الاحتفالي العاشق في الاحتفالية العاشقة

الاحتفالي العاشق في الاحتفالية العاشقة

عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

     هذا الاحتفالي، لمن يعرفه أو من لا يعرفه، هو واحد من الناس في عالم الناس؛ شيمته الصبر الجميل، وشيمته الوفاء النبيل، وشيمته عشق العلم والمعرفة والحكمة. وهو في مدرسة الحياة تلميذ متعب ومشاغب، وهو يمارس الشغب لأن الحياة مشاغبة، وقد يمارس المكر الجميل والنبيل أحياناً، إيماناً منه بأن هناك في الناس من لعبته المفضلة هي.. المكر السيء.

وهذا الاحتفالي، ومع أنه يشتغل في مجال المعرفة، فهو لا يدعي أنه يعرف كل شيء، ولكنه لا ينكر أنه مجنون بحب المعرفة، وأنه يسعى دائماً إلى أن يعرف اليوم ما لم يكن يعرفه بالأمس، وأن يرى في الناس وفي الأشياء وفي الأفكار ما لم يكن يراه من قبل، وأن يعمل من أجل تصحيح نظره، وأن يعدل زاوية نظره، وأن يكتب غداً ما لم يكتبه في الأيام الماضية وفي الأعوام الماضية.

وفي مجال هذه المعرفة، فإن أصدق ما يعرفه هذا الاحتفالي هو أنه يعرف كيف يحلم، وكيف يخرج الأحلام الجميلة من بطن الأحلام المزعجة والسيئة، وإلى حدود هذا اليوم فإنه مازال يحلم، ومازال مؤمناً بأن الإنسانية إذا خرجت من الغلاف الجوي للأحلام، فإنها حتماً سوف تموت.

والاحتفالي يؤمن بالعشق العاقل، ويؤمن بالعقل العاشق، ويؤمن بجماليات المعرفة، وإلى جانب كل هذا، فهو يؤمن بالثقة في النفس، ودائماً في حدود العقل والمعقول؛ أي في الدرجة التي لا يمكن أن تصل نقطة الغرور.

وبخصوص ذلك الذي لا يعرفه هذا الاحتفالي، والذي هو كثير جداً، والذي لا يكفيه عمر واحد في حياة واحدة، فإنه لا يتوقف لحظة عن السعي من أجل أن يعرفه، أو أن يقترب من معرفته على الأقل. والمهم هو أن لا يرى نفسه أستاذاً ومعلماً، وهو في كل حالاته يكتفي بأن يعتبر نفسه تلميذاً في مدرسة الحياة، وأن يكون طالب علم وطالب معرفة وطالب حكمة، وأن يظل مجرد تلميذ صغير في هذا العالم الكبير، وأن يطلب المعرفة والحكمة والجمال من المهد إلى اللحد. وهنا يكمن سر نجاحه، وهنا يكمن سر تطوره وتجدده، وهنا يكمن سر فتوحاته الفكرية والجمالية، والتي أسعدت الباحثين عن لحظة فرح، والتي أغضبت الباحثين عن العبث وعن الفوضى وعن القبح وعن اللا معنى.

المعرفة الجديدة في العيون الجديدة

وفي كتابات هذا الكاتب الاحتفالي تحضر كثير من الجوانب المظلمة والخفية، والتي تحتاج إلى تنوير وتثوير، وتحتاج إلى اكتشاف وإعادة اكتشاف. وفي مسار حياته، وفي حياة أفكاره، توجد فراغات كثيرة جداً، وهي تحتاج لأن يملأها بالأفكار الجديدة وبالمعاني الصادقة، وهو في كل أعماره المتلاحقة في سباق “ماراثوني” دائم ومتجدد مع اللحظات، ومع الساعات المسرعة، مؤمناً في كل حين بأن مرور لحظة واحدة بدون معرفة، وبدون درس معرفي، هي لحظة فارغة وميتة ولا معنى لها.

