التنسيق ليس تحالفا: جدل بعد التوضيح

التنسيق ليس تحالفا: جدل بعد التوضيح

ذ. يوسف مقران

         قبل الخوض في الموضوع، لا بد من تحديد موقفي. أتحدث هنا بصفتي مراقبا، لا طرفا في الصراع. لم أصوت لأي حزب، ولدي تحفظات على العملية الانتخابية برمتها، إذ أرى أنها تخضع لهندسة تخدم حزبا بعينه سلفا، كما أن القرار الفعلي في البلاد لا تحسمه صناديق الاقتراع ولا الحكومات المنتخبة وحدها.

ما دفعني إلى الكتابة ليس انحيازا حزبيا ولا دفاعا عن جهة بعينها، بل الرغبة في تصحيح المفاهيم، بعد الخلط بين التنسيق والتحالف في ردود بعض من هاجموا الأستاذة لطيفة البوحسيني. ومن المؤسف أن نضطر إلى العودة إلى بديهيات العمل السياسي، وأن يصبح التمييز بين مفهومين أساسيين موضوعا يستدعي مقالا لتوضيحهما.

حين دعت الأستاذة البوحسيني إلى التنسيق بين تحالف اليسار وحزب العدالة والتنمية داخل البرلمان، لمواجهة ما تصفه بالأوليغارشية، قوبلت دعوتها بهجوم من عدد من اليساريين وممن يختلفون أيديولوجيا مع الحزب الإسلامي. وقد أوضحت مقصدها على هامش ندوة نظمتها فدرالية اليسار بالرباط، مميزة بين التنسيق والتحالف، ثم عادت إلى توضيح موقفها عبر صفحتها على فيسبوك. ومع ذلك، استمر الهجوم حتى بعد التوضيحين.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز مجرد سوء الفهم: لماذا يصر بعضهم على التعامل مع التنسيق بوصفه تحالفا، رغم أن صاحبته شرحت الفرق بينهما مرتين؟ وماذا تقول التجارب السياسية عن إمكان التعاون بين قوى تختلف في مرجعياتها ومواقفها؟

في علم السياسة، تتعدد مستويات التعاون بين الفاعلين السياسيين. يأتي التنسيق في أبسط صوره، حين تلتقي أطراف حول ملف محدد أو موقف برلماني أو تحرك احتجاجي، مع احتفاظ كل طرف ببرنامجه وهويته واستقلال قراره. يليه التحالف الانتخابي، الذي قد يقوم على لوائح مشتركة أو انسحاب متبادل للمرشحين، ثم الائتلاف الحكومي القائم على برنامج مشترك وتقاسم المسؤولية في تدبير السلطة. وهناك الجبهة التي تستند إلى ميثاق وأطر تنظيمية، وصولا إلى الاندماج الذي يمثل أعلى درجات الوحدة بين القوى السياسية.

والتاريخ السياسي حافل بتجارب التقت فيها قوى متباينة أيديولوجيا حول أهداف مشتركة، من دون أن يعني ذلك زوال خلافاتها أو تخليها عن هوياتها.

في تشيلي، تعاون الديمقراطيون المسيحيون والاشتراكيون عام 1988 لإسقاط مشروع استمرار حكم بينوشيه عبر الاستفتاء، رغم العداء الذي طبع علاقاتهم في مراحل سابقة، ثم حكم التحالف الذي جمعهم البلاد من عام 1990 إلى عام 2010.

وفي إسبانيا، شكل ميثاق مونكلوا، الموقع عام 1977، نموذجا للتوافق بين قوى سياسية متباينة، بينها الحزب الشيوعي والحكومة وقوى من اليمين، بهدف حماية الانتقال الديمقراطي بعد وفاة فرانكو. لم يكن الاتفاق تحالفا أيديولوجيا، بل توافقا على قواعد المرحلة الانتقالية ومتطلباتها.

وفي فرنسا، صوت ناخبون من اليسار عام 2002 لصالح جاك شيراك لمنع جان ماري لوبان من الوصول إلى الرئاسة. وتكرر منطق التنسيق الانتخابي عام 2024، حين انسحب مرشحون من معسكرات متنافسة في دوائر مختلفة لقطع الطريق على مرشحي التجمع الوطني، من دون أن يعني ذلك تبني أي طرف خطاب الآخر أو برنامجه.

