الاحتفالية: بين عالم يتغير وعقل عربي متحجر
د. عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
لستُ أدري إن كان من حقي أن أعطي النصائح لمن يريد أن يدخل عالم هذا المسرح. وفي مثل هذا الحال أجد نفسي أتساءل: مَن أعطاني الحق في أن أكون في هذا المسرح معلماً، وأن أكون فيه فقيهاً، وأن أكون مفتياً؟ وهل الأمر بهذه السهولة وبهذه البساطة في صناعة مسرحية مركبة، ومعقدة، وماكرة، وزئبقية؟
وأجدني في كل الحالات أقول في هذا اليوم نفس الكلام، وأردد ما يلي: ـ وهل من يدخل هذا المسرح يدخله باختياره؟ ـ وهل من يعرف باب البيت المسرحي فقط، يمكن أن يعرف ما بداخله من أسرار خفية؟ ـ ومن يعرف كيف يدخل هذا المسرح، هل يمكن أن يعرف كيف يخرج منه بسلام، أو بأقل الأضرار على الأقل؟
يقول “الاحتفالي”: إن هذا المسرح هو دنيانا الحقيقية، والتي تختارنا قبل أن نختارها. ونحن في هذه الدنيا المسرحية نولد مسرحيين، وفي مسارها الوجودي نتعلم من غير معلم؛ وبهذا يكون أصدق المعلمين في هذا المسرح هو المشاهدة، والقراءة، والتجربة، والمعايشة، والمعاناة الصادقة. أي أن نعيش المسرح أولاً، ومن بعدُ نعرفه ويعرفنا، وتصبح هذه المعرفة في درجة الحب، وتنشأ بيننا وبينه ألفة وصحبة ورفقة ومودة ورحمة.
ولقد وجدت في هذا المسرح، وفي أكثر من مرة، من يسألني من الشباب نفس السؤال: ـ بماذا يمكن أن تنصحني أيها المسرحي المجرب؟ وهل يمكن للكاتب الذي يسكنني، والذي قال في أكثر من مناسبة: “السائر في الطريق أدرى بالطريق، وصاحب الجرح أدرى بالجراح”، أن يوجه النصائح لمن يمشي مثله في الطريق، ولمن يُفترض فيه أن يعرف الطريق الذي اختاره عن حب واقتناع، وعن عشق وشغف؟
أعتقد أن الطائر الذي يطير في السماء لا يحتاج لمعلم يعلمه كيف يطير، وهو بهذا لا يحتاج لأن يدخل مدرسة الطيران لكي يطير، ولم يكن له في يوم من الأيام معلم في هذه المدرسة غير “الفطرة” طبعاً، وغير الحس السليم والذوق القويم. وفي نفس هذا المعنى يقول المثل العربي: “الديك الفصيح من بيضته يصيح”.
نعم، وكذلك هو الأمر بالنسبة للمسرحي في خطواته الأساسية الأولى؛ فاعلم أيها المسرحي الشاب أن أصدق كل المعلمين هو “أنت”، فعلم نفسك بنفسك، واستفتِ قلبك، وأنصت إلى الأصوات الخفية التي تأتيك من داخلك. كن أنت المسرح حتى يكون المسرح هو أنت، وتأكد بأن من يحب المسرح حباً صادقاً يحبه المسرح. وإياك أن تعتقد أنه من الممكن أن يكون بينك وبين هذا المسرح “زواج متعة” عابرة أو “زواج منفعة” ظرفية؛ فإذا أعطيت أنت كل شيء فيك لهذا المسرح، فإنه في المقابل لا يمكن أن يعطيك إلا شيئاً قليلاً جداً منه.
وكيف تنتظر مني أن أنصحك أيها المسرحي الجديد، وأنت تعلم بأن مسرحك غير مسرحي، وأن زمانك غير زماني؟ وإذا كنت أنا قد عجزت عن معرفة مسرحي، الذي ينتمي في جزء كبير منه إلى الماضي وينتمي جزء صغير منه إلى الحاضر، فكيف يمكن أن أعرف مسرحك أنت، وهو مسرح موجود في الغيب، أي في ذلك الزمان الآتي غداً أو بعد غد؟
وعليه، فإنني أكتفي بأن أهمس في أذنك بالكلمات التالية، التي لا يمكن أن ترقى لأن تكون نصائح، أو تعليمات أو إملاءات؛ لأنه لا تعليمات ولا إملاءات في الفن والفكر. أقول لك: ـ أنت لست أنت في كل الحالات والمقامات وفي كل السياقات؛ لأنك أساساً حركية وطاقة محركة، ومن غير المعقول ولا المقبول أن تكون “أنت” هو “أنت” في تجربتين مسرحيتين مختلفتين. وأنت بهذا ممنوع من أن تكون نفس الكاتب في لحظات متباعدة؛ لذا فاحرص على ألا تقلد نفسك، وعلى ألا تستنسخ نجاحك، وألا تقف عند تجربة عابرة واحدة وتقول: “هذا هو مسرحي.. كل مسرحي”.. مسرحك الحقيقي هو الذي سوف يأتي.
