الاحتفالية حياة واحدة في مسار وجودي واحد
د. عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
خمسون سنة مرت من عمر هذه الاحتفالية، وما زال الكاتب الاحتفالي يكتب، وما زال المفكر الاحتفالي يفكر، وما زال المبدع الاحتفالي يبدع، وما زالت الاحتفالية على نفس الطريق، وفية لفكرها، ووفية لعلمها، ووفية لفنونها، ووفية لتاريخها، ووفية لاختياراتها الفكرية والجمالية والأخلاقية، ووفية لصناعاتها المسرحية التي تتكامل فيما بينها لتشكل في مجموعها لغة مسرحية.
نحن في هذه الاحتفالية نتنفس الاحتفالية، ونحن نكتبها في “كتاب الاحتفالية” بخط احتفالي، ونحن نعيشها ونحياها يومياً قبل أن نكتبها، ونحن نعرف بأنه لا أحد يمكن أن يحيا حياتين، أو أن يسير في نفس الوقت في طريقين اثنين، هو احتفالي واحد إذن، يمشي في طريق احتفالي واحد.
وهذه الكتابة التي أكتبها اليوم ليست تعريفاً بالاحتفالية، وهي بالتأكيد تحتاج لمن يعرفها معرفة صادقة، وليس لمن يُعرّف بها، وهي موجهة لمن يعرفون بأن الكتابة هي حياة أخرى، أو هي أعمار أخرى، وهي متأكدة بأن إضافة مسرح آخر معناه إضافة رؤية أخرى للعالم. وأعتقد أن وجود عالم واحد، بعين واحدة، هو عالم أعور، وبذلك فقد أضفنا في الاحتفالية لهذا العالم المأساوي عالمنا الاحتفالي والعيدي المختلف، وهذا حقنا الذي لا يمكن أن ينازعنا فيه عاقل.
وبهذا فقد أمكن أن نقول بأن المسرح الاحتفالي هو أكبر وأخطر من أن يكون مجرد مدرسة مسرحية، أو أن يكون مجرد اتجاه مسرحي، وهو في البدء والختام رؤية عيدية للعالم، وذلك من خلال مسرح يستحضر كل الأوان، ويستحضر كل اللغات، ويستحضر كل العلوم، ويستحضر كل الأبجديات في كتابته المسرحية. وفي كلمة واحدة، يمكن أن نقول ما يلي:
إن هذه الاحتفالية هي نظام حياة قبل أن تكون منظومة مسرحية خاصة.
وفي هذه المنظومة نوجد نحن، وفي هذه “النحن” يوجد أصدق كل الحقوق وأشرف كل الحقوق، والذي هو الحق في الوجود، وفي مسرحنا توجد “نحن”، وفي هذه “النحن” يوجد مسرحنا، وفي مسرحنا يوجد كل العالم، وتوجد كل فنون وكل علوم العالم.
الاحتفالية: أسئلة ومسائل
ولكل الذين يمارسون الفعل المسرحي، ويهمهم حاضر ومستقبل هذا المشروع النهضوي المغربي والعربي، فإننا نتساءل أمامهم ونقول ما يلي:
- ما المسرح الاحتفالي باختصار شديد؟ وهل هو مجرد فرجة مسرحية ظرفية عابرة في لحظات عابرة؟ وما علاقته بفلسفة التعييد الاحتفالي؟
- ما هي طبيعة هذا المسرح المتفلسف؟ وما هي مقاصده: الإمتاع الجمالي أم الإقناع العقلي، أم هما معاً؟
- ما طبيعة هذه الفلسفة الاحتفالية؟ هل هي في جلد المسرح، أو هي أزياء المسرح، أو هي في درجات المسرح؟
- ما هي لغات هذا المسرح، الظاهرة والخفية؟ هل هي فقط ما نراه وما نسمعه، أو هي تلك اللغات السحرية الأخرى، والتي لا تتضمنها الكلمات ولا العبارات ولا الإشارات؟
- لأن هذا المسرح الاحتفالي قد بناه العقل، وبناه الوجدان، وبناه الخيال، وبناه الذوق، فقد كان ضرورياً أن نتساءل: ما هي بنيات هذا المسرح الفكرية والجمالية؟
- في كثير من الكتابات تساءل كثير من المتسائلين: ما هي حدود هذا المسرح؟ ولقد فاتهم أن يعرفوا أن المسرح الحقيقي الذي يبحث عنه الاحتفاليون هو مسرح بلا حدود، وأنه بحر بلا ضفاف.
