إعادة كتابة التاريخ المغربي من خلال السرد: قرصنة أم جهاد بحري؟

إعادة كتابة التاريخ المغربي من خلال السرد: قرصنة أم جهاد بحري؟

عبد السلام العزري

قراءة نقدية موسعة لقصة “قلعة الجهاد البحري” لعبد الحميد أبوزرة

       تثير قصة “قلعة الجهاد البحري” لعبد الحميد أبوزرة سؤالاً معرفياً يتجاوز حدود العمل الأدبي نفسه، ويتصل مباشرة بجدل تاريخي واسع: كيف كُتب تاريخ البحر المتوسط والمحيط الأطلسي في العصر الحديث المبكر؟ وهل كان النشاط البحري للمغاربة والأندلسيين مجرد قرصنة كما تصفه كثير من المصادر الأوروبية، أم أنه شكل من أشكال “الجهاد البحري” المرتبط بالدفاع عن السواحل والرد على الهجمات العسكرية والتجارية؟ هذه الإشكالية ليست أدبية فقط، بل هي أيضاً تاريخية وفكرية، وقد تناولتها دراسات متعددة في التاريخ البحري الإسلامي والأوروبي.

 في هذا السياق، يمكن قراءة القصة باعتبارها محاولة سردية لإعادة طرح هذا السؤال، من خلال تحويل التاريخ إلى حكاية إنسانية تدور حول شخصيات وأحداث ومغامرات بحرية. ومن هنا تتقاطع القصة مع نقاشات أكاديمية وردت في كتب مثل القرصنة والجهاد البحري في الشرق الإسلامي في العصور الوسطى التي حاولت فهم الظاهرة البحرية الإسلامية خارج التصنيفات المبسطة التي ظهرت في بعض الكتابات الاستشراقية.

السرد الأدبي بوصفه إعادة قراءة للتاريخ

تبدأ القصة بلحظة إنقاذ من البحر، وهي لحظة تحمل قيمة رمزية كبيرة في الأدب البحري عموماً. فالشخصية الرئيسية، يونس الأندلسي، لا تظهر كبطل جاهز، بل كناجٍ من كارثة، ما يسمح للسرد بأن يتحول تدريجياً من تجربة فردية إلى مشروع جماعي. هذه البنية السردية تتوافق مع ما تشير إليه بعض الدراسات التاريخية حول المجتمعات البحرية في شمال أفريقيا، حيث كان كثير من البحارة الأندلسيين والمغاربة جزءاً من شبكات اجتماعية وسياسية معقدة.

وقد أشار الباحث الفرنسي في التاريخ المتوسطي في كتابه La course et les corsaires dans l’Islam médiéval إلى أن ما يسمى في المصادر الأوروبية بالقرصنة كان في كثير من الأحيان جزءاً من نظام سياسي وعسكري معروف في العالم الإسلامي باسم “الكُرْسَ” أو الحرب البحرية شبه النظامية. هذا المفهوم يختلف عن القرصنة الفردية التي تهدف إلى الربح فقط، إذ كان يرتبط أحياناً بسلطات سياسية أو إمارات بحرية.

في ضوء ذلك، يمكن فهم القصة بوصفها محاولة لتقديم رؤية محلية للتاريخ البحري المغربي، خصوصاً في مدينتي سلا والرباط، اللتين كانتا مركزاً لنشاط بحري بارز خلال القرن السابع عشر، فيما عرف أحياناً بجمهورية سلا البحرية.

تفكيك مفهوم “القرصنة” 

تستفيد القصة ضمنياً من النقاش الأكاديمي حول طبيعة الصراع البحري في العصر الحديث المبكر. ففي كتاب Corsairs and Navies, 1600–1760 يوضح المؤرخ الإيطالي نيكولو كابّوني أن البحر المتوسط لم يكن فضاءً للفوضى كما تصور بعض السرديات، بل كان مسرحاً لتوازنات قوى بين أساطيل رسمية وشبه رسمية، سواء في أوروبا أو في العالم الإسلامي. وقد كانت كثير من العمليات البحرية تتم تحت رعاية دول أو سلطات محلية، ما يجعل وصفها بالقرصنة وحده تبسيطاً للتاريخ. 

القصة تعكس هذا الفهم عندما تقدم مجلس شورى المجاهدين في سلا باعتباره مؤسسة تتخذ قرار الحرب البحرية بشكل جماعي. هذا التصوير الأدبي يعيد الاعتبار لفكرة التنظيم السياسي، ويضع النشاط البحري في إطار مشروع دفاعي أو تحرري، لا مجرد مغامرات فردية. 

كما أن النص يسلط الضوء على قضية الأسرى، وهي قضية مركزية في تاريخ البحر المتوسط. فقد كانت عمليات الأسر والفداء جزءاً من الواقع البحري في تلك الفترة، وقد درستها عدة أعمال تاريخية، منها مجموعة الدراسات المعروفة بعنوان Barbary Corsairs and European States التي تناولت العلاقات المعقدة بين القوى البحرية في شمال أفريقيا والدول الأوروبية.

