استقالة أخنوش: “مْشَى لْغُـولْ.. وجَا لْغُـولْ”…

استقالة أخنوش: “مْشَى لْغُـولْ.. وجَا لْغُـولْ”…

عبد الرحيم التوراني

            في أدبيات التاريخ المغربي المعاصر، تبدو الاستقالة مفردة غريبة، تكاد تكون مصطلحا نشازا في القاموس السياسي للمملكة.. فلم يألف المغاربة رؤية وزير أو مسؤول سامٍ يترجل عن صهوة منصبه طواعية، مهما عظمت النوازل أو تضخمت الأحداث الداعية للرحيل. بل إن الأعراف السياسية تشي بأن الاستقالة في المغرب لا تجد طريقها للقبول إلا إذا تحولت فورًا إلى إقالة، وكأن الدولة تأبى أن تترك للمسؤول ترف اختيار لحظة النهاية، محولة قرار الرحيل من حق شخصي إلى إرادة عليا.. “تُنهي المهام” متى شاءت.

لا تحتفظ الذاكرة السياسية إلا بأسماء نادرة تجرأت على كسر هذا الطوق، نذكر منها وزير الفلاحة عثمان الدمناتي، وكان ذلك خلال بداية التسعينيات. ووزير الإعلام في حكومة التناوب محمد العربي المساري. قبلها تبرز واقعة استثنائية بطلها محمد زيان، وزير حقوق الإنسان السابق، الذي فاجأ الدولة والمجتمع بإعلان استقالته مباشرة على الهواء عبر شاشة القناة الثانية (2M)، في مشهد درامي غير مسبوق في تاريخ التلفزيون الرسمي، وهو الرجل الذي تحول اليوم، في مفارقة صادمة من وزير سابق إلى نزيل في السجن منذ أزيد من ثلاث سنوات.

وتظل تجربة الراحل عبد الرحمن اليوسفي هي الجرح الأغور في الذاكرة السياسية، إذ استقال مرتين في لحظتين فارقتين: الأولى حين قدّم استقالته وغادر البلاد احتجاجا على تزييف الإرادة الشعبية في انتخابات 1993، معتبرا إياها طعنة لوعد شخصي تلقاه من الملك الراحل الحسن الثاني بنزاهة الاقتراع وكفّ يد أجهزة وزير الداخلية القوي آنذاك إدريس البصري…

أما الثانية، فكانت عقب انتخابات 2002، حين أطلق صرخته التاريخية معلنا عدم استعداده للتعامل مع الخروج عن المنهجية الديمقراطية، بعدما تصدر حزبه النتائج وتم إبعاده عن الوزارة الأولى.

خارج هذه الاستثناءات، يسود منطق التشبث بالكرسي حتى الرمق الأخير. يتحول المنصب الحكومي أو الحزبي إلى عقد أبدي لا يفصمه إلا الموت أو “الغضبة” الكبرى. وتُطوع في سبيل ذلك القوانين والمؤتمرات الحزبية، ويصبح شعار “نزولاً عند رغبة المناضلين”، أو تخريجة “المؤتمر سيد نفسه”… مسرحية هزلية لتمديد الهيمنة..

لا شك أن إدريس لشكر سيصاب باليتم لفراق “رفيقه عزيز”… لشكر الذي حطم الرقم القياسي في عدد الولايات على رأس حزب الاتحاد الاشتراكي، ضدا على قانون الأحزاب وضدا على منطق التاريخ، يعرف جيدا أن استمراره هو الآخر ليس قرارا حزبيا، بل هو “مهمة” يؤديها لصالح الجهات العليا.

المشهد بات سرياليا بامتياز، أحزاب صُنعت في دهاليز الداخلية وملحقاتها حتى “تشابه البقر” علينا ولم نعد نفرق بينها… حزب الأصالة والمعاصرة الذي وُلد في حضن المخزن أمام مرأى الجميع، يبحث اليوم عمن يقوده بعد فشل الرهان على بنت الباشا فاطمة الزهراء المنصوري، وهو فشل سياسي لا علاقة له بكونها امرأة أو أنثى…

ومن النكت السمجة في هذا التجمد السياسي أن تجد أسماء بعينها تنتظر الآن الأمر لتحدد وجهتها.. هل تخلف عزيز أخنوش في حزب التجمع الوطني للأحرار، أم تقود “البام”؟ فالبيادق جاهزة.. والجهة التي توزع الأدوار واحدة.

في خضم هذا العبث، تسأل الجماهير في شماتة واضحة عن مصير أزلام “ملك المحروقات” الذي احترقت ورقته، والقصد أولئك الذين استقدمهم أخنوش من مكاتب شركاته ليضعهم في مفاصل الدولة بلا سيرة ذاتية غير الولاء للباطرون… ماذا سيفعل بهم اليتم السياسي بعد غياب ولي النعمة؟

بل حتى الهيئات الحزبية الحليفة سارعت لعقد اجتماعات بجدول أعمال وحيد: “من سينفذ لنا الوعود بعد رحيل الملياردير؟.

لقد تكلست مشاعرنا السياسية ونحن نتابع هذه المسرحية القراقوشية المكشوفة، حيث يحركون خيوطها بقسوة من خلف الستار وهم يحبون كشف أنفسهم قصدا لإهانة ما تبقى من معنى للسياسة…

 سيرحل أخنوش كما ذهب سابقوه، وسيأتون بآخرين يشبهونه في التنكيل بالجماهير الشعبية… يذهب أخنوش محملاً بالثروات ومحصنا من الحساب…

أما نحن، فلم تعد حتى الفرجة تهمنا، ولا نجد مثلاً يليق بهذه الواقعة أكثر من قولنا: مشى لغُـول وجا لغُـول.. وبقات الساقية في حالها.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!