الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب.. قراءة في البرامج الانتخابية (8)
الثقافة من مطلب اجتماعي إلى مشروع للتحرر عند تحالف اليسار
المختار العنقا الإدريسي
استهلال افتتاحي:
إن تحالف اليسار يستحق محطة مختلفة عن الحزبين الاشتراكيين اللذين سبقاه؛ لأننا هنا أمام محاولة لتجميع مكونات من اليسار في صيغة انتخابية مشتركة، وبالتالي فإن السؤال الثقافي يصبح أيضاً سؤالاً عن قدرة اليسار على إعادة تركيب مشروعه المجتمعي.
ونحن هنا لن نبحث عن كثرة ورود كلمة “الثقافة”، بل نسأل: ما الذي تكشفه فلسفة التحالف عن الإنسان والمجتمع والمعرفة والهوية والإبداع؟ بل ومتى تصبح الثقافة جزءاً من سؤال التحرر والعدالة والديمقراطية المنشودة.
بعد أن قرأنا الثقافة عند الاتحاد الاشتراكي من زاوية العدالة الاجتماعية والحرية، وعند التقدم والاشتراكية من زاوية الحق ومجتمع المعرفة، ها نحن نصل مع تحالف اليسار إلى منطقة أكثر جذرية في السؤال: فهل الثقافة مجرد حق اجتماعي ينبغي أن توفره الدولة، أم أنها أيضاً أداة لتحرير المواطن من الجهل والتهميش والاستلاب؟ وهذا السؤال ليس ترفاً فكرياً.
إن فكرة اليسار في جوهرها، تنطلق من أن المجتمع العادل لا يبنى فقط بإعادة توزيع الثروة، وإنما أيضاً بإعادة توزيع المعرفة والسلطة والقدرة على التعبير والمشاركة. ومن هنا – كذلك – يمكن قراءة الثقافة داخل مشروع تحالف اليسار باعتبارها جزءاً من معركة أوسع: هي معركة الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة، والتحرر الفكري، وتحرير الإنسان من كل أشكال التهميش. لكن المساءلة تبدأ هنا تحديداً، من فكرة: هل استطاع التحالف أن يحول هذه الفلسفة إلى تصور ثقافي واضح، أم أن الثقافة بقيت كامنة داخل شعاراته الكبرى؟
1: لماذا تبدأ المساءلة من مفهوم “التحرر”؟
حين ننظر إلى الثقافة من زاوية يسارية فإن أول ما ينبغي التخلص منه هو النظر إليها باعتبارها امتيازاً للنخب. فالإنسان المهمش ليس محتاجاً فقط إلى: الدخل، والسكن، والصحة، والشغل. إنه محتاج أيضاً إلى: المعرفة، وإلى القدرة على التعبير، وإلى فضاء يستطيع فيه أن يكون فاعلاً لا مجرد متلقٍ. ومن هنا تصبح الثقافة إحدى وسائل تحرير المواطن من التبعية، وتمكنه من أن يفهم واقعه، وأن يسائل شروطه، وأن يشارك في تغييره. وهو ما يقودنا إلى سؤال جوهري: هل يمكن أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية مع مجتمع لا يقرأ، ولا يفكر نقدياً، ولا ينتج المعرفة؟ وفي تقديرنا، سيكون الجواب بـ “لا”. وعليه تكون الثقافة جزءاً من البنية الديمقراطية، لا ملحقاً بها.