ـ وكن دائماً حيث تريد أنت أن تكون، أي في المقام الذي يليق بك، ولا تكن حيث يُراد لك أن تكون في المقامات الدنيا، أو في المواقع الجانبية والهامشية. وكن حاضراً في كل الملتقيات والمنتديات، محتفلاً مع كل المحتفلين ومعيّداً مع كل المعيدين، وافرح مع كل الفرحين، وابتعد بالقدر الذي تستطيع عن “المأتميين” والعدميين والظلاميين.
ـ وطهر نفسك من الإشاعات ومن كثير من المقولات الخاطئة، ولا تصدق كل ما يقال وكل ما يكتب. مارس آلية النقد مع كل ما تسمع وترى، ومع كل ما تشاهد وتقرأ، وانتقد نفسك قبل أن ينتقدك الآخرون، وثق بنفسك وبتجربتك في الحدود التي لا تصل إلى درجة الغرور.
ـ واحرص على أن تكون خارج اليمين وخارج اليسار، وأن تكون في الأمام دائماً، وألا تلتفت خلفك إلا من أجل أن تعرف أين أنت ومع من أنت. حاول أن تشبه أيامك، وألا تتخلف عن ساعتك البيولوجية قبل ساعتك الميكانيكية أو الإلكترونية، واحرص على أن تكون حديثاً “خارج عنوان الحداثة”، وعلى أن تكون في الطليعة فكرياً وجمالياً، وألا تخدعك مصطلحات الجرائد اليومية؛ لأن الحقيقة فيها هي حقيقة يومية وظرفية.
وضع في ذهنك الحقيقة البسيطة التالية: هي أنني “أنا” غير “أنت”، فأنا القادم من الماضي وأنت القادم من الآتي، ومن الممكن جداً أن نلتقي في الملتقيات العامة، وأن نفترق في الملتقيات الخاصة؛ والمطلوب منك هو أن تعطي ما لم أعطِه أنا.
ـ أحد البيانات الاحتفالية الأولى أكد على ما سماه قانون “التحدي والتجاوز”؛ ولهذا فإنني أقول لك: إذا كان ضرورياً أن تتحدى أحداً فابدأ بنفسك أولاً، ومارس التحدي على تجربتك أولاً، واعمل على أن تتحدى ذاتك وتتجاوز نفسك، وعلى أن تكون اليوم غير ذلك الذي كنته بالأمس.
ـ وسِر في طريقك خطوة خطوة، واعلم بأن رحلة الميل تبدأ بخطوة؛ وهي الخطوة الأولى التي تعقبها خطوات، وعش اللحظة كاملة، وحاول أن تخرج من أية تجربة جديدة بفكرة جديدة وبرؤية مسرحية جديدة.
ـ وكن في مسرحك صاحب رأي، وقل: هو رأي واحد بين كل الآراء، وقد يكون رأيك هذا صادقاً كما قد يكون خاطئاً، وإن كان صائباً فدافع عنه بالحجة والبرهان، وإن كان خاطئاً فقم بتصويبه.
ـ واقرأ في هذا المسرح أكثر مما تكتب، وشاهد أكثر مما تسمع، واحضر أكثر مما تغيب. عِش حياتك في مسرحك، وعِش مسرحك في حياتك، وكن مسرحياً داخل المسرح وخارجه، واعلم بأنه لا وجود لأي عالم خارج عالم المسرح.
