الخليل بن أحمد الفراهيدي: عبقرية التأسيس ومهندس النظام اللغوي العربي

الخليل بن أحمد الفراهيدي: عبقرية التأسيس ومهندس النظام اللغوي العربي

سعيد بوخليط

           عند محاولة التأريخ لتراكمات درس النحو العربي، يظهر باستمرار سيبويه باعتباره المرجع الأول والسند الأصلي، في حين يبقى اسم الخليل بن أحمد الفراهيدي بداية المشروع الحقيقي لدراسة اللغة العربية نسقياً، تركيبياً وصوتياً، وفق رؤية متكاملة تبلورت منهجياً وعلمياً، قياساً لما فعله أبو الأسود الدؤلي، باعتباره أول مبادر كي ينحو من هذا النحو بتوجيه من الإمام علي بن أبي طالب: “ما أحسن هذا النحو الذي قد نحوت”، سعياً إلى حماية القرآن واللغة العربية نتيجة اختلاط العرب بالأعاجم في أمصار العراق، بعد أن شاع اللحن ولاسيما قراءة أحدهم الآية: “أنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ” (بكسر اللام)، أو بما فعله سيبويه خلال القرن الثاني عندما قنّن وهيكل بنيوياً مختلف الاجتهادات المتواترة سابقاً.

يظل حقيقة الخليل بن أحمد الفراهيدي عقلاً جباراً ومبدعاً نظم شتات النحو وصار علماً وفق الصورة التي نعاينها بين صفحات الكتب التعليمية التراثية: “مؤصّل علم النحو العربي وواضع مصطلحاته، وباسط مسائله، ومسبّب علله، ومفتّق معانيه، أستاذ أهل الذكاء والفطنة، مكتشف علمي العروض والقافية، الموسيقي، الرياضي، المعجمي، المحدِّث النحوي اللغوي” (1).

هكذا، يعتبر الخليل أستاذاً لسيبويه، الذي استثمر كثيراً من خلاصات زعيم مدرسة البصرة وواضع علم العروض والقافية وكذا أول معجم في اللغة العربية، ناقلاً إياها مرة بالإحالة الصريحة وأحياناً أخرى بكيفية ضمنية. يقول الزبيدي عن ريادة الفراهيدي: “وهو الذي بسط النحو ومدّ أطنابه وسبب علله وفتق معانيه وأوضح الحجاج فيه، حتى بلغ أقصى حدوده وانتهى إلى أبعد غاياته، ثم لم يرض أن يؤلّف فيه حرفاً أو يرسم منه رسماً ترفعاً بنفسه وترفعاً بقدره إذ كان قد تقدم إلى القول عليه والتأليف فيه، فكره أن يكون لمن تقدمه تالياً، وعلى نظر من سبقه محتذياً. واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه، ولقنه من دقائق نظره ونتائج فكره ولطائف حكمته، فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلده وألّف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم قبله، كما امتنع على من تأخر بعده” (2).

وردت على لسان سيبويه المسائل النحوية التي أدلى بها الفراهيدي، واستشهد باسمه خلال ما يقارب ثلاثمائة وثمانين قضية لغوية، مثلما أحال سيبويه ضمن ذات المقام على شيوخ وأئمة آخرين مثل عيسى بن عمر الثقفي ويونس بن حبيب. تتلمذ على يد الفراهيدي إلى جانب سيبويه، العديد من علماء اللغة العربية الأفذاذ مثل: الليث بن المظفر، الأصمعي، الكسائي، النضر بن شميل، هارون بن موسى النحوي، وهب بن جرير.

ولد أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي سنة مائة هجرية، وتوفي سنة مائة وسبعين (100هـ – 170هـ) في مدينة البصرة التي ترعرع داخل فضائها ولم يغادرها سوى للذهاب إلى الحج أو التجول في بوادي نجد والحجاز وتهامة. شاعر ونحوي، وأحد أكبر فطاحلة تاريخ اللغة والأدب العربيين، امتلك كما تخبر مضامين سيره عدة أنواع من الذكاء جعلت “عقله أكبر من علمه” (عبد الله بن المقفع): “شبّ على حب العلم، فتلقى عن أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر الثقفي وغيرهما، ثم ساح في بوادي الجزيرة العربية، وشافه الأعراب في الحجاز ونجد وتهامة إلى أن ملأ جعبته، ثم آب إلى مسقط رأسه البصرة، واعتكف في داره دائباً على العلم ليله ونهاره هائماً بلذته الروحية، فنبغ في العربية نبوغاً لم يسبق إليه” (3).

أشارت أقوال كثيرة إلى الطبيعة الاستثنائية المميزة لشخصية الفراهيدي، فقد سكنته روح صوفية عميقة تجرّد بفضلها عن الهموم الدنيوية وما يلهث صوبه عموم الناس، فكان “من أزهد الناس وأعلاهم نَفْساً” (المرزباني)، و”من الزهّاد في الدنيا المنقطعين إلى العلم” (ابن النديم)، مكتفياً بمأوى كوخ في البصرة: “إني لأغلق عليّ بابي فما يجاوزه همِّي”، بينما يكسب أصحابه وتلامذته الأموال بعلمه، فقد عاش فقيراً ومات كذلك ساعياً فقط كي يضع نفسه بجوار طليعة البشر الخالدين وفاء لتقسيمه الشهير: “الرجال أربعة؛ رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فأرشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه“.

