الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب.. قراءة في البرامج الانتخابية (15)
من الهامش الانتخابي إلى التعاقد المجتمعي ومسألة التطبيع
المختار العنقا الإدريسي
المحطة التركيبية الأولى
ماذا تكشف لنا المقارنة بين الأحزاب؟ وما السؤال الختامي الذي تتركه البرامج الانتخابية؟
- في البدء ينبغي أن نشير إلى أن الخلاصة التي نحن بصدد الانتهاء إليها تقوم على سؤالين لا أكثر: ماذا تكشف لنا المقارنة الموسعة بين الأحزاب المتوقف عندها؟ ما السؤال الختامي الذي تفرضه علينا تلك البرامج باعتبارها تعاقداً مع المواطنين؟
مع الحرص طبعاً على ضرورة مراعاة التحول من سؤال «أين الثقافة في البرامج الحزبية؟» إلى سؤال أعمق، يتلخص في: «أي تصور للمواطن والمجتمع والدولة قد تكشفه الثقافة داخل كل برنامج حزبي على حدة؟». وتجدر الإشارة هنا إلى أننا لن نعود إلى تلخيص مواقف تلك الأحزاب، بل سنكتفي بالبحث عن الفلسفة الثقافية التي تختبئ وراء برامجها، خاصة وأنها لا تتحدث عن الثقافة بنفس المعنى.
- بعد أن توقفنا عند الطريقة التي حضرت بها الثقافة في البرامج الانتخابية المغربية لاستحقاقات 23 شتنبر 2026، لم نَعُد أمام ذاك السؤال المنهجي المحدد في: ماذا قال كل حزب عن الثقافة؟ وإنما أصبحنا أمام سؤال أعمق: ماذا تكشف لنا المقارنة بين هذه التصورات عن الإنسان والمجتمع والدولة كما تتخيلها الأحزاب؟
ذلك لأن الثقافة، في نهاية المطاف، ليست قطاعاً منعزلاً عن بقية القطاعات. إنها مرآة خفية للسياسة العامة؛ فحين نَعْرِف كيف ينظر الحزب إلى الثقافة نستطيع أن نقترب أكثر من معرفة كيف ينظر إلى الإنسان… المدرسة… الحرية… الهوية… التنمية… علاقة المواطن(ة) بالدولة. ومن هنا تكتسب هذه المقارنة معناها الحقيقي.
أولاً: ماذا تكشف لنا المقارنة بين الأحزاب؟
قبل كل شيء نقول بأنها تكشف لنا أن الأحزاب لا تتحدث عن الثقافة من نفس الموقع، ولا تمنحها الوظيفة نفسها. فثمة من يضع الثقافة داخل منظومة الفرص والكرامة؛ ومن يربطها أساساً بـ «التنمية والاقتصاد والصناعات الإبداعية»؛ وثمة كذلك من يستحضرها من بوابة الهوية والقيم واللغات والذاكرة؛ ومن يجعلها جزءاً من مشروع الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية والديمقراطية؛ كما أن هناك من يضعها في قلب التحرر والتغيير المجتمعي. ولا يُعَدُّ هذا الاختلاف تفصيلاً تقنياً فحسب لأنه يكشف اختلافاً في الإجابة عن سؤال سابق على السياسة الثقافية نفسها، يمكن أن يصاغ كالتالي: لماذا نحتاج إلى الثقافة؟ وهل نحتاج إليها لأنها حق من حقوق المواطن(ة)؟ أم لأنها وسيلة للتنمية وخلق فرص الشغل؟ أم لأنها حاملة للهوية والذاكرة؟ أو لأنها أداة لبناء الإنسان النقدي والمواطن(ة) الحر(ة)؟ أو لأنها مجال للإبداع والاقتصاد والإشعاع الدولي في آن واحد؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد في العمق مكانة الثقافة في المشروع المجتمعي لكل حزب.