ـ ولا تسابق أحداً من المسرحيين، سابق نفسك فقط؛ وكن اليوم في مسرحك غير ما كنته بالأمس. وإياك أن تفوتك لحظة لا يحضر فيها المسرح، ولا يصاحبك فيها السؤال المسرحي، واعلم أن العمر مهما طال قصير جداً، وأن المسرح طويل وعريض وعميق وأزلي وسرمدي وأبدي وخالد. ردد مع أم كلثوم وهي تغني: “وإن مرّ يوم من غير رؤياك.. ما ينحسبش من عمري” وبالتأكيد، فإن وجود يوم بلا مسرح هو يوم بلا حياة، وبلا حيوية، وبلا جمال، وبلا معنى. كما أن وجود وطن بلا مسرح صادق وبلا نبوءة مسرحية هو وطن بلا روح وبلا حياة.
كما تكون أنت يكون مسرحك
خوفاً على المسرحي من التيه في هذا المسرح، الذي هو بحر بلا ضفاف، يقول هذا المسرحي الاحتفالي لذاك الشاب السائل ولكل من يهمه الأمر ما يلي: ـ اعرف نفسك أولاً لتعرف مسرحك ثانياً. ـ واعرف مسرحك حتى تعرف نفسك. ـ واعلم أن مسرحك موجود بداخلك، وأن المسارح لا تُباع في الدكاكين ولا في الصيدليات ولا في الأسواق العامة. ـ وكن صادقاً مع نفسك إذا كنت تريد أن تجد نفسك، وإذا وجدت نفسك فقد وجدت مفتاح العالم، وإذا وجدت مفتاح العالم فإنه من الممكن أن تُفتح أمامك كل أبواب المسرح ونوافذه وشرفاته.
ـ وإياك أن تخدع نفسك، وأن تقتنع بأنه من الممكن أن تكون أي أحد غيرك، وأن ترتدي غير زيك، وأن تضع على وجهك قناع غيرك، وأن تنطق بغير لغاتك الحية. ـ واعرض وجهك صباح كل يوم على مرآتك الداخلية، وصدقها إذا كانت صادقة، واحرص على ألا تخدعك المرايا الخادعة، وابتعد بالقدر الذي تستطيع عن كل المرايا الكاذبة، ولا تثق بالمرايا المكسرة التي يمكن أن تجد فيها صورتك مشوهة، ولا تثق بالمرايا المقعرة التي قد لا تعطيك حجمك الحقيقي، واهرب من المرايا المجاملة.
ـ عِش لحظتك الحية بصدق، ودع الباقي يأتي من تلقاء نفسه؛ واعلم بأن كل لحظة: “تؤسس إبداعها، وتؤسس فنها، وتؤسس فكرها، وتؤسس حفلها المختلف والمغاير، والذي لا يمكن أن يشبه إلا ذاته الواحدة والوحيدة، والذي لا يمكن أن يكرر هذه الذات أكثر من مرة واحدة. ولعل هذا هو ما جعل المسرح الاحتفالي يجدد ولا يكرر، ويجعله يؤسس ولا يقتبس، ويجعله يبدع ولا يتبع، ويجعله يحيا اللحظة العيدية ولا يحكيها ولا يحاكيها”، هكذا تحدث الاحتفالي في كتاب (زمن الاحتفالية).
ويقول الاحتفالي بأن هذا المسرح “صعبٌ سُلَّمه”، وأن هذا السلم الذي يصعد إلى الأعلى لا يرتقيه إلا الذي يعلمه ويفهمه ويعيشه ويعشقه بشكل حقيقي. هكذا أقول أنا، وهكذا أكتب دائماً؛ ويخطئ من يظن أنه يمكن أن يمارس الفعل المسرحي ممارسة آلية ومزاجية وعشوائية وبلا معنى، أي بدون شغف، وبدون معرفة، وبدون علم، وبدون فهم، وبدون خيال، وبدون حلم، وبدون تعلق بذات هذا المسرح أولاً، وبذات ذلك المسرحي الذي يسكننا ونسكنه ثانياً، وثالثاً بذات تلك اللحظة التاريخية الممسرحة الحية التي نحياها ونحيا بها وفيها، والتي نحتفل ونعيّد فيها، والتي لا يمكن إلا أن نشبهها لحد التطابق التام؛ تشبهنا في الكليات والجزئيات والثوابت والمتغيرات، وتشبهنا في كل شيء أيضاً. وبالتأكيد، فإن كل لحظة مسرحية لا تشبه من يعيشها، ولا تشبه مكانها، ولا تشبه لحظتها الوجودية، فإنها لا يمكن أن تكون لحظة احتفالية وعيدية حقيقية، وقد تكون كل شيء إلا أن تكون مسرحاً حقيقياً.