2: العدالة الثقافية… الوجه الآخر للعدالة الاجتماعية
إذا كان اليسار يرفع شعار العدالة الاجتماعية، فإننا نطالبه بأن يذهب بهذا الشعار إلى نهايته المنطقية. فالعدالة لا تعني فقط توزيعاً عادلاً للدخل. إنها تعني أيضاً توزيعاً عادلاً للاستفادة من: الكتاب، المعرفة، الفن، المعلومة، الفضاءات الثقافية، الفرص الإبداعية. لأن طفلاً(ة) في حي هامشي لا ينبغي أن تكون فرصته الثقافية أقل من طفل في حي ميسور. وشاباً(ة) في قرية جبلية لا ينبغي أن يكون نصيبه من الثقافة أقل، لأن الجغرافيا حكمت عليه بذلك. ومن هنا تصبح العدالة المجالية عدالة ثقافية أيضاً. ويبقى هذا من أكثر المداخل انسجاماً مع الرؤية اليسارية. الشيء الذي يفرض علينا طرح السؤال التالي: هل يتضمن مشروع التحالف آليات واضحة تجعل الثقافة جزءاً من العدالة المجالية، أم يظل الأمر نتيجة نستخلصها نحن من مرجعيته؟
3: الثقافة والتعليم… والمدرسة بوصفها مؤسسة للتحرر
لا يمكن لأي مشروع يساري أن يتعامل مع التعليم باعتباره مجرد أداة لإنتاج اليد العاملة. وتبقى المدرسة في المنظور الديمقراطي التقدمي، هي مؤسسة لبناء المواطن المستقبلي. ومن هنا تتقاطع الثقافة والتعليم في أسئلة موحدة:
من يملك المعرفة؟
من ينتجها؟
من يحق له الوصول إليها؟
من يحدد مضمونها؟
فالمدرسة التي تعلم الطفل(ة) كيف ينجح في الامتحان فقط لا تكفي. لأن المدرسة المطلوبة هي التي تعلمه: كيف يفكر… يسأل… يقرأ… يناقش… يختلف… يحترم الاختلاف ويقدره. وبذلك فإن الثقافة ليست نشاطاً موازياً داخل المدرسة، إنها روح العملية التربوية.
4: هل يستطيع اليسار أن يعيد الاعتبار للمدرسة العمومية؟
هنا يلتقي السؤال الثقافي بالسؤال الاجتماعي. فالمدرسة العمومية هي المؤسسة التي يفترض أن تضمن تكافؤ الفرص. لكن حين تتفاوت جودة التعليم بين المجالين الحضري والقروي، وبين المؤسسات والمناطق، فإن التفاوت الثقافي يتسع أيضاً. ولهذا فإن الدفاع عن المدرسة العمومية ليس فقط دفاعاً عن التعليم، بل هو دفاع عن المساواة في بناء الشخصية والمعرفة والوعي. وهو ما يدفعنا إلى أن نوجه إلى تحالف اليسار سؤالاً مباشراً، نصوغه كما يلي: هل يريد مدرسة عمومية لإنتاج الشهادات، أم مدرسة عمومية لإنتاج المواطن؟ والفارق بين الاثنين هو الفارق بين التعليم بوصفه خدمة، والتعليم بوصفه مشروعاً مجتمعياً.
5: الثقافة والديمقراطية… من يملك حق الكلام؟
في قلب المشروع اليساري توجد مسألة الديمقراطية. وإذا كانت الثقافة لا يمكن أن تزدهر خارج فضاء يسمح: بالتعبير، والنقد، والاختلاف، والتعدد، والديمقراطية الثقافية تعني أكثر من حرية المثقف (- إنها تعني أن يكون المواطن نفسه قادراً على التعبير عن تجربته وثقافته وذاكرته -). وتأسيساً على كل ذلك نجد أن الثقافات المحلية والجهوية تكتسب أهميتها من كل ذلك. خاصة وأن المغرب لا يتحدث بصوت واحد، بل بأصوات متعددة. وهي وضعية لا تشكل أي خطر على الوحدة الوطنية، بل من بين أهم مصادر غناها. ومن هنا: فالديمقراطية السياسية التي لا تتحول إلى ديمقراطية ثقافية تظل ناقصة.
6: الثقافة والهوية… هل يمكن لليسار أن يتجاوز الثنائية الزائفة؟
من الأسئلة التي تواجه اليسار المغربي – دائماً – علاقته بمفهوم الهوية. فهل الدفاع عن الهوية يعني المحافظة؟ وهل الحداثة تعني القطيعة مع التراث؟ وهل الانفتاح يعني التخلي عن الخصوصية؟ فهذه ثنائيات ينبغي تجاوزها. لأن الهوية المغربية نفسها تبقى نتاجاً طبيعياً لتراكم تاريخي. فهي عربية وأمازيغية وصحراوية وإفريقية ومتوسطية وأندلسية ومغربية في آن واحد. ولهذا فإن الثقافة اليسارية لا ينبغي أن تنظر إلى الهوية باعتبارها كتلة مغلقة، بل باعتبارها: ذاكرة قابلة للتجدد. وهنا يمكن أن يكون اليسار أكثر قدرة على تقديم مفهوم للهوية يجمع بين: الانتماء والحرية، الخصوصية والانفتاح، الذاكرة والحداثة. لكن ذلك يتطلب موقفاً واضحاً، لا مجرد تجاوز الخطاب الهوياتي.