- ما هي الأعمار الافتراضية لهذا المسرح الاحتفالي؟ ومتى يمكن أن تنتهي صلاحيته بشكل نهائي وكلي؟
- بخصوص منهجيات هذا المسرح الاحتفالي نقول ما يلي: هو حلم فقط، وهو هذيان عاقل، وهو حمى شعرية خلاقة، وهل في الحلم وفي الهذيان وفي الحمى منهج وضوابط منهجية؟
- للذين يسألون: ما هي آليات هذا المسرح الاحتفالي؟ نقول: خصوصية هذا المسرح هو أنه مسرح آني وتلقائي وعفوي وحيوي، وهو بهذا بعيد جداً عن الآليات وعن التقنيات، والكلمة الأولى والأخيرة فيه للممثل ولعبقرية الممثل.
- كيف يمكن أن يستقيم وجود مسرح حي، يقوم على العفوية وعلى الحيوية، مع الآليات التقنية والميكانيكية؟
- لأن هذا المسرح ينطق لغة التاريخ والجغرافيا، فقد كان ضرورياً أن نتساءل عن معجمه وعن مصطلحاته وعن مفاهيمه، والتي هي أدوات اشتغاله.
- لأن هذا المسرح الاحتفالي هو عالم آخر سحري، عالم له وجود آخر خلف هذا العالم الواقعي، أو ما وراء هذا العالم الطبيعي، أو ما فوق هذا العالم المعروف والمألوف، فقد كان ضرورياً أن نتساءل عن مناخ هذا العالم الاحتفالي والعيدي، وعن جاذبيته، وعن منطقه وعن طقسه.
- كيف يمكن أن نميز بين هذا المسرح الاحتفالي وبين المسارح العالمية الأخرى، مع أنها مسارح تنبع كلها من منبع إنساني واحد؟
- هل هذا المسرح الاحتفالي هو صيغة مسرحية فقط، وذلك في عالم تتعدد فيه الصيغ المسرحية، وتتنوع فيه التيارات والتجارب والمدارس المسرحية المختلفة؟
الاحتفالية: اختيارات وإضافات
ولكل الذين يسألون عن إضافات هذا المسرح الاحتفالي، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس لعقود طويلة جداً، أقول ما يلي:
أولاً: الاحتفالية مسرح أولاً، والرهان الأكبر في هذا المسرح هو الحق والحقيقة، وليس سهلاً أبداً أن تبدع المسرح الحق، وأن تؤسس المسرح الحقيقي، وأن تراهن فيه على الكلمة الحق، وذلك في عالم اختلط فيه كل شيء بأي شيء، وتشابه فيه المسرح باللامسرح.
ثانياً: هو مسرح أوجد نفسه بنفسه، وأسس ذاته بذاته، ورسم مساره الخاص بين كل مسارات مسارح العالم، ولقد قال كلمته التي أملاها التاريخ، وأملتها الجغرافيا، وأملاها المناخ الوجودي والاجتماعي والسياسي العام. وهو بهذا مسرح قديم جداً، قديم قدم الإنسان، وقدم التاريخ، وقدم الحياة، وقدم المدن، وقدم الاحتفال والتعييد الاحتفالي في هذه المدن المغربية الاحتفالية، التي تحيا الحياة بصدق، وتحكيها بعفوية وتلقائية، وتحاكي الناس فيها، وتحاكي ما يفعله كل الناس فيها.
وهو بالتأكيد مسرح قديم، لأن الأساس في المسرح هو أنه فن قديم، وعلم قديم، وفكر قديم، فكر ارتبط أساساً بالأسطورة وظلالها ومناخها، وارتبط بالحكاية والمحاكاة، وارتبط بطقوسهما وأجوائهما الاحتفالية المدهشة. ولقد اقتنع الاحتفاليون دائماً بأن المسرح الحق لا يمكن أن يكون إلا احتفالياً، وماذا يمكن أن يكون الاحتفال ـ في معناه الحقيقي ـ سوى أنه استعادة للزمن، أو القبض على الزمن الهارب، أو التجديد والتجدد في الزمن المتجدد؟
هذا المسرح بدأ احتفالياً، تلك هي حقيقته الأساسية والجوهرية، سواء في الحقيقة أو في التاريخ أو في الواقع الذي يتنفس المسرح، وسيبقى هذا المسرح احتفالياً إلى ما لا نهاية. ولأن هذا المسرح احتفال شعبي صادق يتجدد مع الأيام والأعوام، فقد كان جديداً دائماً، واستطاع أن يعيش آلاف السنين، وأن يؤرخ لوجدان الإنسان عبر التاريخ، وأن يجدد له إحساسه بالحياة، وأن يعينه على طرح أسئلة الوجود، ومواجهة أسئلة الهوية لديه، ومقاربة المسائل الفكرية والاجتماعية والسياسية عبر مختلف الأزمان والحقب التاريخية المتعاقبة.