ونحن في هذا العالم نسكن المسرح، وعنواننا الحقيقي موجود في هذا المسرح الكبير الذي يسمى الدنيا. نعم، هو موجود فيه وليس خارجه، وهذا ما قد لا تعيه كثير من الأفهام التي تبحث عادة عن الشيء الموجود خارج هذا الوجود، وذلك هو عين العبث وعين اللامنطق. وكما أننا نسكن هذا المسرح فهو يسكننا أيضاً، وهو بهذا روحنا وجسدنا، وهو زينا الذي اخترناه، وهو جلدنا الذي اختارنا، وهو لغتنا الكبرى التي نعبر بها ونتواصل من خلالها مع بعضنا البعض. ولهذا فقد كان مسرحنا الحقيقي أقرب إلينا من حبل الوريد ونحن لا ندري، أو لا نريد أن ندري. ومع ذلك، فقد تخيل البعض منا بأن هذا المسرح غائب، مع أنه حاضر في حضورنا، وأنه حي بحياتنا وحيويتنا. ويخطئ من يعتقد أن هذا المسرح موجود فقط “هناك” وليس “هنا”، أي موجود عند الآخرين في الثقافات الأخرى واللغات الأخرى؛ وكيف يمكن أن يستقيم ـ منطقياً وعقلياً ـ أن نكون نحن موجودين هنا وأن يكون مسرحنا موجوداً هناك؟ وأن ننطق نحن لغة عربية وأن ينطق هو لغة إنجليزية أو فرنسية؟
مسرحنا إذن موجود فينا وفي لحظتنا؛ وقديماً قال سقراط كلمته المشهورة: “اعرف نفسك”. ومن ضيع نفسه، ولحظته، وهويته، وذاكرته، ولغته، وإرثه الثقافي، ووعيه بذاته وبغيره وبالعالم، هل يمكن أن يجد مسرحه؟ وأين يمكن أن يجده؟ خارج التاريخ والجغرافيا والذاكرة الجماعية والمخيال الجماعي..؟
في مسرحنا إذن كثير جداً من الوهم السقيم، وفيه قليل جداً من الفهم السليم. ونعرف أن من سيئات وسلبيات النقد المسرحي العربي اليوم أنه لا يبدأ عمله النقدي من نقطة البدء الحقيقية، والتي هي إرادة المعرفة وإرادة الفهم، وبدلاً من ذلك فهو يبدأ من نقطة “إرادة الحكم والتحكم”؛ ولعل هذا هو ما يفسر غرق هذا النقد في الأحكام الغريبة والمتناقضة التي لا تستقيم مع منطق الأشياء ولا الفن ولا الفكر، الذي لا يخلص إلى الحكم إلا بعد الفهم أولاً، وهذا طبعاً إذا جاز الحكم في مجالات الذوق والتذوق.
المسرح بين الشعارات الكاذبة والاجتهادات الصادقة
هناك حقيقة أساسية وجوهرية ينبغي ألا نقفز عليها، وهي أنه لا وجود لمسرح حقيقي بدون عشق وشغف مسرحي حقيقي. وبالتأكيد فإن من يعشق هذا المسرح ـ الذي هو أبو الفنون ـ مطالب بأن يعرفه أولاً، وأن يبحث عنه ثانياً، وأن يصل إليه بعد ذلك. هو مطالب بأن يعرف علمه وفنه وفقهه وآدابه وأخلاقه وطقوسه وصناعاته المتعددة، وأن ينطلق دائماً في بحثه واجتهاده وجهاده من الحقيقة التالية: وهي أن الأساس في المسرح هو أنه “فعل” أولاً، وأنه فعل “حي” ثانياً، وأنه فعل “عاقل” ثالثاً، وأنه فعل “حر” رابعاً، وأنه فعل محكوم بالتجدد الدائم خامساً، وأنه فعل جماعي واجتماعي سادساً.
وهو بهذا علوم وفنون وصناعات متضامنة ومتحدة فيما بينها، وهو تظاهرات وتمظهرات احتفالية وعيدية تصاحب الإنسان في حياته اليومية ومساره التاريخي. وفي هذا المسرح الحي لا يمكن أن تكون غائباً أو مغيباً؛ لأن شرطه الأساس هو الحضور الفاعل والمنفعل والمتفاعل. ذلك لأنه لا مجال للتعييد المسرحي إلا بالحاضرين المتمسرحين، ولا معنى لأي احتفال مسرحي يغيب فيه المحتفلون، ويغيب فيه موضوع الاحتفال، ويكون بلا مناسبة، وبلا معنى، وبلا هدف، وبلا خطاب، وبلا رسالة.
