إيغناسيو رامونيه والمغرب: ذاكرة النضال الثقافي والمواقف الضاربة
عبد الرحيم التوراني
تأتي استضافة جريدة “البيان” لرامونيه، المدير السابق لجريدة “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية والمدير الحالي لنسختها الإسبانية، لتشكل حدثا ثقافيا وإعلاميا بارزا.
يعد إيغناسيو رامونيه واحدا من الشخصيات الفكرية العالمية التي لا يمكن قراءة مسارها بمعزل عن المغرب. فهذا المفكر الذي ولد في إسبانيا وترعرع في طنجة، ظل وفيا لروابطه المغربية، ليس فقط كأستاذ عمل في مدارس مدينتي سلا والرباط، كما في المعهد المولوي، بل كفاعل أساسي في صلب الحراك الثقافي والسينمائي المغربي.
ارتبط رامونيه بعلاقة صداقة فكرية وتاريخية وطيدة بعدد من المثقفين المغاربة، نذكر من بينهم الناقد السينمائي الراحل نور الدين الصايل، ولم تكن هذه العلاقة مجرد رفقة شخصية، بل كانت تحالفا ثقافيا أثمر مساهمات جوهرية في إرساء دعائم الأندية السينمائية بالمغرب.. لقد آمن الصديقان بأن السينما ليست مجرد ترفيه، بل هي أداة للتحرر الفكري والنقد الاجتماعي، حيث ساهم رامونيه بخبرته كأحد رواد سيميولوجيا الصورة في إغناء النقاشات السينمائية التي صقلت وعي جيل كامل من المثقفين المغاربة.
يبقى عام 1984 محطة فارقة في علاقة رامونيه بالسلطة والمجال الثقافي المغربي.. ففي تلك الفترة المتوترة سياسيا، نشر رامونيه مقالا في جريدة “لوموند“ الفرنسية، تناول فيه بالتحليل العميق والاحتفاء الدور التوعوي والتقدمي الذي تلعبه المجلات الثقافية المغربية المستقلة.
ركز رامونيه في مقاله على قدرة هذه المجلات على خلق فضاء للنقد الحر وتنوير الرأي العام، معتبرا إياها قاطرة للتحديث الفكري في المغرب.. إلا أن هذا الإشادة الدولية أتت بنتائج عكسية في ظل قبضة وزير الداخلية آنذاك إدريس البصري، إذ استُخدم المقال ذريعة لتنفيذ قرار جاهز بالمنع، طال أربعا من أهم المجلات الثقافية في تاريخ المغرب المعاصر: “الثقافة الجديدة ” التي كان يديرها محمد بنيس، و”البديل” لبنسالم حميش، و”جسور” لعبد الحميد عقار، و”المقدمة” تحت رئاسة تحرير عبد الرحيم البوعزاوي.
صدر قرار المنع دون أي سند قانوني، في محاولة لمحاصرة المد التقدمي الذي بشر به رامونيه في مقاله، وهو الحدث الذي ظل محفورا في الذاكرة الثقافية المغربية كشاهد على الصراع بين حرية التعبير وسلطة المنع، ويعتبر هذا الحظر جزءا من سياسة السيطرة المخزنية على عدد كبير من الإنتاجات الثقافية والصحافة، كما يرتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ النشر في المغرب، في فترة شهدت قيودا مشددة على حرية التعبير.
إيغناسيو رامونيه في “لوموند ديبلوماتيك“
تعتبر تجربة إيغناسيو رامونيه في “لوموند ديبلوماتيك“ Le Monde Diplomatique مدرسة قائمة بذاتها في الصحافة العالمية، حيث لم يكن مجرد مدير للنشر، بل كان المهندس الذي حول الجريدة من ملحق دبلوماسي نخبوي إلى مرجع كوني لتيار الفكر النقدي ومناهضة العولمة الليبرالية. إذ تولى رامونيه رئاسة تحرير الجريدة عام 1990، وفي عهده الذي استمر حتى 2008، حققت “لوموند ديبلوماتيك” استقلالا تحريريا كاملا عن جريدة “لوموند” الأم.