هذا الاحتفال إذن، هو أقدم وأحدث وأصدق ما أبدعته العبقرية الإنسانية، وهو استجابة للروح الاحتفالية لدى الإنسان، وبهذا فهو أساساً حاجة فطرية داخلية، حاجة نفسية ووجدانية وروحية واجتماعية قبل أن يكون فرجة أو يكون أي شيء آخر. وبهذا فقد كان المسرح الاحتفالي، في بنيته الأساسية الأولى، هو أقدم كل المسارح في التاريخ، وكان أقربها إلى الفطرة، وكان أكثرها تعبيراً عن الإنسان الحر في الزمن الحر وفي الفضاء المدني الحر، وهو مسرح بلا ضفاف وبلا حدود، لأنه الوجه الصادق للحياة، ومتى كانت للحياة حدود تحدها؟ ومتى كانت لها ضفاف تنتهي عندها؟
الاحتفالية: مسرح قديم يجدد ويتجدد
وللذين يسألون: ما الجديد في هذا المسرح الاحتفالي القديم؟ تقول الاحتفالية ما يلي: إنه لا جديد في هذا المسرح، وكل ما فيه قديم يتجدد، فهو أساساً مسرح الحياة، وهل هناك حياة قديمة وحياة أخرى جديدة؟ هي حياة إنسانية واحدة ممتدة ومتواصلة ومتجددة على امتداد التاريخ. وهو مسرح هذا الإنسان، وهل هناك إنسان قديم وإنسان جديد؟ بالتأكيد لا، هي نفس الحياة المتجددة دائماً وأبداً، وهو نفس الإنسان الذي كان، والذي يكون الآن، والذي سوف يكون في الآتي من الأزمان.
وهو وعي يتغير ويتحول ويتطور ويتجدد عبر التاريخ، فالإنسان هو الإنسان، وتاريخه هو نفس التاريخ، وروحه نفس الروح، ولكن التعبير عن هذه الروح المختلفة والمخالفة يختلف بكل تأكيد، يختلف بحسب المكان والزمان وبحسب المعطيات الثقافية، وبحسب السياقات الاجتماعية والفكرية، والوجدانية والروحية. ولهذا فقد كان الاحتفال واحداً لدى كل البشرية، ولكن التعبير عن اللحظة العيدية والاحتفالية فيه لا يتم بنفس اللغات ولا بنفس المفردات ولا الأبجديات ولا الحالات، ولا بنفس الإشارات ولا العلامات.
وتؤكد الاحتفالية على أن الأساس في فعل الاحتفال هو أنه حرية وتحرر، وعلى أنه لا أحد يحتفل إلا بما شاء، وكما يشاء، وبالأدوات والتقنيات التعبيرية التي يشاء، وأنه لا إكراه إطلاقاً في فعل الاحتفال، وأنه لا يجوز أن نقول للمحتفل الحر: “لا تكن حراً، ولا تكن في احتفاليتك مجنوناً”، وهل هناك فن من الفنون يمكن أن يخلو من الجنون؟
ونقول له أيضاً: “لا تستسلم لحال الوجد الصوفي، ولا تنصت للأصوات القادمة من أعماق روحك، وكن متصنعاً في احتفاليتك، واعمل على أن تحتفل مسرحياً بهذا الشكل التجريبي الجديد فقط، وإياك أن تحتفل بذلك الشكل التقليدي القديم، وإياك والتراث فإنه تخلف ورجعية ورجس عظيم..”
إن من حق الإنسان أن يبدع احتفاله الخاص من داخل منظومة احتفالية عامة، وأن ينطلق من لغة احتفالية لها وجود في الواقع وفي التاريخ، وألا ينطلق من الفراغ، وأن يستفتي قلبه ويبدع، وأن يستنطق روحه ويكتب، وأن يكون صادقاً مع نفسه أولاً، ومع مناخه الثقافي ثانياً، وأن يكون احتفاله ابن تربته وسياقه ولحظته وأرضه وسمائه ومناخه الحضاري، وألا يكون مستورداً من الأراضي الأخرى، والثقافات الأخرى، والأزمان الأخرى، واللغات الأخرى، ومن العوالم والكواكب الأخرى.