- المقارنة تكشف أن الثقافة لم تعد هامشاً انتخابياً
من أهم ما أظهرته هذه القراءة أن الثقافة لم تعد، في الكثير من البرامج التي توقفنا عندها، مجرد فقرة ثانوية تُدرج في آخر الوثيقة إلى جانب الرياضة والشباب. فقد ظهرت في بعض البرامج باعتبارها جزءاً من التنمية الاقتصادية، وفي أخرى جاءت حقاً اجتماعية أو باعتبارها مكوناً للهوية الوطنية أو مجالاً للحرية والإبداع والتفكير النقدي. ونشير كذلك إلى أنها قد حضرت في عدد كبير من البرامج من خلال مفردات (الميزانية والتجهيزات والصناعات الثقافية والتراث واللغات والقراءة والذكاء الاصطناعي وحقوق المؤلف والإشعاع الدولي). لكن هذا الحضور الكمي لا ينبغي أن يخدعنا، لأن السؤال لم يعد هو: كم مرة ذكرت الثقافة؟ بل صار على الشكل التالي: ماذا يراد للثقافة أن تفعله داخل المشروع السياسي؟ ومن هنا بالضبط يبدأ الفرق الحقيقي.
- المقارنة تكشف انتقال الثقافة من كونها “قطاعاً” إلى اعتبارها “وظيفة”
تكشف البرامج المدروسة اتجاهاً لافتاً نحو تجاوز التصور التقليدي للثقافة، الذي يعتبرها مجرد دعم للمسرح والكتاب والفنون والتراث. فقد أصبحت متصلة بـ: التشغيل… السياحة… الاقتصاد الإبداعي… التحول الرقمي… الهوية… الدبلوماسية الثقافية… التنمية المجالية… التعليم… الشباب. ويبقى هذا — في حد ذاته — تطوراً مهماً يفتح أمامنا سؤالاً نقدياً لا ينبغي تجاهله؛ فهل تصبح الثقافة أكثر أهمية لأنها تحقق عائداً اقتصادياً، أم أن الاقتصاد نفسه يحتاج إلى الثقافة حتى يكون أكثر إنسانية واستدامة وإبداعاً؟ ولعل الفرق بين السؤالين ليس لغوياً؛ ففي الأول تصبح الثقافة وسيلة في خدمة الاقتصاد، أما في الثاني فيصبح الاقتصاد أحد المجالات التي تخدم الإنسان الثقافي المبدع. وهنا تحديداً ينبغي أن ننتبه إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية قد تمنح الثقافة إمكانات جديدة في التشغيل والاستثمار والتصدير، لكنها قد تختزلها إذا غاب البعد الحقوقي والإنساني في منطق السوق وحده. ومن ثمة فإن المسألة ليست رفضاً لاقتصاد الثقافة، وإنما للسؤال عن حدوده ووظيفته وموقع الإنسان داخله.
- “الحق في الثقافة” لم يحسم بعد موقعه داخل المشروع العام للأحزاب
حين نتتبع البرامج المختلفة، نجد حديثاً عن التجهيزات الثقافية… المكتبات… الفنون… التراث… الإبداع… الصناعات الثقافية… الفنانين… الكتاب. وهذا ما يجعلنا أمام سؤال أعمق: فهل الثقافة حق للمواطن(ة)، أم خدمة تقدمها الدولة، أم أنها مجرد قطاع اقتصادي، أو أداة للهوية، أو أنها ذلك جميعه؟ وهنا تبرز ضرورة الانتقال من مفهوم «الثقافة التي تقدمها الدولة» إلى مفهوم أكثر اتساعاً هو «حق المواطن في الثقافة». ويبقى الفرق بين التعبيرين جوهرياً؛ لأن الأول يجعل المواطن(ة) مستفيداً من سياسة عمومية، بينما الثاني يجعله صاحب حق، ويجعل الدولة مطالبة بتهيئة شروط ممارسته، تماماً كما هي مطالبة بتهيئة شروط التمتع بالتعليم والصحة والخدمات الأساسية. وكل ذلك يقودنا مباشرة إلى العدالة الثقافية؛ فلا معنى للحديث عن الثقافة باعتبارها حقاً عاماً، إذا ظل موقع المواطن(ة) الجغرافي والاجتماعي محدداً لفرصه في القراءة والمسرح والسينما والموسيقى والمتاحف والمكتبات والمراكز الثقافية. ومن هنا تصبح المسألة محددة في القول: هل يستطيع ابن القرية، وابن المدينة الصغيرة، وابن الهامش، وابن المركز، أن يمتلك الفرص الثقافية نفسها؟
- المقارنة تكشف أن المدرسة هي الامتحان الحقيقي لفلسفة الثقافة
وتبقى هذه، في تقديري، إحدى أهم خلاصات القراءة كلها. إذ يمكن لأي برنامج أن يتحدث عن المكتبات والمراكز الثقافية والصناعات الإبداعية والتراث والإشعاع الدولي، لكن فلسفته الثقافية لا تُختبر في العبارات وحدها، إنها تُختبر في المدرسة.