التعدد الثقافي في المجتمع البحري

 أحد الجوانب المهمة في القصة هو تصويرها لمجتمع بحري متنوع يضم أندلسيين ومغاربة ويهوداً وموريسكيين. هذا التعدد لا يأتي صدفة، بل يعكس واقعاً تاريخياً تشير إليه دراسات تاريخ شمال أفريقيا، مثل الكتاب المعروف North Africa and Islam, 1800–1900: A Cultural History الذي يبرز كيف شكلت المدن الساحلية في المغرب فضاءات للتبادل الثقافي والاقتصادي، حيث التقت مجموعات بشرية متعددة حول التجارة والبحر والسياسة.

 في القصة، يتحول هذا التنوع إلى عنصر قوة، إذ يجتمع أفراد من خلفيات مختلفة حول هدف واحد: تحرير الأسرى ومواجهة الاعتداءات البحرية. وهنا يبرز البعد الرمزي للنص، الذي يقدم البحر كفضاء للتلاقي الحضاري وليس فقط للصراع.

البحر في المخيال الأدبي العالمي

 من زاوية أدبية، يمكن وضع قصة “قلعة الجهاد البحري” ضمن تقليد واسع من الأدب البحري الذي تناول شخصية القرصان أو البحار المغامر. ففي الأدب الأوروبي الكلاسيكي ظهرت صورة القرصان في أعمال مثل Treasure Island و**Captain Blood** و**The Pirate**، حيث غالباً ما يُصوَّر القرصان كشخصية متمردة تعيش خارج القانون، لكنها في الوقت نفسه تحمل بعداً بطولياً أو رومانسياً.

 غير أن الفرق الأساسي بين هذه الأعمال والقصة التي نناقشها يكمن في زاوية الرؤية. فبينما ركزت الروايات الأوروبية على القرصان الفردي المغامر، تقدم “قلعة الجهاد البحري” نموذجاً للجماعة البحرية المنظمة. البطولة هنا ليست فردية بالكامل، بل جماعية، وهو ما يعكس تصوراً مختلفاً لدور المجتمع في صناعة الحدث التاريخي.

 السرد بين التخييل والهوية التاريخية

 تنجح القصة في الجمع بين عنصرين مهمين: المغامرة الأدبية والوعي التاريخي. فهي لا تدعي تقديم وثيقة تاريخية دقيقة، لكنها تسعى إلى إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية حول مرحلة من تاريخ المغرب البحري. وهذا النوع من الأدب يلعب دوراً مهماً في إعادة التفكير في التاريخ الوطني، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفترات لم تحظ باهتمام كافٍ في المناهج التعليمية أو الكتابات العامة.

 ومن هنا يمكن القول إن النص يندرج ضمن ما يسمى أحياناً “الأدب التصحيحي”، أي الأدب الذي يحاول إعادة التوازن إلى السرديات التاريخية التي سيطر عليها منظور واحد لفترة طويلة. فالكاتب لا ينكر وجود صراع أو عنف في البحر، لكنه يعيد تفسيره ضمن سياق تاريخي أوسع يرتبط بالصراع الإمبراطوري والهجرة الأندلسية والتحولات السياسية في المنطقة.

 خاتمة

 تكشف قراءة قصة “قلعة الجهاد البحري” في ضوء الدراسات التاريخية الحديثة أن الأدب يمكن أن يكون أداة فعالة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول التاريخ. فالسرد هنا لا يكتفي بإحياء الماضي، بل يناقش اللغة التي نصف بها ذلك الماضي: هل نسمي ما حدث قرصنة، أم جهاداً بحرياً، أم صراعاً بين قوى بحرية متنافسة؟

من خلال هذه القصة، يظهر التاريخ المغربي البحري بوصفه جزءاً من تاريخ عالمي للأطلسي والمتوسط، لا مجرد هامش في السرديات الأوروبية. وهكذا يتحول العمل الأدبي إلى مساحة حوار بين التاريخ والأدب، وبين الرواية المحلية والرواية العالمية، في محاولة لفهم الماضي بطريقة أكثر تعقيداً وتوازناً.

المراجع

1 – قلعة الجهاد البحري أبوزرة، عبد الحميد. منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير المغربية، الطبعة الأولى، 2025.

2 – القرصنة والجهاد البحري في الشرق الإسلامي في العصور الوسطى عبد الهادي، محمد. دراسة تاريخية حول ظاهرة الجهاد البحري والقرصنة في العالم الإسلامي الوسيط.

3-   La course et les corsaires dans l’Islam médiéval — Jean Aubin. عمل بحثي كلاسيكي حول تاريخ الكُرْسَ والقراصنة في بحار العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى.

4-  Corsairs and Navies, 1600–1760 — Niccolò Capponi. دراسة تحليلية حول التفاعل بين الأساطيل الأوروبية ونشاط الكورساير في البحر المتوسط.

5-  Barbary Corsairs and European States — مجموعة مؤلفين. دراسات تاريخية حول العلاقات السياسية والعسكرية بين قراصنة شمال أفريقيا والدول الأوروبية في العصر الحديث المبكر.

شارك هذا الموضوع

عبد السلام العزري

ناقد وكاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!