وعربيا، جمعت هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات في تونس، عام 2005، حركة النهضة الإسلامية بيساريين وليبراليين في مواجهة نظام بن علي، وأفضى الحوار بينهم إلى وثائق مشتركة تناولت قضايا الحريات والمساواة وحرية الضمير.

وفي اليمن، جمع اللقاء المشترك أحزابا متباينة، بينها حزب الإصلاح الإسلامي والحزب الاشتراكي اليمني، في إطار معارضة سياسية مشتركة، رغم ما خلفته حرب عام 1994 من جراح وتناقضات بين الطرفين.

أما في مصر، فقد التقى ناصريون ويساريون وليبراليون وإسلاميون في حركة كفاية، التي برزت عام 2004، حول رفض التمديد للرئيس حسني مبارك والتوريث السياسي، من دون أن تتوحد مرجعياتهم الفكرية أو مشاريعهم المجتمعية.

وفي لبنان، حيث تتشابك الانقسامات الطائفية والحسابات الإقليمية مع التنافس السياسي، تقدم تجربة حزب الله مثالين مختلفين على طبيعة العلاقات بين القوى المتباينة.

في انتخابات عام 2005، شارك حزب الله في التحالف الرباعي إلى جانب حركة أمل وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط. جمع هذا التحالف الانتخابي أطرافا متباينة في مواقفها السياسية ومرجعياتها، بما في ذلك الموقف من سلاح المقاومة والعلاقة مع سوريا. لكنه لم يتحول إلى شراكة سياسية مستقرة؛ إذ انتقل جنبلاط لاحقا إلى معسكر 14 آذار، وتصاعد التوتر بين الطرفين حتى أحداث مايو 2008، قبل أن تفتح تسوية الدوحة الباب أمام مرحلة جديدة من التفاهمات والاتصالات الظرفية.

وفي فبراير 2006، وقع حزب الله والتيار الوطني الحر وثيقة تفاهم مار مخايل، التي تناولت قضايا الحوار الوطني والديمقراطية التوافقية وقانون الانتخاب والأسرى والعلاقة مع سوريا واستراتيجية الدفاع. ومع مرور الوقت، تجاوز التفاهم حدود التنسيق المحدود، واقترب من التحالف السياسي، وبلغ إحدى أبرز محطاته حين دعم حزب الله ترشيح ميشال عون للرئاسة عام 2016. غير أن هذا التفاهم تعرض لاهتزازات كبيرة بعد احتجاجات عام 2019، واستمرت الخلافات بشأنه خلال الاستحقاقات الرئاسية اللاحقة، ليظل موضع نقاش حاد داخل البيئة المسيحية وخارجها.

وفي المغرب، قدمت الكتلة الديمقراطية، التي تأسست عام 1992، نموذجا لتعاون سياسي جمع حزب الاستقلال المحافظ بالاتحاد الاشتراكي ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي وحزب التقدم والاشتراكية، حول مطالب الإصلاح الانتخابي والدستوري. كما جمعت حركة 20 فبراير عام 2011 يساريين وحقوقيين وشبابا من جماعة العدل والإحسان في الشارع، ضمن حراك تجاوز الانقسامات الأيديولوجية والتنظيمية حول مطالب سياسية مشتركة.

وفي العراق، جمع التنسيق بين التيار الصدري والحزب الشيوعي العراقي، منذ عام 2015، قوى متباينة أيديولوجيا حول مكافحة الفساد ورفض المحاصصة الطائفية وإصلاح النظام السياسي. وتطور هذا التقارب إلى تحالف انتخابي ضمن قائمة «سائرون» عام 2018، في تجربة تؤكد أن الاختلاف الفكري لا يمنع التعاون حول أهداف سياسية مشتركة.

وفي الكويت، ظهرت صورة أخرى للتعاون بين الإسلاميين والقوى العلمانية في سياق المطالبة بالإصلاح الديمقراطي. ففي عام 2013، انضمت الحركة الدستورية الإسلامية، ذات الجذور الإخوانية، إلى وثيقة إصلاح سياسي أعدها معارضون من اتجاهات مختلفة، من بينهم السياسي مسلم البراك وطارق المطيري، ممثل الحركة الديمقراطية المدنية. ودعت الوثيقة إلى توسيع صلاحيات البرلمان، وتعزيز استقلال القضاء، وإجراء إصلاحات قانونية وسياسية.