وفي مقدمة كتاب (مسافر وجهته السحاب) يقول الاحتفالي الكاتب ما يلي:

إنني أنا الكاتب عبد الكريم برشيد، سواء في هذا الكتاب أو في غير هذا الكتاب، لا أدعي في العلم فلسفة، ولا أقول بأنني أحيط بكل شيء علماً وفهماً، وأعرف بأنني لا أعرف إلا ما قدرت على معرفته. ولو أنني كنت أعرف كل شيء في عالم الناس وفي فقه الأشياء، ما قضيت العمر كله في السفر والرحيل، وفي التأمل والنظر، وفي النبش والحفر، وفي القراءة والكتابة، وفي الهدم والبناء، وفي الحفظ والاستظهار، وفي الكتابة والمحو، وفي الشك واليقين، وفي البحث والسؤال، وفي طرق الأبواب الموصدة، وفي اقتفاء آثار العلماء والعارفين والسالكين في دروب المعرفة والحكمة. ولهذا فقد كنت دائماً على علم بحجم (علمي) و(معرفتي)، ولهذا فقد قلت في كتابي الذي أعطيته اسم (غابة الإشارات): (المعرفة لا أعرفها، والحكمة ما حُكْمُها؟ والعلم لا علم لي به، والفهم يصعب علي فهمه، وإنني ـ مثل كثير من الناس ـ طالب علم وفهم، وذلك في مدرسة الأيام الابتدائية، وقد أكون مازلت في روضها وكُتَّابها وأنا لا أدري)“.

ولهذا يقول الاحتفالي بأن المعرفة الجديدة تأتي دائماً من المستقبل، وهذا لا يعني أبداً أن ننسى معرفة الماضي، والتي يمكن أن تجدد لغتها، وتجدد معجمها، وتجدد مفاهيمها، وأن نجعلها تأتينا هي أيضاً من المستقبل.

شرف المسرحي من شرف الكلمة

وبخصوص هذا الذي يسمى “المسرح الاحتفالي”، والذي هو طريقي في الوجود، وهو طريقتي في التفكير وفي التدبير وفي التصور وفي التخيل، فإنني أقول اليوم نفس ما قلته من قبل، ونفس ما سوف أقوله من بعد، وهو أن أهم وأخطر ما يمكن أن يميز هذا المسرح الاحتفالي هو أنه ليس مسرحاً جديداً بشكل كامل وشامل وكلي، ولكنه مسرح يتجدد دائماً؛ ابتداءً من الكتابة التي هي روح الحياة، والتي هي لسان الوجود وهي ظل وصدى الموجودات، وانتهاءً بالتقنيات والآليات التي تخدم هذه الكتابة.

ونعرف أن الأساس في المسرح هو أنه حياة وحيوية، وأن وجود أي مسرح ـ كيفما كان وأينما كان ـ تصبح فيه التقنيات المسرحية أهم من الحالات الوجودية الصادقة، لا يمكن أن يكون مسرحاً حقيقياً أبداً. وتنبع خطورة الكتابة في المسرح الاحتفالي من كون أنها فعل الإنسان الحي، العاقل، الحالم، الحكيم، المتخيل، الخلاق، المجدد، الفاعل، المتفاعل، المحتفل والمعيد.

ومن غير المعقول أبداً أن يصبح هذا النص المؤسس للحياة ـ في عرف كثير من المخرجين ـ مجرد عنصر من العناصر المسرحية المتعددة، وأن يصبح للزي المسرحي وللتأثيث المسرحي نفس القيمة التي يمثلها الكاتب المسرحي، والذي هو أساساً حياة وحيوية، وهو غيرة على الحياة، وهو فاعلية وعبقرية، وليس مجرد شيء من الأشياء كما هي الديكورات والإكسسوارات والأقنعة والأشياء التي تؤثث المكان المسرحي وتملأ الفضاء المسرحي، والتي يمكن أن تخاطب العين فقط من غير أن تخاطب العقل وتخاطب النفس وتخاطب الروح. وفي المسرحية الاحتفالية لا وجود للعنصرية، والأصل في مملكة المسرح هو أنها مملكة ديمقراطية، وأنها لا تكتمل إلا بوجود العناصر الجمالية والتعبيرية فيها.