فإذا ظلت هذه الأخيرة مكتفية بتلقين المعارف والمهارات دون بناء التصورات المستقبلية والخيال والحس النقدي والقدرة على الحوار والتذوق الفني والقراءة، فإن الحديث عن مجتمع ثقافي سيظل ناقصاً.
لأن المدرسة هي المكان الذي يتشكل فيه المواطن(ة) الذي ستخاطبه كل السياسات الثقافية اللاحقة. ومنه فإن السؤال الذي ينبغي أن يُوجه إلى كل برنامج، سيصاغ على الشكل التالي: ما الذي سيفعله الحزب حتى لا تكون الثقافة امتيازاً لمن يستطيع شراءها، بل تتحول إلى «حق» يبدأ من المدرسة ويستمر طوال الحياة؟ وعندئذ تلتقي الثقافة بالتربية في نقطة شديدة الأهمية؛ إذ لا يمكن بناء رأسمال بشري قوي من دون رأسمال ثقافي قوي.
- المقارنة تكشف أيضاً تفاوتاً بين “الوعد الثقافي” و”هندسة السياسة الثقافية”
وعليه فإن المجال الأكثر حاجة إلى المساءلة هو تلك المقارنة؛ لأن الوعد شيء والسياسة العمومية شيء آخر. فأن نقول: سنبني مكتبات، أو سندعم الفنان، أو سنطور الصناعات الثقافية، أو سنرفع الميزانية، أو سنحمي التراث… فهي مجرد إعلانات عن رغبات سياسية. أما السياسة فلا تبدأ إلا عندما نسأل: بأي قانون؟ وبأي مؤسسة؟ وبأي ميزانية؟ وفي أي أجل؟ وبأي مؤشرات؟ ومن المسؤول عن التنفيذ؟ وكيف سيحاسب المواطن(ة) من تعهد بذلك؟ ولهذا تكتسب بعض البرامج أهمية خاصة، حين تربط التزاماتها بآجال ومؤشرات أو بكلفة مالية معلنة. وهو ما ينبغي أن يطبق على الجميع؛ فكلما ارتفع سقف الوعد، إلا وارتفع معه واجب تحديد آليات الإنجاز.
- المقارنة تكشف أن وضع المثقف والفنان والكاتب ما يزال جزءاً من الاختبار
ثمة فرق بين أن نقول إننا ندعم الثقافة، وبين أن نسأل: كيف يعيش من يصنع الثقافة؟ فالفنان والكاتب والمسرحي والموسيقي والسينمائي والباحث والمترجم والمبدع الرقمي ليسوا مجرد أدوات لإنتاج «محتوى ثقافي». إنهم مواطنون لهم حقوق اجتماعية ومهنية واقتصادية. ومن هنا فإن أي سياسة ثقافية جادة مطالبة بأن تنتقل من تمويل النشاط الثقافي إلى التفكير أيضاً في شروط الحياة والإبداع لمن ينتج الفعل الثقافي. وعندئذ تبرز قضايا العقود والحماية الاجتماعية… حقوق المؤلف… التقاعد… التغطية الصحية… استقرار المهنة… الولوج إلى التمويل… حماية الملكية الفكرية. فيصبح السؤال هو: هل نريد ثقافة قوية، أم نريد فقط أنشطة ثقافية كثيرة؟ خاصة وأن الفرق بين الاثنين كبير.
- المقارنة تكشف أخيراً أن الثقافة أصبحت مرتبطة بسؤال المستقبل
لم تعد السياسة الثقافية معزولة عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والمنصات الجديدة. ومن هنا يأتي السؤال الذي يتجاوز البرامج الانتخابية الحالية نفسها: فكيف سنحمي الإنسان المبدع وننمي قدرته على الإبداع في زمن تستطيع فيه الآلة أن تنتج النص والصور والفيديو والموسيقى؟ إن الثقافة في عصر الذكاء الاصطناعي لا تعني فقط رقمنة الكتب أو إنشاء منصات إلكترونية، إنها تعني إعادة تعريف لـ: الإبداع… الملكية الفكرية… التربية الإعلامية والرقمية… التفكير النقدي… العلاقة بين الإنسان والآلة… مكانة الثقافة في حماية الإنسان من التضليل والتسطيح. وهنا يصبح الاستثمار في الثقافة استثماراً في المناعة الفكرية للمجتمع.