نجح رامونيه في بناء شبكة عالمية جعلت الجريدة تصدر بعشرات اللغات، مما حولها إلى رادار يرصد التحولات الجيوسياسية والاقتصادية بأسلوب يجمع بين الدقة الأكاديمية والالتزام الصحفي.
رامونيه هو من صاغ المصطلح الشهير “الفكر الوحيد“ La Pensée Unique في إحدى افتتاحياته، منتقدا هيمنة العقيدة النيوليبرالية على العقول والسياسات العالمية. وبفضل هذا المفهوم أصبحت الجريدة منصة للمقاومة الفكرية، تفكك خطاب الهيمنة وتطرح بدائل اقتصادية واجتماعية تنحصر في مصلحة الشعوب لا الشركات العابرة للقارات.
في ديسمبر 1997 كتب رامونيه افتتاحية تاريخية بعنوان “نزع سلاح الأسواق“، دعا فيها إلى فرض ضريبة على التحويلات المالية (ضريبة توبين). كانت هذه المقالة هي النواة التي ولدت منها منظمة “أتاك” ATTAC، (الحركة الدولية المناهضة للعولمة النيوليبرالية)، ومن ثم انطلق المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو أليغري، ليصبح رامونيه أحد أبرز منظري شعار: “عالم آخر ممكن“.
بصفته تلميذا للفيلسوف رولان بارت، نقل رامونيه أدوات النقد البنيوي واللساني إلى الحقل الصحفي. لم يكن يكتفي بنقل الخبر، بل كان يحلل “اللغة” الكامنة وراءه. في كتابه الشهير “طغيان الاتصال“، حذر من أن وفرة المعلومات قد تؤدي إلى تضليل أكبر، وهي الرؤية التي تتبدى اليوم بوضوح في زمن “الأخبار الزائفة” والذكاء الاصطناعي.
لم تكن قيادة إيغناسيو رامونيه لـ “لوموند ديبلوماتيك“ مجرد محطة في مسار وظيفي، بل كانت بمثابة معركة لإعادة تعريف كرامة الكلمة، ففي الوقت الذي كانت فيه الصحف تذعن لسطوة الممولين، اختار رامونيه طريقا وعرا حين أسس جمعية “أصدقاء لوموند ديبلوماتيك“، واضعا بذلك حجر الزاوية لاستقلال مالي يقي الجريدة شر الانحناء أمام ضغوط المعلنين وأصحاب النفوذ. (وصلت الجريدة في عهده إلى أكثر من 70 طبعة دولية بلغات مختلفة).
هذا التحرر التحريري لم يحبس الجريدة في برج عاجي، بل جعل صوتها عابرا للقارات، لتتحول في عهده إلى “إمبراطورية فكرية” تتحدث بأكثر من سبعين لغة، وتصل إلى القراء في أبعد جغرافيا الأرض، حاملةً معها فلسفته في “الصحافة المناضلة“.
بالنسبة لرامونيه، لم يكن الحياد أمام القضايا الإنسانية الكبرى سوى تواطؤ مضمر مع القوي ضد المستضعف، لذا صاغ مهنة المتاعب كأداة لخدمة القضايا العادلة أولا وأخيرا.
لقد استطاع رامونيه أن يحول المؤسسة من مجرد منبر إعلامي إلى “جبهة ثقافية عالمية“ تقاوم بشراسة تسليع الوعي الإنساني. واليوم، حين يحل ضيفا على المغرب بصفته مديرا لنسختها الإسبانية، فإنه لا يأتي كمجرد زائر، بل كحامل لهذا النفس النضالي الذي لم ينطفئ منذ عقود، ليواصل من هنا، ومن فوق هذه الأرض، حياكة خيوط ذلك العالم البديل الذي طالما آمن بإمكانيته.
البرنامج الثقافي والمحاضرات:
محاضرة الدار البيضاء: الصحافة في اختبار الذكاء الاصطناعي والبحث عن الحقيقة
– الأربعاء 15 أبريل 2026، الساعة 16:30- مكتبة مسجد الحسن الثاني.
محاضرة الرباط: القوة والحق: الجيوستراتيجية في عالم متعدد الأقطاب
– الخميس 16 أبريل 2026، الساعة 17:00 – قاعة العروض بالمعهد الوطني العالي للموسيقى والفنالكوريغرافي.