7: الأمازيغية… من الاعتراف إلى العدالة الثقافية
إذا كانت العدالة والمساواة من ثوابت اليسار، فإن قضية الأمازيغية لا ينبغي أن تختزل في الاعتراف الرمزي. إنها قضية: لغة… ثقافة… ذاكرة… التعبير… إنتاج المعرفة… السؤال… وهل تصبح الأمازيغية لغة حية في المدرسة والإدارة والإعلام والإنتاج الثقافي والرقمي، أم يظل الاعتراف بها منفصلاً عن شروط انتشارها؟ علما أن اللغة التي لا تنتج المعرفة تبقى معرضة لأن تتحول إلى مجرد رمز. واللغة التي لا تدخل المدرسة والإعلام والثقافة الرقمية لا تستطيع أن تصبح فعلاً لغة للمستقبل المنشود.
8: الثقافة الشعبية… هل يستطيع اليسار أن يرى الهامش الثقافي؟
من أهم ما يمكن أن يضيفه اليسار إلى النقاش الثقافي هو الاهتمام بالثقافة الشعبية. فالموروث الثقافي لا يوجد فقط في: المتاحف، والكتب، والمؤسسات الرسمية، بل يوجد في: الحكاية الشعبية، والذاكرة الشفوية، والفن الشعبي، والحرف، والموسيقى، والاحتفالات المحلية، والمعارف المتوارثة. وهنا – أيضاً – يبرز السؤال التالي: هل نحفظ الثقافة الشعبية باعتبارها تراثاً، أم نمنح أصحابها الحق في تطويرها وإعادة إنتاجها؟ فالتراث الذي يُحنط في المتحف يموت ببطء. أما التراث الذي يعيش في المجتمع فإنه يستطيع أن يواكب ويتجدد على الدوام.
9: الثقافة الرقمية… هل اليسار مستعد للجيل الجديد؟
إن الأجيال الجديدة لا تدخل الثقافة من باب الكتاب وحده، بل تدخلها من: الهاتف والمنصات والفيديو والألعاب والذكاء الاصطناعي والشبكات الاجتماعية. ولهذا فإن أي مشروع ثقافي معاصر لا يضع التحول الرقمي في قلبه، سيخسر جزءاً من معركته قبل أن يبدأ. غير أن المسألة لا تتوقف على توفير الإنترنت فحسب، بل تبقى رهينة ببناء: مواطنة رقمية، ومعرفة إعلامية، وقدرة على التحقق، وإنتاج محتوى، وحماية للحقوق الرقمية. وهنا يصبح السؤال: هل يستطيع تحالف اليسار أن يجعل من التكنولوجيا وسيلة لدمقرطة المعرفة، لا وسيلة جديدة لإعادة إنتاج الفوارق؟
10: مفارقة تحالف اليسار
انطلاقاً من امتلاكه تاريخاً طويلاً في العمل الثقافي والنقابي والطلابي والفكري والجمعوي والصحافي، فإن مساءلتنا ينبغي أن تكون قاسية نوعاً ما. لقد كانت الثقافة في مراحل كثيرة جزءاً من الممارسة السياسية اليومية لليسار، وليست مجرد بند في برامجه. وعليه فإن السؤال الذي يواجه تحالف اليسار اليوم هو: هل استطاع أن يستعيد تلك الثقافة السياسية والاجتماعية في مشروع انتخابي قادر على مخاطبة مغرب 2026 وما بعدها؟ علما أن جيل اليوم ليس هو جيل السبعينيات أو الثمانينيات. إنه جيل: المنصات والذكاء الاصطناعي، والهجرة والاقتصاد الإبداعي، والتحولات الأسرية، والهوية الرقمية. واليسار الذي يريد مخاطبته يحتاج إلى لغة ثقافية جديدة، لا إلى استعادة قاموس الماضي.
11: من مبدأ “الثقافة من أجل الوعي” إلى “الثقافة من أجل التغيير“
وهنا – أيضاً – يمكن أن تكون مساهمة تحالف اليسار أكثر عمقاً. فالثقافة لا ينبغي أن تكون فقط وسيلة لبناء الوعي، بل ينبغي أن تكون وسيلة لتغيير الواقع.
