الاغتراب والبحث عن الهوية في الرواية العربية
مقاربة تداولية في رواية (أوراق كاتب في باريس) للأديب نور الدين محقق
د. محمد يوب
صدق غوستاف فلوبير عندما قال: (مدام بوفاري هي أنا) لأن الكاتب يتماهى تماما مع شخصيته الرئيسة أثناء الكتابة، بحيث يعيش أفكارها ومشاعرها، ويجسدها داخل النص الأدبي. وهذا ما يظهر جليا عند قراءة رواية “أوراق كاتب في باريس” للأديب المغربي نور الدين محقق، الذي يتماها مع سارده، متعاقدا معه بضمير المتكلم، الذي يتخذ من السرد السيرذاتي وسيلة لفهم الذات والتفاعل مع العالم. فالرواية عبارة عن متخيل سير- ذاتي، يتخذ من الرحلة وسيلة له لإعادة التفكير في الهوية والذات المغتربة. حيث إن السارد يسرد تجربته في شوارع ومنتزهات ومكتبات باريس، مدينة الثقافة والفكر. يواجه صراعات الاغتراب الثقافي والنفسي، الذي يُعايش فيه شعور الغربة في مدينة كبيرة، حيث يقف أمام سؤال الهوية والانتماء، بين ثقافته المغربية وثقافة العالم الغربي الجديد. ولم تكن هذه الرحلة مجرد رحلة عابرة تتناول المواقف اليومية، والأشخاص، والفضاءات المتنوعة، وإنما كانت رحلة هادفة تجمع بين الملاحظة الحسية والتأمل الفكري، تكشف عن صراع الكاتب بين الرغبة في التعبير عن الذات والقيود الاجتماعية والثقافية التي تفرضها الغربة، بأسلوب تأملي، مكثف، يمزج السرد المباشر بالمذكرات والتأملات الفكرية. 2-.
– السرد الرحلي وسؤال الهوية
ليس الغرض من الرواية سرد الأحداث اليومية بشكل مباشر، بل هي نص تداولي ينتج المعنى وذلك بتفاعل السارد، والنص، والقارئ ضمن سياق اجتماعي وثقافي معين. فالرواية ليست مجرد سرد لأحداث الكاتب في باريس، بل هي عملية اتصال ثقافي وفكري تهدف إلى نقل تجربة الغربة والتأمل في الهوية والكتابة، لأن الرواية هي حدث تواصلي، يتفاعل فيه النص مع الكاتب والقارئ في سياق ثقافي وفكري محدد، لإبراز الدور الفعال للمتلقي في إنتاج المعنى وفائضه، لأن الرواية تجربة معرفية وإنسانية مشتركة يكون القارئ طرفا فيها.
– العناصر التداولية للرواية
أ- الحجاج في خطاب المتكلم
إن المتكلم في الرواية هو الكاتب الذي يتخذ لنفسه كاتبا ينوب عنه. يسرد أحداث الرواية. والسارد قوة حجاجية واضحة في الرواية، ويظهر ذلك عندما ينقل تجاربه الشخصية والفكرية في باريس. والهدف من ذلك جعل القارئ مشاركا حقيقيا في الشعور بالاغتراب والتأمل الفكري. والسارد في الرواية هو محور الحجاج، يقدم تجاربه الشخصية في باريس كدليل على تجربة الاغتراب الثقافي والنفسي. وذلك عبر سرد صراعاته الداخلية؛ مثل شعور الغربة، والبحث عن الهوية، والتأمل الفكري، لإقناع المتلقي بأن هذه التجارب واقعية ومؤثرة.
ب- الحجاج في النص
الرواية عبارة عن متخيل سير- ذاتي رحلي، يسرد فيه السارد يومياته، ومذكراته، وتأملاته الفكرية، بأسلوب مكثف ولغة رمزية تعمل كأداة حجاجية لنقل التجربة الإنسانية والثقافية. وأحداثها اليومية (المقاهي، الشوارع، المكتبات، المنتزهات) هي أحداث متخيلة صنعها الكاتب من تربة الواقع، استخدم فيها الوصف التفصيلي للمواقف، لإقناع المتلقي بمدى صعوبة الصراع النفسي للسارد وهو يعبر عن رحلته الباريسية.