ثانياً: ماذا يقول البرنامج العام للأحزاب عندما نقرأه باعتباره تعاقداً مع المواطن؟
وهنا نصل إلى السؤال الأهم؛ فإذا كان البرنامج الانتخابي مجرد وثيقة دعائية، فإن انتهاء الحملة قد يعني انتهاء وظيفته.
أما إذا كان عقداً سياسياً وأخلاقياً مع المواطن(ة)، فإن الأمر يختلف جذرياً.
فالمفروض أن الناخب(ة) لا يمنح صوته على أساس ما سمعه فقط، وإنما على أساس ما يقرأه ويفهمه من اختيارات والتزامات. وعليه فإن البرنامج ينبغي أن يظل وثيقة قابلة للرجوع إليها حتى بعد الانتخابات. وبمعنى أكثر صراحة: فإن البرنامج الانتخابي لا ينبغي أن يكون وثيقة تنتهي صلاحيتها لحظة إغلاق صناديق الاقتراع، بل ينبغي أن يبدأ مفعوله الحقيقي في اليوم التالي للانتخابات. ومن هنا يتغير معنى كلمة «المساءلة»، وتتجاوز سؤال الحزب بعد مضي السنوات: ماذا فعلتم؟ بل أن نسأله، منذ اليوم الأول: بماذا التزمتم؟ ثم ماذا أنجزتم؟ وماذا لم تنجزوا؟ ولماذا؟ ومتى ستنجزون ما تبقى من الوعود؟ فيتحول البرنامج الانتخابي من خطاب إلى مرجع للمحاسبة الديمقراطية.
وأعتقد أن هذه القراءة لا ينبغي أن تنتهي بالسؤال المتمحور حول ماذا ستفعل الأحزاب للثقافة؟ فرغم أهميته يظل محدوداً. أما السؤال الأكثر عمقاً فييبقى هو: أيُّ مواطن(ة) تريد هذه البرامج أن تبنيه؟ خاصة وأنه يحتاج إلى وظيفة، ليتجاوز اعتباره «باحثاً عن دخل». وفي نفس الوقت فالمواطن(ة) الذي يحتاج إلى مدرسة ليس مجرد «متعلم(ة)». كما أن المواطن(ة) الذي يحتاج إلى الثقافة ليس مجرد «مستهلك للأنشطة الثقافية». إنه مواطن(ة) ينبغي أن يكون: متعلماً… مبدعاً… قادراً على التفكير… واعياً بهويته… منفتحاً على العالم… قادراً على الاختلاف… ممتلكاً للخيال… مشاركاً في الشأن العام… قادراً على إنتاج المعنى لا استهلاك المنتجات فقط.
وهنا تكشف الثقافة شيئاً أعمق من نفسها: تكشف صورة المواطن(ة) التي يحملها كل مشروع سياسي. وتأسيسأً على كل ما تقدم فإن سؤالنا الختامي في هذه القراءة يتحدد في: أيُّ مواطن(ة) يريد كل حزب — على حدة — أن يبنيه؟ وقد نعززه بالسؤال الذي يضع البرامج كلها أمام مسؤوليتها التاريخية: فإذا كان البرنامج الانتخابي تعاقداً مع المواطن(ة)، فكيف سنضمن أن يظل هذا التعاقد قابلاً للقراءة والقياس والمحاسبة بعد أن تنتهي الانتخابات؟
وهنا بالضبط تنتقل الثقافة من هامش البرنامج إلى جوهر السياسة؛ لأن الثقافة في معناها الأوسع ليست فقط ما تنتجه الدولة من مهرجانات وكتب ومتاحف ومسارح، وإنما هي نوع المواطن(ة) الذي تنتجه المدرسة، والإعلام، والفضاء العام، والسياسة، والاقتصاد، والقانون. ومن ثم فإن مساءلة البرامج الانتخابية من نافذة الثقافة ليست مساءلة لقطاع ثقافي بعينه، وإنما هي مساءلة للصورة التي تقترحها الأحزاب لمغرب المواطن المستقبلي.
