشرات على مسار سياسي يراد له أن يصبح أمرًا واقعًا، مسار ينسف فكرة حل الدولتين من جذورها.
في ظل هذا الواقع، يصبح السؤال المطروح على القارئ والمجتمع الدولي معًا: هل يمكن أن يستمر العالم في الاكتفاء ببيانات الإدانة والقلق، بينما تُعاد صياغة الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية أمام أعين الجميع؟ إن الضفة الغربية اليوم ليست فقط ساحة مواجهة بين الفلسطينيين وإسرائيل، بل هي مرآة تعكس أزمة النظام الدولي ذاته، الذي يفقد مصداقيته حين يعجز عن حماية أبسط قواعد القانون الإنساني.
إن ما يحدث الآن هو لحظة فارقة، ليس في تاريخ القضية الفلسطينية وحدها، بل في تاريخ العدالة الدولية. إما أن يتحرك العالم لوقف هذا المسار، أو أن يقبل بانهيار فكرة القانون الدولي أمام منطق القوة، وهو انهيار ستكون له تداعيات تتجاوز فلسطين لتطال النظام العالمي بأسره.
