الديدوفشينا في الجيش الروسي: من الإرث القيصري إلى إصلاحات بوتين

الديدوفشينا في الجيش الروسي: من الإرث القيصري إلى إصلاحات بوتين

د. زياد منصور

           لا يمكن فهم ظاهرة “الديدوفشينا” (Dedovshchina) في الجيش الروسي المعاصر، ولا سياسات فلاديمير بوتين تجاهها، بمعزل عن التاريخ الطويل للانضباط القسري والتراتبية الصارمة في المؤسسة العسكرية الروسية منذ العهد القيصري. فالتنمّر العسكري في روسيا ليس انحرافاً حديثاً، بل نتاج استمرارية تاريخية في إدارة الجيوش ضمن دولة مركزية سلطوية اعتمدت على التجنيد الإجباري وتحقيق الاحتراف.

و”الديدوفشينا” تعني حرفياً “تحكم الأجداد/الكبار”، وهي تشبه نظام تنمر هرمي غير رسمي داخل الوحدات العسكرية، يقوم على إخضاع المجندين الجدد (“الصغار الجدد” – Molodye) لسلطة المجندين الأقدم خدمة (“الأجداد” – Dedy). وينبغي التأكيد أنَّ الديدوفشينا ليست مجرد إساءة فردية، بل نظام ثقافي-مؤسسي شبه عرفي وغير رسمي، يشمل ممارسة سلوكيات خارجة عن الانضباط العسكري، مثل الإذلال النفسي، والعنف الجسدي، والاستغلال الاقتصادي (سرقة الرواتب، فرض “خدمات”)، وغير ذلك.

فـ”القدامى في الخدمة” الذين أمضوا عدة أشهر في جماعة ذكورية مغلقة وتأقلموا بالفعل مع قسوة الحياة العسكرية اليومية، ويرون – ولهم ما يبرر ذلك وفق اعتقادهم – أنهم أكثر خبرة، يقومون بشرح القواعد المعمول بها للمجندين الجدد. فـ«الأجداد» يعلّمون «الشباب» المشية العسكرية، والالتزام بالتسلسل الهرمي، وأسلوب التعامل مع الزملاء، وغيرها من خصوصيات الحياة العسكرية. وبهذا المعنى، تُعدّ الديدوفشينا ظاهرة اجتماعية من نوع ما تقوم أساساً على نقل الخبرة. غير أنّه لا ينبغي الخلط بين هذا المفهوم وبين العلاقات التي يُطلق عليها في الجيش اسم «العلاقات غير النظامية»، فالحالات المرتبطة بالإذلال المعنوي أو الابتزاز أو العنف الجسدي تُعدّ انتهاكاً جسيماً للمتطلبات المنصوص عليها في النظام العسكري، وتُفسَّر في القانون الجنائي على أنها جرائم ضد الشخص تُعاقَب وفقاً للتشريعات النافذة.

في الوقت الراهن، تختلف الديدوفشينا في الجيش الروسي اختلافاً كبيراً عمّا كانت يُقصد بها سابقاً، ولم يعد من المفترض أن تثير الخوف لدى المجنّدين. فمنذ عام 2008، أصبحت مدة الخدمة العسكرية لا تتجاوز عاماً واحداً، ولذلك يصعب اعتبار من التحقوا بالخدمة قبل الجدد بستة أشهر فقط «أجداداً» بالمعنى السابق. كما أن غالبية الشباب اليوم على دراية بالتشريعات والقوانين، إضافةً إلى امتلاكهم وسائل الاتصال المحمولة التي تتيح لهم إبلاغ ذويهم عمّا يجري.

الجذور التاريخية للديدوفشينا

أولاً: الجيش القيصري ونموذج الانضباط القهري (القرن 18 – 1917): بُني الجيش الروسي القيصري منذ إصلاحات “بطرس الأكبر” على التجنيد الإجباري طويل الأمد (حتى 25 سنة). في هذه الفترة ظهرت الديدوفشينا حين كانت الخدمة تُقاس بالعقود؛ فكان من الضروري تعزيز “الانضباط الجسدي الصارم” والاعتماد على الرتب الدنيا لضبط الجنود. وظهرت ممارسات غير رسمية حيث يفرض الأقدمون سلطتهم بعلم الضباط أو تغاضيهم، كوسيلة “طبيعية” لضبط الجنود القادمين من بيئات قاسية (الفلاحين). ويلاحظ المؤرخون أن “العنف الأفقي بين الجنود” كان مكمّلاً للعنف العمودي من الضباط.