وخطورة ما أتى به المسرح الاحتفالي المغربي، والذي هو أحد زوايا المسرح العربي والكوني، تتمثل أساساً في أنه أعاد للنص المسرحي المغربي والعربي والإنساني قيمته وقدسيته، وأعاد له دوره التاريخي، وأعاد له حقيقته التي حاول البعض طمسها والتشويش عليها. والأساس في هذا المسرح ـ في كل أبعاده الإنسانية والكونية ـ هو أنه فنون الإنسان، وأنه كل علومه التي رافقته في مسيرته عبر التاريخ، وأن هذا الإنسان ـ في معناه الحقيقي ـ هو حيوان ناطق وعاقل قبل كل شيء، وأنه ليس صدفة أن هذا الإنسان قد ولد متكلماً، وليس عبثاً أنه قد أوجد اللغات والكتابات والأبجديات وأنه أصبح كاتباً.

وفعل هذه الكتابة لا يمكن أن يكتمل إلا بالقراءة، ومن يقتل الكتابة والقراءة يقتل التاريخ، ويقتل فعل التطور الحضاري. وإن وجود أجيال جديدة من المخرجين والذين لا يحسنون فعل القراءة لا يمكن أن يبرر فعل إقصاء الكتابة، ولا يمكن أن يبرر فعل قتل الكاتب. ونعرف أن فعل هذه الكتابة هو فعل حيوي متواصل، وهو يتجدد مع الأيام والأعوام، ولأن هذه الكتابة عنوان على الحياة والحيوية، فقد بحثت الاحتفالية عن كتابة حيوية لا يلحقها القدم، كتابة يجددها مشرق الشمس صباح كل يوم، وتلدها اللحظة الحية في كل حين، وتمليها الأصوات الحية في الحياة، والتي هي في الحقيقة صوت الأيام والليالي، وصوت الناس الأحياء، وصوت التاريخ، وصوت روح الوجود وصوت الموجودات في هذا الواقع التاريخي المتجدد.

في هذا العالم المدهش، فإن أصدق ما ينبغي على الاحتفالي معرفته هو أن يعرف كيف يدهش، ومتى يمكن أن يصل بالإدهاش إلى حد الإبهار، والاحتفالي الحقيقي، في المسرح الحقيقي، هو من يعرف كيف يقنع، وهو من يعرف بأي لغة وبأي خيال وبأي منطق وبأي سحر يمكن أن يمتع.

جديد الاحتفالية وإضافات الاحتفاليين

وبخصوص الإضافات الأخرى، وما أكثرها، والتي جاء بها البحث عن الذات المسرحية في المشروع الاحتفالي يمكن أن نقول ما يلي:

إنه لا أحد يمكن أن ينكر اليوم أن هذا المسرح الاحتفالي قد أوجد حركية مسرحية مهمة، خصوصاً في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وأنه قد رفع من سرعة وإيقاع هذا المسرح، وأنه رفع سقف مطالبه الفكرية والجمالية والتقنية والاجتماعية والأخلاقية أيضاً، وأنه كان وراء انفجار حركة نقدية مهمة في كل المسرح العربي، وأنه قد أدخل إلى القاموس المسرحي العربي مصطلحات مسرحية جديدة، وذلك من مثل: الاحتفال، والاحتفالية، والواقعية الاحتفالية، والنفس المسرحي، والنسبية السيكولوجية، واللغة الفردوسية، والكتابة الحيوية، والتأسيس وإعادة التأسيس. كما أنه قد ارتقى بالمتابعة النقدية الوصفية إلى درجة التنظير الفكري، ووصل بالحرفة المسرحية إلى عتبة الفكر والعلم، هذا بالإضافة إلى أنه أدخل منهجية الاشتغال الجماعي في المسرح، وقفز على (دكتاتورية) المؤلف وعلى استبدادية المخرج، وارتقى بالفرقة المسرحية إلى درجة الجماعة المسرحية، وانتقل من درجة إنجاز مسرحيات جديدة إلى تأسيس مسرح جديد. وقد كان كل هذا من خلال البيانات التأسيسية لهذا المسرح، والتي أدخلت إلى المسرح تقليداً جديداً لم يكن له وجود من قبل“.

