إلى فيروز.. السيدة التي عاشت خلودين

إلى فيروز.. السيدة التي عاشت خلودين

أحمد علي الزين

كتبتُ هذا النص بعد رحيل زياد بيومين، لم أنشره. حقيقةً لا أعرف لماذا لم أنشره آنذاك!!! اليوم تذكرته، بعد رحيل “الضنى” الآخر لفيروز “هالي” الذي شاهدته لمرة واحدة في بيت الروشة من سنيين، يتأمل في ستارة يلعب فيها الهواء؛ قال لي زياد: “هي سلوته، يتأملها لساعات”. يا الله كيف تلعب بنا الدنيا!

1- زياد

في صوته حزنٌ لا يشبه الحزن. كأن حرفاً تعثّر في الحنجرة فخفُتَ رنينُه، صار يشبه “الألتو” ناي القصب، كأنّ في الصوت عتب. كأنه حزينٌ على نفسه، ذلك الصوت الذي يُضحكك حين يحكيك، أو يُبكيك ولا تعرف السبب.

حيناً، وهو يمازحك على الرصيف لو التقيت به صدفة، يسلّم عليك ويقع من صوته الخريف. لا أضيف، حين نودّعُ من تحبّ: كأنّ عيناً تبكي عليه وعيناً تبكي عليك. فيسألك بمحكية ساخرة، متعجبة وحكيمة: “ليك، ليه عم تعمل هيك؟“. تجيب: “لأنه ليس بعيني إلا ما ترى، وفي القلب لا يُرى مثل الذي في قلبك“.

أحذفُ كلَّ ما كتبتُ، وأكتب من جديد: وجعني هذا الرجل مرتين؛ حين صار صديقاً من سنيين، وحين مات من يومين.

وصية: لا تسرفوا في الصداقة وفي الحب، كي لا تصابوا بوجع الفقدان. (وصية لا نفع بها، سأحذفها أيضاً وأزاول الشوق).

اشتقت لأمي حين سمعت صوت فيروز تسألك عن جودة الصوت في استوديو التسجيل. أيضاً صوت أمي في البرية جميل. قلت لنفسي: “ما حدث مستحيل، أن يموت الرجل ولديه أمانة من أمه أن يؤجل لبعدها الرحيل“.

2 فيروز

لا أعرف إذا سمعتني وأنا أقول لها: “نحن كلنا إخوة لزياد، أعلم أننا لا نملأ مكانته عندكِ ولستِ بحاجة لنا، ولكن نحن نحتاجكِ”. أنا أحتاجكِ؛ يرافقني صوتكِ وأنا في طريقي إلى عكار حين أشتاق لبيتنا العتيق.

راعي بكي ومنجيرتو معو بكيت تيتسلى”، توجعني هذه الأغنية وهي تقول: “شو قولكن عالسكت قالت له، وشو قولكن ألّا”. الصوت هو هذه الحاجة؛ لأنه كما نبع الماء الذي يحمل اسم أمي وشربنا منه، لا حياة لو جف.

لا أعرف إذا سمعتني، أو أني قلت لها ذلك فعلاً حين انحنيت أمامها. “فايئ عسهرة وكان في ليل وندي والنار عم تغفى بحضن الموقد”، أنا كبرت على صوتها في بيت أهلي، هذه السيدة سمعتها لآلاف المرات وشاهدتها عن قرب لمرات ثلاث في الأسود: حين مات عاصي، وحين ماتت ابنتها ليال، والثالثة في وداع زياد.

لكني كأني لم أرها، لم أشاهد عيناها، العينان نافذة الروح، كانت تخفي تلك اللغة (لغة القلب) خلف نظاراتها السود. “عينينا هني أسامينا”… كما كتب لها جوزيف حرب، نحن لا نعلم ماذا تخفي فيروز خلف نظاراتها السود.

سبعون سنة هي أم زياد، هو وحده يعرف ماذا خلف نظاراتها السود، يعرف صوتها الآخر في البيت؛ صوت الأم والزوجة. يعرفه في حنوه وقسوته، وغضبه وغيرته، ورفضه وألمه، وفرحه وحزنه وعتابه، حين يبكي وحين يضحك. نحن نعرف صوت فيروز وهي تغني: “يا جبل البعيد خلفك حبايبنا”، أو “ستي يا ستي اشتقتلك يا ستي“.

في “ميس الريم” كان آخر اتصال مع بلدة كحلون (بلدة الجدة)؛ “كحلون ألو كحلون”، انقطع الخط. بلدة افتراضية في عالم افتراضي جميل. كان ذلك في نيسان 75، وكنت هناك في “البكاديللي” لأستمع إليها أولاً وأشاهد تلك الفتاة التي أحب (كانت من فتيات الكورس)، وكان ابنها هناك بافتتاحيته الموسيقية للمسرحية، وبجسده ممثلاً متقمصاً دور شرطي على ما أذكر. كان هذا قبل خمسين سنة. كأن صوتها هو مسبب حنيني وهي تغني: “بعدو الحبايب بيعدوا“.