ثانياً: من الثورة البلشفية إلى الستالينية (1917-1953): رغم الخطاب الثوري حول “جيش الشعب”، ورث الجيش الأحمر البنية الاجتماعية نفسها بسبب التجنيد الجماهيري. لكن في عهد ستالين، حدّ مستوى الانضباط السياسي الشديد ودور “الكوميسارات” (المفوضين الحزبيين) من ظهور ثقافات تنمر مستقلة. فالمفارقة تكمن في أن الديدوفشينا لم تزدهر في ذروة الستالينية لأن العنف كان مركزياً لا أفقياً، كما أن “الحرب الوطنية العظمى” وحّدت العسكريين جميعاً فلم تترك لهم طاقة للانخراط في هذه الخلافات.

ثالثاً: نشوء الديدوفشينا الكلاسيكية (1953–1991): تغيّرت الأوضاع جذرياً في الجيش السوفيتي؛ إذ شهدت العلاقات غير النظامية تصاعداً ملحوظاً في أواخر الستينيات. ففي عام 1967، جرى تقليص مدة الخدمة عاماً واحداً، فكان القدامى يفرغون غضبهم في الجدد الذين سيخدمون مدة أقل. وفي الوقت نفسه، بدأ تجنيد مدانين سابقين أسهموا في إدخال “أعراف السجون” إلى الحياة العسكرية. وفي هذا الفراغ السلطوي ما بعد ستالين، تشكّلت الديدوفشينا كنظام شبه مؤسسي.

رابعاً: الانهيار السوفيتي والانفجار (1991-1999): شهدت التسعينيات تفكك الانضباط وانتشار الفوضى وازدهار الديدوفشينا نتيجة انخفاض الأجور وتراجع هيبة الضباط ودخول عناصر إجرامية للوحدات. تحولت الظاهرة هنا إلى عنف مفرط، وارتفعت نسب الانتحار والقتلى خارج الأعمال القتالية. وكان للسيندروم الأفغاني تأثير سلبي عميق، حيث استهوت الأفكار الغربية الشباب بخلاف أعراف الآباء. ومع انهيار مؤسسات الدولة، تحولت الديدوفشينا في بعض الوحدات إلى أنماط شبه عصابية.

التأثيرات والنتائج العسكرية الاستراتيجية

تخلّف الديدوفشينا آثاراً نفسية عميقة؛ من اكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة وصولاً إلى “تطبيع العنف”. أما معنوياً، فتؤدي إلى انهيار الثقة وتفكك روح الزمالة، مما يُضعف الكفاءة القتالية وانشغال المجندين بالبقاء الشخصي بدل التدريب. وقد ظهرت هذه النتائج بوضوح في أفغانستان وحروب الشيشان، حيث أسهم ضعف التماسك الداخلي في ممارسة قسوة مفرطة ضد المدنيين. هذه هي المرحلة التي ورثها بوتين عند وصوله للسلطة.

خامساً: بوتين وإعادة تعريف الديدوفشينا (2000-2021)

شرع بوتين في تنفيذ حزمة إجراءات للحد من الظاهرة؛ كان أهمها تقليص الخدمة الإلزامية إلى سنة واحدة (2008)، مما كسر الفارق الزمني اللازم لتكريس هرم “الأجداد”. كما جرى توسيع الاعتماد على الجنود المتعاقدين (Kontraktniki) وتشديد العقوبات الجنائية عبر إدخال مواد خاصة (المادة 335). تعامل بوتين مع الظاهرة بوصفها إرثاً مهدداً للدولة، فنزع شرعيتها بالكامل، وسعى لتحويل الجيش إلى “جيش قابل للحرب ولديه قدرة عالية على القتال”.

وفي سياق الحرب الروسية–الأوكرانية (2022–حتى اليوم)، أصبحت الظاهرة شبه غائبة في الوحدات المحترفة لأن أي تنمّر داخلي يهدد الفعالية القتالية مباشرة. قانونياً، تُصنَّف هذه الممارسات كجرائم جنائية، ويُكافأ القادة الذين ينجحون في منعها.

سابعاً: المقارنة مع الجيوش العربية

كما في روسيا، نشأت الجيوش العربية الحديثة من بنى سلطوية واعتمدت التجنيد الإجباري، وورثت ثقافة الانضباط القهري. لكن بخلاف النموذج البوتيني، غالباً ما بقي التنمر ضمنياً ونادراً ما جُرّم صراحة، بل استُخدم أحياناً كأداة “تأديب اجتماعي”.

خاتمة: تؤكد الدراسات أن الديدوفشينا ليست طارئة، بل سلسلة تاريخية ممتدة. وتمثَّل دور فلاديمير بوتين في كسر الاستمرارية الثقافية لهذه الظاهرة وإخضاع التنمر العسكري لمنطق الحرب والقانون، لا لمنطق “التقاليد”.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!