الخليل بن أحمد الفراهيدي “أذكى العرب وهو مفتاح العلوم ومصرفها”، حسب إجماع مواقف الأدباء بمكة، إبّان تداولهم حول قيمة علماء كل بلد، فقد كان زاهداً، أبيّاً متعففاً، ابتعد عن التزلف للحكام وعلية القوم نيلاً للعطاء، وعاش مكتفياً بثمار بستان ورثه من أبيه. هناك حكاية مشهورة تشير إلى مبعوث جاءه من طرف سليمان بن علي عم أبي العباس السفاح، قصد تعليم وتهذيب ابن الأخير، فأجاب الفراهيدي طلبه على النحو التالي: أخرج إلى الرسول خبزاً يابساً وقال: مادمتُ أجده فلا حاجة بي إلى سليمان، فقال الرسول: فما أبلِّغُه عنك؟ فقال أبياتاً مطلعها:

أبلغ سليمان أني عنه في سعةٍ … وفي غنىً غير أني لست ذا مال (4)

قال عنه سفيان الثوري: “من أحبّ أن ينظر إلى رجل خُلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي”، عالِم غير عابئ بالحياة المادية وإغراءاتها، وركّز مجمل اهتمام تطلعاته الدنيوية على دراسة اللغة العربية وعلومها، كما نبغ في معارف الفلك، الرياضيات، الإيقاع، الموسيقى، وأبان عن سعة معرفة بالشريعة الإسلامية، الأحاديث النبوية، التفسير القرآني، كما استخرج خبايا النحو والعروض وعلم المعاجم، فأصدر أعمالاً من بينها: كتاب العين، كتاب العروض، كتاب العوامل، كتاب الإيقاع، كتاب النغم، كتاب الشواهد، كتاب النقط والشكل، كتاب معاني الحروف، الجمل في النحو

أدرك من خلال طبيعة البعد الموسيقي للغة العربية أنغاماً خاصة قاربت ثلاثمائة وزن انسابت عفوياً داخل البيئة العربية، ثم استلهم تحديداً أصول علم العروض وموسيقى الأوزان الشعرية، بحكم مَلَكَة تذوُّقه الأنغام والإيقاع وامتلاكه حساً موسيقياً ذكياً، حين مروره صدفة من سوق النحاسين على آنيتهم وتوافقت سكناته مع توقف المطارق عن الآنية، فالطرْق حركة والتوقف سكون، وهكذا أدرك أن موسيقى البيت إنما جاءت من حركات وسكنات منتظمة وأجرى ذلك في بقية الأنواع حتى استوى له هذا العلم كاملاً (5).

لكنها رواية تبقى ضعيفة أمام أخرى، أوضحت بأن الفراهيدي عندما لاحظ بعض الشعراء المعاصرين له ينظمون أشعارهم وفق قوالب لم يعهدها العرب، توجّه حينها بالدعاء إلى الله في مكة كي يلهمه علماً أصيلاً لم يسبق إليه أحد، الأمر الذي تحقق فعلاً بعد انزوائه إلى عزلة عن الناس واشتغاله طيلة ساعات طويلة على مكونات حصيلة وافرة من أشعار العرب، قصد تفكيك بنياتها الموسيقية، فاستطاع رصد الأوزان الدفينة وضبط معايير الشعر بتقسيمها إلى أسباب وأوتاد، أسماء مستلهمة من أدوات الخيمة، ثم اختزل نتائج ذلك ضمن إطار خمسة عشر بحراً هي: الطويل، المديد، البسيط، الوافر، الكامل، الهزج، الرجز، الرمل، السريع، المنسرح، الخفيف، المضارع، المقتضب، المجتثّ، المتقارب، وأضاف تلميذه الأخفش بحر المتدارك (فاعلن ثماني مرات): “منذ أن وضع الخليل بن أحمد علم العروض لم يطرأ على قواعده تغيير جوهري حتى الآن، فلا زالت أجزاء البحور هي التفعيلات ولا زالت الوحدات الأولى هي الأسباب والأوتاد. كما أن عدد البحور مازال ثابتاً عند الرقم 16، شاملاً ذلك الرقم البحور الخمسة عشر التي وضعها الخليل، وبحر المتدارك الذي زاده تلميذه الأخفش. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أصالة العلم الذي وضعته عبقرية الخليل” (6).