وهذه في النهاية، هي المسألة التي تستحق أن يبقى المواطن(ة) ممسكاً بها، وهو يقرأ أي برنامج انتخابي: فلا يسأل — فقط — عن ماذا سيقدم له الحزب؟ بل يسأل أيضاً: أيُّ مواطن(ة) يريد أن يصيره؟ وأيُّ مجتمع يريد أن يبنيه معه؟ وأيُّ مستقبل يطلب منه أن يشاركه في صناعته؟ فحين نصل إلى هذه الأسئلة، يصبح البرنامج الانتخابي أكثر من وعود انتخابية… يصبح تعاقداً؛ والتعاقد لا يعيش بالثقة وحدها، وإنما يعيش أيضاً بالوضوح… التنفيذ… التتبع… المساءلة.
ثالثاً: سؤال التطبيع والمسألة الثقافية من خلال البرامج الانتخابية للأحزاب
أعتقد أننا سنكون — من خلال هذه المحطة — أمام إضافة نوعية جداً إلى قراءتنا، لأن إدخال سؤال التطبيع لا ينبغي أن يكون ملحقاً سياسياً خارج موضوع الثقافة، بل يمكن أن يكشف لنا شيئاً أعمق نلخصه في: كيف تتعامل البرامج الحزبية مع الثقافة بوصفها مجالاً للهوية والذاكرة والسيادة والتمثيل الرمزي والعلاقات مع الآخر؟ لكن يلزمنا قدر من الدقة المنهجية: فلا يجوز أن نستنتج من غياب كلمة «التطبيع» في برنامج ما موقفاً مؤيداً أو رافضاً له. فإذا كانت قراءتنا لتلك البرامج الانتخابية قد كشفت تعدد وظائف الثقافة بين الحق… الهوية… التنمية… الإبداع… القوة الناعمة… فإن سؤال التطبيع يفتح أمامنا نافذة أخرى لا تقل أهمية: فماذا يحدث للثقافة عندما تدخل في علاقات الدولة والمجتمع مع إسرائيل؟
إن الحديث عن التطبيع لا يقتصر على العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية؛ إذ يمكن أن يمتد إلى مجالات الثقافة والتعليم والإعلام والفن والتراث والجامعات والسياحة والبحث العلمي. ومن ثم فإن الثقافة تصبح إحدى ساحات اختبار الموقف من التطبيع، سواء عبر التعاون المباشر، أو عبر التبادل الثقافي، أو عبر المهرجانات، أو عبر الرواية التاريخية، أو عبر إعادة تقديم الآخر داخل الوعي الجماعي. وهو ما سنحاول التوقف عنده في التقاطعات التالية:
- الثقافة والهوية
كلما جعل البرنامج الثقافة حاملة للهوية والذاكرة واللغات والتراث، إلا وأصبح سؤال العلاقة مع الآخر أكثر حساسية. فالهوية المغربية ليست هوية أحادية؛ فهي تقوم على روافد عربية وأمازيغية وحسانية ويهودية وغيرها من مكونات التاريخ المغربي. ولذلك ينبغي التمييز بين أمرين هما:
- استحضار المكوّن اليهودي المغربي باعتباره جزءاً من التاريخ والثقافة المغربية.
- تحويل هذا المكوّن التاريخي إلى مدخل لتطبيع ثقافي مع الدولة الإسرائيلية.
ويدخل الفصل بينهما ليكون ضرورياً حتى لا تختلط يهودية المغرب التاريخية بالسياسة الإسرائيلية المعاصرة. وهذه نقطة بالغة الأهمية في قراءة البرامج التي تتحدث عن الهوية والتراث والتنوع.