أما خلف صوت هذه السيدة الذي يطرب ويوجع، يشتاق ويشفّ ويصبح روحاً صافية؛ خلف هذا الصوت ٩٠ سنة من الكلام: همس وصراخ، وبكاء وأنين وأوجاع. عاشت أوجاع بلاد وخرائب وحروب وشتات، وودعت من على عتبة بيتها عاصي وابنتها ليال وابنها زياد، ودعت منصور وإلياس، وشعراء كانوا أصدقاء البيت كتبوا لها: جوزيف حرب، أنسي الحاج، سعيد عقل وميشال طراد.

وحين وصل طلال حيدر بنصف جسده لوداع زياد، كأنه قال: “وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان، صرخ عليهم بالشتي يا ديب بلكي بيرجعوا”. ويجيب الصوت من بعيد بصوت أميمة وحنين مرسيل خليفة: “يا قلب حاج تعن، يا قلب ما رح يرجعوا”… هكذا كتب طلال حيدر.

فيروز تشبه أسطورة إغريقية؛ أمٌ كتب عليها خلودان: خلودٌ مديد لصوتها، وخلودٌ جلجلي لجسدها. كُتب عليها أن تشاهد الموت يزور البيت لمرات، ويأخذ معه الأهل والأبناء والزوج وزواراً قدماء. وحدها بقيت هناك مع ابنتها وابنها الآخر الذي شاهدته مرة في بيتها على الروشة يتأمل في ستارة النافذة التي يداعبها الهواء. هي وحدها وصوتها تسمعه حتى لو لم ترد ذلك؛ لأنه تخطاها وتخطى جسدها مذ أطلقته ينشد في صباح بعيد.

وحدها تعرف مقادير ألمها، ماذا تفكر قبل أن يغلبها النعاس وحين تصحو على صوتها يتسرب من بيوت الجيران. الصوت الذي يعرفه الناس كان ساكتاً يومذاك في طقس الوداع (وداع الضنى). امرأة بوقار عظيم نحتته السنوات، كأنها خرجت من “جبال الصوان” على هيئتها التي توحي بصلابة منحوتة بازلت الرخام الكاراري الصقيل، وبهشاشة ورق الخريف. يعبر المعزون بها وأمامها كأنهم يعبرون في الحلم أمام أيقونة رسمها الوقت وأطرها، وصار لمسها يهدد هشاشة القلب وسحرها الطيفي.

هي ليست كذلك؛ شريكة عاصي ليست فيروز، وأم زياد ليست فيروز. عمل ابنها أن يجعلها خارج إطار الأيقونة؛ أنزلها من الصورة إلى لغة الحياة، إلى اليومي، إلى ما يوجع ويسخر ويضحك ويبكي. إلى لغته أعادها، إلى صيغة المغني بعفويته وهو يحب وهو يتعب وهو يشتاق. هي ماذا تقول؟ كأنها تقول: “لو كنتم تعرفون ما في قلبي لكتبتم أشياء أخرى أو التزمتم السكوت مثلي. مات أهلي، مات أبنائي، مات بلدي، ماتوا كلن.. وبقيت الحكاية“.

اليوم مات ابنها الآخر “هالي” الذي شاهدته لمرة واحدة في بيت الروشة.

3 هالي

كان يتأمل مندهشاً في الستارة التي يداعبها هواء البحر. كنت هناك مع المعزين، وكان “هالي” بعينيه الواسعتين يتفرج على حركة الكون في تموجات ستارة البيت. كان يرى ما لا نراه ويعلم ما لا نعلم وهو يحدق في الستارة. عبثٌ لو سألت: ماذا يرى؟ قال لي زياد: “هي سلوته، مدمن عليها“.

إذاً هي الموسيقى التي لا نسمعها نحن الأسوياء (فيما لو كنا أسوياء) ويراها بعينيه. كأن اسمه يخفي اكتمال ما نراه مثل القمر حين يكون هلالاً أو “هالي”. هو الآن يرى اكتماله.

رحل هالي، أو اكتمل ما رآه. ربما اشتاق لأخيه، أو لأبيه، أو لستارة البيت البعيد. هو مشتاقٌ أبدي لشيء يراه في الهواء.. مثل صوت أمه، مثل صوت أخيه في الغناء.

شارك هذا الموضوع

أحمد علي الزين

روائي وصحفي لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!