ضمن سياق ذلك، أتت اهتمامات الفراهيدي بالأصوات، فقد هيّأ أول قاموس في اللغة العربية سماه “العين”، لأنه بدأ بحرف العين الصادر من أعماق الحلق، بالتالي انطوى على ترتيب صوتي للكلمات، من الحلق ثم الشفتين: ع، ح، ه، خ، ق، ك، ج، ش، ض، ص، س، ز، ط، د، ت، ظ، ذ، ن، ر، ل، ب، م، و، أ، ي، الهمزة. رتّب الحروف من خلال تذوّقها وعلى غير هدى الترتيب الأبجدي القديم، لكن بناء على أصل مخارجها وصفاتها وكذا علاقاتها، تبتدئ هذه المقاطع بالحلق وتنتهي عند الشفتين بعدها حروف العلة والهمزة، وقد أدرك بأن هذه الحروف تختلف طبائعها حسب رنّاتها وأصواتها. طبيعة دراسته عبر تذوُّق واستخراج خصائص وصفات الحروف، أفضى إلى مجال فقه اللغة وتمثُّل الكلمة باعتبارها جملة أصوات.

إذا كان أبو الأسود الدؤلي قد وضع النقاط على الحرف بهدف ضبط مخارج الألفاظ، وقدّم أشكالاً مختلفة لعلامات تشكيل العربية، واضعاً حرف شين صغيرة على الشدة، كما رمز للفتحة بألف صغيرة مائلة توضع فوق الحرف، وللضمة بواو صغيرة ثم الكسرة بياء صغيرة، بغية دفع خطر اللحن عن القرآن بإعرابه، فقد ابتكر الفراهيدي العلامات الإعرابية أي الفتحة والكسرة والضمة. أيضاً صاغ منظومة نحوية قاربت مائتي وثلاثة وتسعين بيتاً شعرياً جاءت على وزن عروضي هو بحر الكامل “متفاعلن متفاعلن متفاعلن”: “ضمت الكثير من أبواب النحو العربي وتركت القليل منها، جاءت مقدمتها التي وصلت إلى 26 بيتاً تمهيدياً للقارئ وتوطئة نفسية له بدلاً من الدخول إلى النحو مباشرة… وبين المقدمة والنهاية عالج أموراً نحوية كثيرة بأسلوب يتسم بالسهولة والابتعاد عن التعقيد، جاء متسقاً مع سهولة عرض القضايا النحوية فكأنه رجل عصري يعيش معنا الآن بأسلوبه الذي يصل إلى متلقيه سريعاً وابتعاده عن الجدل النحوي” (7).

شكلت هذه الوثيقة لبنة كي تتبلور سمات مدرسة لغوية نحوية جديدة تقوم منهجياً على تقعيد القواعد واستخراج الأصول وكذا القياس والتجربة، بحيث اعتبر الفراهيدي القياس أصلاً من أصول النحو بعد استلهامه من أستاذه عيسى بن عمر الثقفي وكذا أبو عمرو بن العلاء، فأضحى النحو علماً منظماً تحكمه أصول وقواعد. هكذا نزعت مدرسة البصرة بفضل علمائها اللغويين عبد الله بن أبي إسحاق، عيسى بن عمر الثقفي، أبو عمرو بن العلاء، يونس بن حبيب، سيبويه، جراء تأثير أستاذهم الفراهيدي نحو المنطق والتعليل والقياس والعقل وتبني منهج أصحاب الكلام من مرجعية المعتزلة: “لقد امتازت هذه المدرسة بـ: 1- بأنها مدرسة لغوية نحوية عنيت بالدراسة اللغوية النحوية عناية خاصة وأخذت تهتم باللغة لذاتها لا لأنها أداة للعمل القرآني. 2- وبأنها اتخذت من القياس والتعليل أصلاً من أصول عملها اللغوي. 3- وبأنها عنيت بالعقل وأحكامه عناية خاصة، ولهذا نراها تهتم بالقواعد والأصول العامة وتغفل الشواذ التي لا تنطبق عليها تلك القواعد والأصول” (8). بينما ركزت مدرسة الكوفة على المشافهة بزعامة الكسائي، حمزة بن حبيب، الهمذاني، يحيى بن زياد، الفراء.

_____________

الهوامش:

(1) أحمد عفيفي: المنظومة النحوية المنسوبة إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي: دراسة وتحقيق. دار الكتب المصرية، 1995، ص 17.

(2) الشيخ الطنطاوي: نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة. دار المعارف، الطبعة الثانية، ص 78.

(3) نفسه، ص 77.

(4) نفسه، ص 78.

(5) عادل الدرة: الخليل والعروض. دار غيداء للنشر والتوزيع، 2015، ص 14.

(6) عبد الله درويش: دراسات في العروض والقافية. مكتبة الطالب الجامعي، الطبعة الثالثة، 1987، ص 7.

(7) مقدمة المنظومة النحوية المنسوبة إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي: دراسة وتحقيق أحمد عفيفي. الطبعة الأولى، مطبعة دار الكتب، 1995، ص 32-33.

(8) مهدي المخزومي: الخليل بن أحمد الفراهيدي: أعماله ومنهجه. مطبعة الزهراء، 1960، ص 37.

شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!