هذا المسرح يسعى اليوم لأن يعيش زمنه الحقيقي، وبغير هذا فإنه لا يمكن أن يكون ذاته، وأن يكون في جلده وسياقه وشروطه الموضوعية. وما ينطبق على المسرح ينطبق على الإنسان بصفة عامة. ونعرف أنه في زمن مضى، كان الإنسان في العالم العربي يرتدي الجبة والطربوش والعمامة كرمز لأصالته، وكانت ثقافته ترتدي نفس الزي. ثم تغيرت خرائط التاريخ، وجاء من قفز قفزة إلى الأمام أو إلى اللاجهة، أو قفز إلى “الآخر” في الجغرافيا الأخرى، وانتقل إلى ارتداء القميص والبنطلون والبرنيطة، واعتبر أنه بهذا فقط يمكن أن يكون معاصراً، وأن يدخل عصر العلم والحداثة، وأن يقطع مع قرون التخلف والتحجر. لقد اعتقد أنه بهذا العنوان الشكلاني قد حقق ثورة، ولم يكن يعي بأنه قد استبدل “سلفية بسلفية”، وأنه انتقل من تقليد الآخر الميت إلى تقليد الآخر الحي. وفي الفعلين معاً، لم يحضر العقل، ولا الإبداع، ولا الوعي النقدي، ولا الاجتهاد العلمي والجمالي. ولهذا، فإلى اليوم ما زلنا نكتفي بالزي الخارجي، ونجري وراء الموضة، ونعتبر أن الظواهر المرضية في المجتمعات الغربية هي جوهر تقدمها.
في هذا المعنى يقول محمد شراك في مقالة “المثقف الشمكار” لمجلة روافد المغربية: (في المغرب مجموعة من الكتاب والمثقفين يرتدون “جينز” الحداثة بل وما بعدها، يتبجحون في الندوات والمنابر بالتراث وبمغرب الحداثة ضداً على الظلام، ينافحون عن مغرب التعدد في الرأي واحترام الاختلاف والتنوع وعدم مصادرة الآراء، أو امتلاك الحقيقة واليقين..).
آخر الكلام
وفي تقديري الشخصي، فإن أكثر الذين يرفعون شعار الحداثة اليوم هم أكثر الناس بعداً عنها، كما أن أكثر الأنظمة التي حملت اسم “الديمقراطية” لم تكن ديمقراطية (ابتداءً من ألمانيا الديمقراطية وصولاً إلى كل الجمهوريات العسكرية في العالم العربي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية). نفس الشيء يمكن أن نقوله عن مسارح تدعي الحداثة والتجريب وهي غارقة في الفكر الأسطوري والسلفية المقنعة.
وإنني أتساءل دائماً أمام صيغتين من القول: الأول يقول لك “حدثنا أبو هريرة قال”، والثاني يقول لك “حدثنا أبو رولان بارت قال”، وأسأل نفسي: أين الفرق بين هاتين العقليتين؟ فهما معاً ينطلقان من نفس المنطلق؛ الأول سلفيته واضحة ومكشوفة، والثاني سلفيته خفية ومخبأة ومهربة. ورغم أن الثاني يدعي الحداثة، فهو سلفي التفكير والروح. هما معاً (السلفي السافر والسلفي المقنع) يقدمان فعلاً يقوم على حضور الرواية وغياب الدراية، مما يدل على أنهما يحكيان ويحاكيان فقط، ولا يأتيان بأي فعل أو فهم جديد. في “حكيهما” هذا يحضر الآخر دائماً في الزمن الآخر، وفي السياق الثقافي واللغوي الآخر؛ وبهذا نجد النقل ولا نجد العقل، والاتباع لا الإبداع، والأجوبة لا الأسئلة، والقديم لا الجديد، والمألوف لا المدهش، والثابت الجامد لا المختلف والمخالف.
وبهذا نقول بأنه ما في ساحتنا الثقافية والفنية اليوم غير “السلفية”، وكل ما نسمعه ونقرأه هو محض مزاعم وادعاءات كاذبة، ومحاولات ببغائية لمجاراة “الموضة” الثقافية العالمية، وارتداء أزياء الحداثة والتقنع بأقنعتها، والقبض على رمادها دون جمرها الملتهب. الكل اليوم يمارس الهروب؛ سواء إلى الخلف مع السلفية السافرة، أو إلى الأمام مع السلفية المقنعة.