- الثقافة والقوة الناعمة
وقد تزداد المسألة تعقيداً عندما ترفع البرامج شعار القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية، فتصبح الثقافة هنا وسيلة لحضور المغرب في العالم، ولتوسيع علاقاته وشراكاته وصورته الدولية. لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: هل الانفتاح الثقافي على العالم يعني بالضرورة الانفتاح الثقافي على كل دولة؟ فالجواب ليس آلياً؛ لأن الدبلوماسية الثقافية يمكن أن تكون حواراً بين الشعوب والحضارات، لكنها قد تصبح أيضاً في بعض السياقات قناة لتطبيع علاقات سياسية متنازع عليها. ولهذا فإن المعيار الحقيقي ليس مجرد وجود «التبادل الثقافي»، وإنما هو البحث عن طبيعة هذا التبادل؟ وعن شروطه؟ وما الذي يحمي استقلال الثقافة عن التوظيف السياسي؟
- الثقافة والتعليم
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية، لأن المدرسة ليست مجالاً محايداً في بناء الذاكرة. فإذا كانت بعض البرامج تربط الثقافة بالمدرسة والهوية واللغات والتراث، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافقها هو: أي رواية تاريخية نريد أن تنقلها المدرسة إلى الأجيال المقبلة؟ فالأمر هنا لا يتعلق بتقديم رواية مغلقة أو أحادية، وإنما بحماية قدرة المتعلم(ة) على التمييز بين: • التاريخ المغربي لليهود المغاربة؛ • القضية الفلسطينية؛ • الصهيونية كحركة سياسية؛ • إسرائيل كدولة؛ • والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
فالخلط بينها جميعاً لا يخدم المعرفة التاريخية، كما أن حذف أحدها لا يخدم التربية على التفكير النقدي الضروري.
- الثقافة كمساحة للمقاومة أو للتطبيع
تكشف التجربة المغربية أن الثقافة ليست مجرد سياسة رسمية؛ فهي أيضاً فضاء للتعبير الشعبي. فالأغنية، والمسرح، والشعر، والغرافيتي، والملاعب، والفضاء الرقمي يمكن أن تتحول إلى أدوات للتعبير عن الموقف من فلسطين والتطبيع. وقد يلاحظ المتتبع كيف استخدمت مجموعات الألتراس المغربية الأغاني والشعارات والغرافيتي للتعبير عن التضامن مع فلسطين ورفض التطبيع، محولة بعض الفضاءات الثقافية والجماهيرية إلى فضاءات احتجاجية. وهنا نكون أمام مفارقة مهمة؛ نحددها في القول بأن الثقافة الرسمية قد تكون في اتجاه، بينما تتحرك الثقافة الشعبية في اتجاه آخر. ومن ثم فإن أي سياسة ثقافية جادة لا تستطيع تجاهل ما يقوله المجتمع نفسه من خلال فنه وذاكرته ورموزه.
- ماذا تكشف المقارنة بين البرامج؟
تكشف المقارنة التي أنجزناها أن التطبيع ليس حاضراً بالدرجة نفسها في البرامج الثقافية للأحزاب المتوقف عندها. فمنها من جعل رفض ومناهضة التطبيع التزاماً صريحاً في برنامجه العام، وربطه بالقضية الفلسطينية وبحماية المؤسسات والجامعات والإعلام والاقتصاد من الاختراق التطبيعي. في حين أن برامج أخرى عمدت إلى التركيز على الثقافة من خلال مفاهيم مثل التنوع، والهوية، والتراث، والدبلوماسية الثقافية، والقوة الناعمة، والانفتاح الدولي، من دون أن تجعل التطبيع محوراً صريحاً في البرنامج الثقافي. وهو ما يدفعنا لأن نكون دقيقين: لأن عدم ذكر التطبيع ليس موقفاً من التطبيع، إنه أولاً وقبل كل شيء غيابٌ لهذه القضية عن النص الانتخابي الذي نقرأه. وهذا الغياب نفسه يمكن أن يكون موضوعاً للمساءلة، لا مادة لاستنتاج موقف لم يعلنه الحزب.
- السؤال الذي تضيفه الثقافة إلى مسألة التطبيع
بعد هذه القراءة، يبدو أن السؤال الثقافي لا ينبغي أن يكون: هل الحزب مع التطبيع أم ضد؟ فهذا سؤال سياسي مباشر. أما السؤال الذي يخص وثيقتنا فيمكن صياغته على الشكل التالي: (كيف يحمي الحزب استقلال الثقافة المغربية وهويتها وذاكرتها وحرية مبدعيها عندما تتقاطع السياسة الخارجية مع المجال الثقافي؟). وبصيغة أكثر تحديداً: (ما حدود التعاون الثقافي؟ وما الذي يعتبره الحزب تبادلاً ثقافياً مشروعاً؟ ومتى يتحول التبادل إلى تطبيع؟ ومن يحدد هذه الحدود؟ وهل يملك المواطن(ة) والمثقف والفنان حق معرفة شروطها ومناقشتها؟).