هذا ما قاله الاحتفالي في حواره مع الأستاذ الطاهر حمزازي في جريدة (المساء) المغربية. وفي تأسيسي للحركة الاحتفالية كنت هذا الحالم بكل تأكيد، وفي تأكيدي على “النحن” الجماعية بدل “الأنا” الفردية، استطعت أن أشرك كل العالم معي في هذا الحلم الاحتفالي الجميل، وبالتأكيد، فإن هذا الحلم الاحتفالي، والذي اقتسمته مع كل الناس، والذي استمر طوال خمسين عاماً، هو رؤيا حقيقية وصادقة، وأنه ليس “أضغاث أحلام” أو خرافة كما كتب البعض.

وماذا قالت عيشة قنديشة الجنية في المسرحية الاحتفالية التي تحمل اسمها؟ ففي صلاتها اليومية وفي كل دعائها قالت:

يا الله يا الله، ما أوسع هذا الوجود، وهو في سعته ورحابته يحتاج لعين كبيرة جداً جداً، فامنحني هذه العين يا الله، وامنحني معها ألف عين وعين؛ فعين واحدة لا تكفي يا الله، وربما حتى ألف عين لا تكفي.. آمين..”

وفي مسرحية (حمار الليل) نجد شخصية تحمل اسم (عمران) اقتناعاً منها بأن عمراً واحداً في هذا الوجود المتعدد والمتنوع لا يكفي. ولقد سألت الله، أنا الكاتب المفكر، أن يمنحني عين زرقاء اليمامة، وأن يمنحني عين المعري الأعمى، وعين ترزياس العراف الأعمى، وأن يمنحني من العيون بقدر ما في هذا الوجود من العوالم ومن الأكوان ومن الأبعاد ومن المسافات القريبة والبعيدة، والظاهرة والخفية، والكائنة والممكنة.

ودائماً في نفس هذا الاحتفال المسرحي، والذي هو (عيشة قنديشة أو الجنية التي أرادت أن تكون إنسية)، تقول تلك الجنية التي لها في خيال الناس اسم عيشة قنديشة، تقول في نفس دعائها:

وجمال هذه الطبيعة، وجمال هذه الموجودات فيها، وجمال هذه الكائنات الحية، تحتاج كلها لقلب يكون كبيراً جداً جداً، فامنحني يا الله قلباً يسع أرضك وسماءك، ويسع كل عيالك من الإنس ومن الجن ومن كل المخلوقات الحية.. آمين..”

ومثلها أنا، لم أسأل الله أن يرزقني الرزق الكثير والوفير، ولكنني سألته أن يمنحني القلب الواسع والكبير، لأنني مفتون بحب الحياة والأحياء لحد الجنون العاقل، ومفتون بجمال بعض الناس وبجمال الطبيعة وبجمال الأشياء، وأرى أن جمال هذا الوجود يحتاج لقلب جميل، وأن سعة هذه الموجودات تحتاج لقلب واسع وكبير جداً جداً جداً.. فامنحنا يا الله شيئاً من سعة علمك ومن سعة رؤيتك ومن سعة قلبك.

وتقول عيشة قنديشة أيضاً في نفس صلاتها ودعائها:

يا الله يا الله، إن كل ما نراه وما لا نراه، وكل ما نسمعه وما لا نسمعه، وكل ما نلمسه وما نتذوقه وما نحسه وما نعيه وما نتصوره وما ندركه وما لا ندركه من المدركات الغامضة والخفية، يحتاج لعقل كبير جداً جداً، فامنحني هذا العقل الكبير يا الله.. آمين..”

ولقد دعوت الله مثلها دائماً أن يمنحني العقل الكبير، حتى أستوعب ما في هذا الكون من الغرائب والعجائب، وأن أتبين طريقي في مسالك الوجود، وأن أقرأ أبجدية الوجود والموجودات كما هي في حقيقتها. وأحمد الله أنني قد عشت حياتي وحياة أفكاري وأنا لا ألتفت إلى الخلف، ولا أهتم أبداً بكل ذلك الذي يقوله الناس صباح مساء، وهو أنه: “ليس في الهم إلا من يفهم“.

وما يبحث عنه الاحتفالي في فكره وفنه وعلمه، هما شيئان اثنان: العشق والشغف. وعليه، فإن من يطلب المعرفة بغير عشق لن يذهب بعيداً، وإن من يمارس الفن بغير شغب لا يمكن أن يؤسس أي فن.

شارك هذا الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!