الدكتور محمد حسّاوي: ثانوية الإمام مالك وضعتْني على السكة

الدكتور محمد حسّاوي: ثانوية الإمام مالك وضعتْني على السكة

 المصطفى اجْماهْري

        في صيف عام 2023، جمعتْني زيارة ممتعة بالناقد السينمائي الصديق حمادي كيروم، ومؤرخ منطقة امزاب، أحمد لعيوني، حيث توجهنا جميعنا لزيارة أستاذنا الجليل الدكتور محمد بلاجي بحي النسيم بالدار البيضاء. كان القاسم المشترك بيننا نحن الثلاثة، إضافة إلى الأستاذ، هو الانتماء لجيل الرواد من قدماء ثانوية الإمام مالك المؤسسة الراسخة في ذاكرة الحي الراقي بلفدير.

            لقد كانت هذه الثانوية تُعرف زمن الحماية بـمدرسة المحطة، لقربها من محطة القطار، وهو الاسم الذي لا يزال يتردد في أرشيفات الذاكرة المحلية لمدينة الدار البيضاء. ومن رحم هذه المدرسة، خرجتْ أجيال من الأطر والمثقفين الذين بصموا تاريخ المغرب الحديث، لتتحول من مجرد فضاء تعليمي بجوار السكة الحديدية، إلى سكة حقيقية وضعتْ مسارات حياة الكثيرين على طريق النجاح والتألق.

            وبين شجون الذكريات وعبق الماضي، امتدّ بنا اللقاء ذلك اليوم في مطعم محطة الطريق السيار بين الدار البيضاء والجديدة من العاشرة صباحاً حتى الخامسة عصراً، دون أن نشعر بتسلل الوقت. هناك، حدّثنا كيروم طويلا عن أسماء لامعة من فوج 1968-1970، وخصّ بالذكر الدكتور محمد حساوي، الذي لم يسبق لي ولا للصديق أحمد لعيوني التعرف عليه من قبل.

            ما إن انتهى اللقاء حتى سارع أحمد لعيوني للاتصال بالدكتور حساوي. وفي الغد، هاتفني لعيوني بنبرة يطبعها الانبهار والتأثّر، ليخبرني بتفاصيل تواصله معه بشأن مشاركته في كتاب “شهادات قدماء ثانوية الإمام مالك” (الذي صدر لاحقاً عام 2024). قال لي لعيوني بالحرف “لقد قال لي حساوي إن تأثير ثانوية الإمام مالك عليه كان صاعقا”.

            استوقفتْنا كلمة “صاعقاً” طويلاً؛ فهي تعبير عن تعلق وجداني عميق بمكان شكّل الحجر الأساس في كيان الباحث الأكاديمي. وعند صدور الكتاب، تكلّف الدكتور عبد المجيد نوسي بإيصال النسخة الأولى للدكتور حساوي بكلية الآداب بالرباط، لتكتمل حلقة الوصل بين أساتذة ومثقفي الإقليم. فلم تكن الوساطة التي قام بها الأستاذ عبد المجيد نوسي لإيصال كتاب الشهادات للدكتور حساوي مجرد خدمة عابرة، بل كانت تعبيراً عن روابط مهنية ونقابية متينة. فالأستاذ نوسي، خبير السيمائيات بمدرجات كلية الآداب بالجديدة، كان رفيق درب الدكتور حساوي في إطار النقابة الوطنية للتعليم العالي.

            لكن اللحظة الحاسمة كانت السنة الماضية، في لقاء مباشر بداخل أسوار ثانوية الإمام مالك، ضمن فعاليات جمعية قدماء التلاميذ. هناك، وجهتُ للدكتور حساوي سؤالاً وجوديا كان يراودني شخصيا وهو : “ما سرّ هذا التعلق المنقطع النظير بهذه المؤسسة التعليمية؟”.

            لم يتردد، ولم يُطل به التفكير، بل أجاب وكأن الجواب يسكن روحه : “السر بسيط، هو أن هذه المؤسسة، بقسمها الداخلي، هي التي وضعتْ مساري على السكة.. لقد كنتُ أعيش نوعاً من التيه، وثانوية الإمام مالك هي التي رسمتْ لي الطريق.. فمشيتُ“.

            والحقيقة أن سؤال هذا التعلق بمعناه الإيجابي كان يراودنا جميعاً، خاصة نحن الذين خبرنا حياة القسم الداخلي في سبعينيات القرن الماضي. لقد أدركنا مع مرور الزمن أن الجانب النفسي في هذه العلاقة كان أقوى بكثير مما كنا نعتبره جانباً واعياً أو مجرد تقدير لمؤسسة تعليمية. فبالنسبة للتلميذ الداخلي، تتحوّل الثانوية من فضاء للتحصيل إلى ملاذ وجودي؛ تنصهر فيه الفوارق الاجتماعية والطبقية، ويتشكل أنا جماعي يتقاسم الخبز والملح والأحلام والمخاوف. هذا التعلق اللاواعي هو الذي يُفسر لماذا ظلّ اسم “ثانوية الإمام مالك” محفوراً في وجدان الدكتور حساوي وغيره من الرواد كوشمٍ لا يُمحى.

            ومن التعلّمات المرتبطة بروح المكان، كان اكتشاف الموسيقى العربية الشرقية بمنزلة فتحٍ جديد للدكتور حساوي. لا يزال يذكُر، بكثير من التأثر، تلك اللحظة التي ذُهل فيها وهو يسمع لأول مرة أغنية فريد الأطرش الشهيرة “أضنيتني بالهجر”، يشدو بها أحد رفاقه في القسم الداخلي. كانتْ تلك النغمات غريبة وساحرة في آن واحد على فتى قادم من بادية دكالة، حتى إنها حُفرت في ذاكرته وظل يُرددها بإعجاب إلى يومنا هذا. ومن المفارقات الجميلة أن هذه الأغنية كانتْ قد بلغتْ ذروة شهرتها آنذاك، بعدما ضُمِّنتْ في فيلم “الخروج من الجنة” عام 1967، وهو ما يُفسر رواجها الواسع بين تلاميذ المؤسسة حين التحق بها حساوي في السنة الموالية مباشرة (1968)، لتظل هذه المقطوعة شاهداً على التفتح الجمالي والوجداني الذي عاشه كثير من تلاميذ تلك الحقبة.

            إنّ قصة الدكتور حساوي مع ثانوية الإمام مالك ليستْ مجرد ذكريات عابرة، بل هي تجسيد حي لما يسمى عبقرية المكان“. فالمكان هنا لم يكن مجرد جدران وأقسام، بل كان كائناً حياً صاغ المصائر ومنح التائهين بوصلة الوجود.

            هذه “العبقرية” هي التي جعلتْ جيل السبعينيات يلتقي يوم السبت رابع أبريل 2026 في فضاء ثانوية الإمام مالك، بالجيل الجديد في قاعة واحدة، مُلغياً المسافات الضوئية بينهما؛ لأن الروح التي تسكن هذه المؤسسة ظلت وفية لرسالتها. فالوفاء لهذه القلعة التربوية هو في جوهره وفاءٌ للحظة يقرر فيها “المكان” أن يتبنى “الإنسان“، ويمنحه الطريق والضوء واليقين.

شارك هذا الموضوع

المصطفى اجماهري

كاتب وناشر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!