وتكمن أهمية هذه التجربة في أن التعاون لم يشترط الاتفاق على القضايا الدينية أو الاجتماعية، بل انصب على مطالب تتعلق بإصلاح المؤسسات وتوسيع المشاركة السياسية. فقد التقت أطراف مختلفة في المرجعية حول قضايا ديمقراطية محددة، من دون أن يعني ذلك تطابق مشاريعها الفكرية.

متى ينجح التنسيق، ومتى يتفكك؟

      تقدم التجارب المقارنة دروسا مهمة في هذا الصدد. أولها أن وجود خصم مشترك لا يكفي وحده لضمان استمرار التعاون. ففي الهند، فاز حزب جاناتا عام 1977، مستفيدا من اجتماع قوى معارضة لحالة الطوارئ، ضمت تيارات متباينة، من بينها اشتراكيون وقوميون هندوس. لكن الحكومة لم تصمد طويلا، وانتهت عام 1979 تحت ضغط التناقضات الداخلية.

وتظل التجربة الماليزية من أوضح الأمثلة على حدود التعاون بين قوى متعارضة أيديولوجيا. ففي عام 1999، وبعد إقالة أنور إبراهيم، تشكلت الجبهة البديلة من الحزب الإسلامي الماليزي، المعروف باسم «باس»، وحزب العمل الديمقراطي العلماني ذي القاعدة الصينية، وحزب العدالة، لمواجهة هيمنة الجبهة الوطنية الحاكمة منذ الاستقلال.

غير أن هذا التقارب لم يصمد طويلا؛ إذ انسحب حزب العمل الديمقراطي عام 2001، بعد إعلان «باس» هدف إقامة دولة إسلامية. ثم عاد التعاون عام 2008 ضمن تحالف «باكاتان رعيات»، محققا مكاسب انتخابية مهمة، أبرزها السيطرة على عدد من الولايات وحرمان الجبهة الوطنية من أغلبية الثلثين في البرلمان.

وقد ساعد الشركاء على تحقيق هذه المكاسب اتفاقهم على إطار سياسي مشترك يركز على الحكم الرشيد والعدالة ومكافحة الفساد، مع تأجيل الخلافات الأيديولوجية، ولا سيما المتعلقة بتطبيق الحدود الشرعية. لكن تأجيل الخلاف لا يعني حله. ففي عام 2015، عاد ملف تطبيق الحدود إلى الواجهة مع طرح «باس» مشروعه في ولاية كيلانتان، فتفكك التحالف مجددا. ومن رحم هذه التحولات تشكل تحالف الأمل، الذي فاز في انتخابات عام 2018 وحقق أول تداول للسلطة على المستوى الاتحادي في تاريخ ماليزيا، من دون مشاركة «باس» في ذلك التحالف.

تكشف هذه التجربة أن الاتفاق على أولويات مشتركة قد يتيح تعاونا سياسيا ناجحا، لكنه لا يلغي التناقضات المؤجلة. وحين تنتقل هذه التناقضات من الهامش إلى قلب القرار السياسي، يصبح استمرار التنسيق أكثر صعوبة.

والدرس الثاني أن الوضوح يحمي الأطراف المعنية. تنجح التجارب حين يكون موضوع التنسيق محددا ومعلنا، وتتعثر حين تظل حدوده غامضة أو تتباين توقعات الشركاء بشأن مآلاته.

أما الدرس الثالث، فهو أن الحفاظ على الاستقلال السياسي والفكري شرط أساسي لاستمرار التعاون. فالتنسيق الذي يحتفظ فيه كل طرف بهويته وحقه في الاختلاف أكثر قدرة على الصمود من تقارب متسرع يطمس الفوارق قبل معالجة أسبابها.

والدرس الرابع أن للتنسيق كلفة سياسية لا يجوز تجاهلها، ومن حق قواعد الأحزاب ومناصريها مساءلة قياداتهم عن خياراتهم، خصوصا حين يتعلق الأمر بالتعاون مع خصوم أيديولوجيين.

أما الدرس الخامس، فتوضحه التجربة اللبنانية: قد يبدأ التفاهم محدودا ثم يتوسع تدريجيا حتى يتحول إلى تحالف سياسي. لذلك، فإن تحديد مجال التنسيق منذ البداية، والإعلان عن حدوده وضماناته، ليسا تفصيلا ثانويا، بل ضرورة لتجنب الالتباس وسوء التقدير.