فالفنان يطرح السؤال.
والكاتب يكشف التناقض.
والمسرح يضع المجتمع أمام نفسه.
أما السينما فتستعيد الذاكرة.
والصحافة تحقق في الواقع.
والبحث العلمي يفكك الظواهر.
في حين نجد أن المدرسة تعلم الطفل(ة) كيف يقرأ كل ذلك.
وهكذا تصبح الثقافة جزءاً من دينامية التغيير الاجتماعي. لكن السؤال الذي يُطرح علينا هو: هل يملك التحالف تصوراً يجعل الثقافة قوة تغيير مستقلة، أم أنه لا يزال ينظر إليها من خلال ملفات التعليم والإعلام والشباب؟
12: الامتحان الأصعب… من الخطاب إلى السياسة الثقافية
يمكن أن تكون الرؤية اليسارية للثقافة غنية جداً على المستوى الفكري. غير أن الدولة لا تُدار بالأفكار وحدها. لذلك ينبغي أن نسأل:
من يتولى السياسة الثقافية؟
ما موقع الجماعات الترابية؟
ما حجم الميزانية المخصصة لها؟
كيف يتم دعم المبدعين؟
كيف تقاس العدالة الثقافية؟
كيف توزع البنيات الثقافية؟
كيف تحمى حرية الإبداع؟
كيف يشارك المثقفون في صناعة القرار؟
فهذه الأسئلة هي التي تنقل الثقافة من الرؤية إلى السياسة العمومية.
الخلاصة التأملية: هل يمتلك تحالف اليسار ثقافة سياسية… أم سياسة ثقافية؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إنصافاً لتحالف اليسار. فمن الصعب مساءلته ثقافياً كما نسائل حزباً لا يحمل تقليداً طويلاً في العمل الثقافي. لقد شكلت الثقافة تاريخياً، جزءاً من المجال الذي تحرك فيه اليسار: بدءاً من الصحافة والكتاب والمسرح، ومروراً بالجامعة، والنقابة والحركة الطلابية، ووصولاً إلى الجمعية، وانتهاء بالفكر النقدي. لكن التاريخ لا يكفي. فالانتخابات التشريعية لسنة 2026 لا تسأل اليسار عما كان عليه، بل عما سيكون عليه اليوم وغداً. ومن هنا فإن المساءلة الحقيقية هي:
- هل يستطيع تحالف اليسار أن يحول مبدأ العدالة الاجتماعية إلى عدالة ثقافية؟
- هل يستطيع أن يجعل الثقافة حقاً للجميع، لا امتيازاً للمركز؟
- هل يستطيع أن يربط المدرسة بالمعرفة، والمعرفة بالديمقراطية، والديمقراطية بحرية الفكر؟
- هل يستطيع أن يحمي المبدع بوصفه عاملاً، ويحمي الإبداع بوصفه حرية؟
- هل يستطيع أن يقدم للجيل الرقمي الجديد تصوراً ثقافياً لا يعيش على قاموس اليسار القديم، وإنما يواجه أسئلة الذكاء الاصطناعي والمنصات والهوية الرقمية ومستقبل المعرفة؟
فإذا استطاع ذلك، فإن الثقافة عند تحالف اليسار تصبح أكثر من قطاع. وتصبح ثقافة للتحرر، وعدالة للمعرفة، وديمقراطية للمعنى، وحرية للإبداع. أما إذا ظلت الثقافة موزعة بين التعليم والإعلام والشباب والفنون دون أن تنتظم في سياسة ثقافية واضحة، فإن اليسار يكون قد حافظ على ذاكرته الثقافية أكثر مما صنع مستقبله الثقافي.
ومن هنا تبرز خلاصة هذه المحطة: فالثقافة عند تحالف اليسار ينبغي أن تكون حيث ينبغي أن يكون اليسار نفسه: إلى جانب المواطن في معركته ضد الجهل والتهميش والإقصاء، وإلى جانب المجتمع في معركته من أجل المعرفة والحرية والعدالة. لكن ذلك يحتاج إلى أكثر من النوايا. يحتاج إلى مشروع ثقافي ديمقراطي واضح، قابل للتنفيذ والقياس والمساءلة، وهو المأمول فيه.