ج- الحجاج في خطاب المتلقي
لقد أصبح المتلقي في الدراسات النقدية المعاصرة عنصرا فعالا، يشارك في تأثيث فضاء الرواية، وذلك بإنتاج المعنى من خلال تفسيره للتجارب الإنسانية والمواقف اليومية، وربطها بخبراته الثقافية أو الفكرية (والحقيقة الروائية تبقى عالقة بذهن القارئ، هذا القارئ، حتى ولو كانت مجرد تخييل، إلى تصديق أحداثها ووقائعها بشكل أو بآخر، حتى يستمر في عملية القراءة والتمتع بأجوائها التي لا تنتهي) (ص:69)
د- السياق التداولي
السياق التداولي هو الظروف المحيطة بعملية التواصل: من يتحدث؟ لمن؟ متى وأين؟ وكيف تؤثر هذه الظروف على تفسير النص الروائي وتأويله؟ ويشمل السياق في هذه الرواية، الاغتراب الثقافي، وتجربة السارد في باريس، والصراع بين الهوية المغربية والعالم الغربي. وكل هذه الظروف تحدد الكيفية التي يستقبل بها المتلقي هذه الرواية ويقوم بتأويلها وفق ما يتوفر عليه من خلفيات ثقافية واجتماعية
…. هـ- الأفعال التداولية
تتضمن الرواية جملة من الأفعال التداولية مثل: التأمل، والإقناع، ونقل تجربة الاغتراب، ودفع المتلقي إلى التأمل في الهوية والكتابة. وهي أفعال تحفيزية تحث المتلقي على التفكير والتأمل في الذات والمجتمع. وبذلك فإن الرواية تخلق حوارا بين الكاتب والمتلقي، يشارك فيه هذا الأخير في فهم وتفسير التجربة لإنتاج المعنى وفائضه. والحجاج هنا ليس حجاجا مباشرا وإنما هو حجاج حواري، يعتمد فيه الكاتب على التفاعل الذهني والعاطفي للمتلقي، لإقناعه بأهمية البحث عن الذات والهوية، الذي يربط التجربة الفردية بسياق إنساني أوسع.
و- استجابة المتلقي وردود أفعاله
عند قراءة هذه الرواية فإن المتلقي يتأثر عاطفيا وفكريا عندما يتفهم مشاعر الغربة، ويشارك صراعات الهوية، ويستخلص دروسا حول الكتابة والتجربة الإنسانية ( فكرت وأنا مستلق فوق السرير في أن أزور في اليوم الموالي معهد العالم العربي، فأن تكون في مدينة باريس وأنت كاتب عربي ولا تزوره أوتراه، فإن الأمر يبدو غريبا) (ص: 76). وتتقوى مشاعر الغربة حينما تصبح مزدوجة بين غربة السارد في باريس وغربة الكتب ومظاهر الحضارة العربية الموزعة على رفوف مكتبة معهد العالم العربي (حين زرت هذا المبنى شعرت بعبق الثقافة العربية يسري في كل ثناياه، كانت المكتبة الكبرى فيه تحتوي على كثير من الكتب العربية أو التي تتحدث عن الحضارة العربية) (ص:76)
خلاصة وتقويم
نستنتج ونقول بأن رواية (أوراق كاتب في باريس) للأديب المغربي نور الدين محقق ليست رواية للمتعة والترفيه فقط، وإنما هي فعل تداولي، تتداخل فيه ذات الكاتب، والنص، والمتلقي، مما يجعل منها تجربة عاطفية، فكرية، تأملية يكون فيها المتلقي طرفا مشاركا في اكتشاف الذات والعالم. بمعنى أنه لم يعد متلقيا سلبيا، وإنما يصبح شريكا فاعلا في فهم النص وتأويله، يشارك في تفسير الأحداث، وتحليل الرموز، واستخلاص المعاني والدلالات.