ومنه نستطيع أن نصل إلى خلاصة بالغة الأهمية، نصوغها على الشكل التالي: التطبيع الثقافي لا يبدأ بالضرورة باتفاق ثقافي معلن؛ فقد يبدأ أيضاً بإعادة تعريف الذاكرة، أو بتغيير صورة الآخر، أو بفصل الثقافة عن سياقها السياسي والتاريخي، أو بتحويل التعاون الثقافي إلى غطاء لعلاقة سياسية. وهذا جميعه لا يعني أن كل تواصل ثقافي مع الإسرائيليين هو بالضرورة «تطبيع». فالتبادل الثقافي مفهوم أوسع، وتحديد ما يعد تطبيعاً أو لا يعد، يحتاج كذلك إلى معايير محددة وسياقات واضحة؛ سيما أن هناك معايير وتعريفات خاصة بذلك. وهنا نحيل على حركة المقاطعة الأكاديمية والثقافية الفلسطينية (PACBI)، وهي جهة لها موقف سياسي محدد ينبغي التعامل مع تعريفاتها باعتبارها معايير صادرة عن هذه الجهة، لا تعريفاً محايداً ملزماً للجميع.
- حين تصبح الثقافة اختباراً لحدود الانفتاح
لعل أهم ما تكشفه قراءتنا للبرامج الانتخابية أن سؤال التطبيع لا ينبغي أن يُحصر في الاتفاقيات السياسية أو المبادلات الاقتصادية أو المواقف الدبلوماسية. فهناك منطقة أكثر هدوءاً وأشد حساسية: إنها الثقافة. وما ذلك إلا لأنها لا تعبر الحدود بالجوازات والاتفاقيات فقط، وإنما تعبرها عبر الكتاب والفيلم والمهرجان والجامعة والمعرض والترجمة والبحث العلمي والمنصات الرقمية، وعبر الطريقة التي نعيد بها تقديم الآخر لأنفسنا ولأجيالنا الجديدة. فيصبح السؤال هو: هل كل انفتاح ثقافي على الآخر هو تطبيع؟ وهل كل رفض للتطبيع ينبغي أن يتحول إلى انغلاق ثقافي؟ علماً أن الإجابة — هنا — لا يمكن أن تكون آلية في أي من الاتجاهين.
فالمغرب، وهو يقرأ ذاته الثقافية، لا يستطيع أن يتنكر لتعدده التاريخي؛ ومنه مكونه اليهودي المغربي، الذي ينتمي إلى تاريخ المغرب وذاكرته الوطنية. لكن الاعتراف بهذا المكون التاريخي لا يعني — في ذاته — اتخاذ موقف من سياسات دولة معاصرة. وهذه التفرقة المنهجية مهمة حتى لا تختلط الذاكرة المغربية بالسياسة الإسرائيلية المعاصرة.
وفي الاتجاه الآخر، فإن الحديث عن الدبلوماسية الثقافية و«القوة الناعمة» في عدد من البرامج الانتخابية يفتح سؤالاً مشروعاً: عندما تصبح الثقافة وسيلة للإشعاع الوطني في الخارج، فمن يحدد مضمون هذا الإشعاع؟ وهل تظل الثقافة فضاءً مستقلاً للحوار والإبداع، أم يمكن أن تتحول في بعض السياقات إلى وسيلة لتلطيف صورة خيارات سياسية لا تقول عنها الثقافة شيئاً صراحة؟ وهنا تظهر الحاجة إلى معيار، لا إلى موقف مسبق.
فليس المهم فقط أن نسأل: هل يوجد تعاون ثقافي أم لا؟ بل أن نسأل: ما موضوعه؟ ومن هي أطرافه؟ وما شروطه؟ ومن يموله؟ وما الغاية المعلنة منه؟ وهل يحافظ على استقلال الفاعل الثقافي؟ وهل يتضمن اعترافاً سياسياً أو رمزياً يتجاوز طبيعته الثقافية؟ ليضعنا كل ذلك أمام مفهوم بالغ الأهمية في المساءلة الثقافية، نعبر عنها بـ «شفافية التعاون الثقافي».
فالبرنامج الانتخابي الذي يتحدث عن الانفتاح الدولي، أو الدبلوماسية الثقافية، أو التبادل الفني والعلمي، مدعو إلى أن يجيب أيضاً عن القواعد التي ستحكم هذا الانفتاح. وهذه ليست مسألة تخص حزباً بعينه، بل هي سؤال عام يمكن توجيهه إلى مختلف البرامج.