الاحتفال: طقس يذهب ويعود
إن هذه الاحتفالية لا تبحث عن الجديد، هكذا قال ويقول الاحتفالي دائماً، والجديد فيها هو نفسه ذلك القديم الذي كان، وهي مؤمنة بتلك المقولة “القديمة-الجديدة” التي تقول: (لا جديد تحت الشمس). وبهذا فهي لا تؤكد على ذلك “الجديد” الذي ليس جديداً والذي يمكن أن يصبح قديماً في أي وقت لأنه يحمل قديمه فيه، وبدلاً عن هذا، فهي تؤكد على فعل التجديد المتجدد، أي تجديد ذلك “القديم” الذي كان جديداً في يوم من الأيام، وتسعى فكرياً وجمالياً إلى منعه من أن يصبح قديماً، ومن أن يفقد رونقه وبريقه وصلاحيته في الحياة اليومية.
وبفعل هذا التجديد المتصل والمتواصل، أصبح “عطيل المغربي” حاضراً في كل زمان ومكان وفي كل مسارح العالم، وأصبح “ابن الرومي” حياً في كل الأمكنة والأزمنة، حاضراً في بغداد القديمة وفي بغداد الجديدة معاً في نفس اللحظة المسرحية الاحتفالية. وأصبحت المعلقات والمقامات جديدة ومتجددة دائماً وأبداً، وأصبح لـ “امرئ القيس” (القديم) وجود حقيقي في باريس الجديدة.
وفي ذلك المسرح الذي يزعم أنه تجريبي، يصبح الجديد مطلوباً لذاته، ويصبح في حد ذاته قيمة، في حين أن فعل التجريب هو فعل إجرائي فقط، فعل للبحث عن القيم الفكرية والجمالية الأخرى التي قد نجدها أو لا نجدها. أما في التجريب الاحتفالي، والذي هو أساساً تجريب ميداني-حيوي-إنساني-شعبي مفتوح، فإن المطلوب منه هو أن يكون تأكيداً على إنسانية الإنسان وحيوية الحياة، وأن يتم في الفضاء العام وليس في المختبرات المغلقة، وأن يكون بحضور الناس ومشاركتهم، وأن يكون فعلاً لتجديد اللحظة العيدية الحية حتى تحيا بنا ونحيا فيها ومعها.
نحن نحرص على فعل الاحتفال بالحالات الجميلة والنبيلة حتى لا تختنق داخل الصدور الضيقة وتموت، لأنه لا شيء أحسن وأجمل وأكمل لتجديد هذه الأيام العادية من تلك الأيام الاحتفالية الأخرى ممكنة الوجود، ولا شيء أروع ولا أبدع لتجديد الإحساس بالذات وبالوجود وبالعالم أحسن من “العيد”، والذي يختزل كل الأيام والأعوام في لحظة حقيقية صادقة وناطقة.
العيد الصادق إذن هو مختبر الحياة، وبالاحتفال في العيد نؤسس اليوم الجديد، ونصنع الإحساس الجديد، ونوجد العلاقات الإنسانية الجديدة، ونحيا داخل المناخ الثقافي الجديد، ونستعيد الوعي الجديد بالعالم. المسرح واحد في كل العالم، ولكن تعبيراته وتمظهراته لا يعدها العد، وهي بعدد الناس المحتفلين، وبعدد اللحظات العيدية في حياة الأفراد والمجتمعات، وبعدد الحالات التي تتجدد في النفوس مع الدورة الدموية، وبعدد الشعوب والثقافات.
ولهذا فقد حاولت الاحتفالية أن تبحث دائماً عن القاسم المشترك بين الأعياد والاحتفالات في كل العالم، وأن تبحث عن عناصر الائتلاف بينها وليس عناصر الاختلاف، وهذا ما يفسر انحيازها للفن ولجماليات الفن، لأن من طبيعة الفن أن يجمعنا ويوحدنا، بخلاف المذهبية الأيديولوجية أو الحزبية أو الفئوية، التي قد تخرج عن سياقها النبيل وتنشر ثقافة الحقد والكراهية وتجريم الآخر المختلف والمخالف.