ليس في الأنظمة البرلمانية ما يمنع فريقين مختلفين أيديولوجيا من تنسيق مواقفهما بشأن سؤال شفوي، أو تعديل مشروع قانون، أو معارضة قرار حكومي. فهذا من صميم العمل البرلماني، ولا يستلزم مراجعة فكرية شاملة أو مصالحة تاريخية بين الأطراف، كما لا يعني أن أحدها غيّر موقفه من الآخر.

وهذا هو جوهر المسألة في النقاش الدائر حول دعوة الأستاذة لطيفة البوحسيني. فقد ميزت بين التنسيق والتحالف في الندوة، ثم عادت إلى توضيح موقفها على صفحتها. ومن حق منتقديها أن يناقشوا مضمون دعوتها، وأن يطالبوا بتحديد الملفات التي يشملها التنسيق والضمانات التي تحكمه، لكن ليس من الإنصاف أن ينسبوا إليها موقفا لم تعلنه، أو أن يحاسبوها على تحالف لم تدع إليه.

وفي المقابل، يقع على الداعين إلى التنسيق واجب توضيح أهدافه وحدوده، بما يمنع الالتباس ويطمئن القواعد الحزبية إلى أن التعاون في ملف محدد لن يتحول تلقائيا إلى تنازل عن المبادئ أو ذوبان في مشروع سياسي مغاير.

فالتجارب السياسية لا تقول إن الاختلاف يمنع التعاون، ولا إن الاتفاق حول هدف واحد يقتضي التوافق في كل شيء. ما تقوله هو أن التعاون يصبح ممكنا حين يعرف كل طرف ما الذي يجمعه بالآخر، وما الذي يظل موضع خلاف بينهما.

والخطر الحقيقي ليس في أن يلتقي المختلفون، بل في أن يلتقوا من دون وضوح بشأن ما اتفقوا عليه، أو أن يتحول خلافهم حول طبيعة هذا الاتفاق إلى سبب لإجهاض أي إمكانية للعمل المشترك.

الهوامش والمراجع

  1. William H. Riker, The Theory of Political Coalitions, Yale University Press, 1962.
  2. Michael Laver & Norman Schofield, Multiparty Government: The Politics of Coalition in Europe, Oxford University Press, 1990.
  3. Peter Siavelis, The President and Congress in Post-Authoritarian Chile, Penn State University Press, 2000.
  4. Paul Preston, The Triumph of Democracy in Spain, Methuen, 1986.
  5. Paul Ginsborg, A History of Contemporary Italy: Society and Politics 1943–1988, Penguin, 1990.
  6. Ramachandra Guha, India After Gandhi, Macmillan, 2007.
  7. Meredith L. Weiss, Protest and Possibilities: Civil Society and Coalitions for Political Change in Malaysia, Stanford University Press, 2006.
  8. Joseph Chinyong Liow, Piety and Politics: Islamism in Contemporary Malaysia, Oxford University Press, 2009.
  9. Alfred Stepan, “Tunisia’s Transition and the Twin Tolerations”, Journal of Democracy, vol. 23, no. 2, 2012.
  10. Rory McCarthy, Inside Tunisia’s al-Nahda: Between Politics and Preaching, Cambridge University Press, 2019.
  11. Jillian Schwedler, Faith in Moderation: Islamist Parties in Jordan and Yemen, Cambridge University Press, 2006.
  12. Carrie Rosefsky Wickham, The Muslim Brotherhood: Evolution of an Islamist Movement, Princeton University Press, 2013.
  13. Rabab El-Mahdi & Philip Marfleet (eds.), Egypt: The Moment of Change, Zed Books, 2009.
  14. Augustus Richard Norton, Hezbollah: A Short History, Princeton University Press, 2007.
  15. Stacey Philbrick Yadav, Islamists and the State: Legitimacy and Institutions in Yemen and Lebanon, I.B. Tauris, 2013.
  16. Bassel F. Salloukh et al., The Politics of Sectarianism in Postwar Lebanon, Pluto Press, 2015.
  17. وثيقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر، المعروفة بتفاهم مار مخايل، 6 فبراير 2006.
  18. Michael J. Willis, Politics and Power in the Maghreb, Columbia University Press / Hurst, 2012.
  19. Frédéric Vairel, Politique et mouvements sociaux au Maroc, Presses de Sciences Po, 2014.
  20. مراجع ودراسات عن تحالف «سائرون» بين التيار الصدري والحزب الشيوعي العراقي، 2018.
  21. دراسات عن الحركة الدستورية الإسلامية والتحالفات الإصلاحية في الكويت، 2013.
شارك هذا الموضوع

يوسف مقران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!