الذاكرة السياسية واستمرارية التحالفات: امتدادات الكتلة الديمقراطية والتحولات الحكومية بالمغرب
المختار العنقا الإدريسي
حين يستدعي الحاضر ذاكرة الماضي
كلما تجدد النقاش حول التحالفات الحزبية وتشكيل الحكومات بالمغرب، إلا وعادت إلى التداول أسماء وتجارب من التاريخ السياسي الوطني، وكأن استحضارها يكفي لتفسير ما يجري في الحاضر. وقد تجدد هذا النقاش في أعقاب إعلان رئيسة الحكومة المكلفة، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026 عن التوافق لتشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة من أربعة أحزاب سياسية، وذلك عقب جولتين من المشاورات السياسية بموجب الفصل 47 من الدستور، بعد أن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 شتنبر 2026. وأكدت السيدة الرئيسة أن الاختيار وقع على أغلبية سياسية منسجمة تتشكل من مكونات تتقارب في توجهاتها الفكرية والسياسية، وتتبنى رؤية إصلاحية مشتركة (1).
وقد أكد البلاغ الرسمي أن الأحزاب الأربعة اتفقت على العمل ضمن أغلبية سياسية موحدة حول رؤية إصلاحية مشتركة، على أن تُقترح أسماء المرشحين للاستوزار ويُعد البرنامج الحكومي في مرحلة لاحقة. وفي خضم هذا النقاش، عادت إلى التداول مقارنات بين التحالف الحكومي الجديد والكتلة الديمقراطية التي تأسست سنة 1992، وبرزت توصيفات تتحدث عن استناد حزب الأصالة والمعاصرة إلى زعماء الكتلة أو إلى إرثها السياسي.
وأعتقد أنه من حق الصحافة والباحثين والمهتمين بالشأن العام أن يستحضروا التجارب السابقة لفهم كل التحالفات الجديدة، غير أن هذا الاستحضار يقتضي التمييز بين الوقائع التاريخية الثابتة، والتريث في التأويلات السياسية التي تُبنى عليها، والاستنتاجات التي تحتاج إلى أدلة مستقلة. وهو الأمر الذي سأتوقف عنده – ولو بعجالة – في هذه الورقة، مع الإشارة إلى أنني في هذا التوقف، لا أدافع عن حزب بعينه أو أعترض على أي تحالف، وإنما أبتغي الإسهام في تصحيح الذاكرة السياسية، وتوضيح بعض المفاهيم التي قد يؤدي الخلط بينها إلى قراءة غير دقيقة لتاريخ الأحزاب المغربية وتحولاتها.
فالمسألة ليست مجرد اختلاف في التسمية، بل تتعلق بطبيعة العلاقة بين الماضي والحاضر وبين استمرار الحزب واستمرار التحالف، وبين امتداد التجربة التاريخية وإعادة توظيفها في النقاش السياسي الراهن. وعليه فإن المطلوب ليس إقصاء الماضي من قراءة الحاضر بل العمل على استحضاره في سياقه، وتحديد ما يمكن أن يفسره وما لا يجوز تحميله إياه. فالتاريخ السياسي ليس رصيدًا من الأسماء أو الشعارات، يُستدعى عند الحاجة، وإنما هو تجربة تتكون من وثائق ومواقف وسياقات وتحولات، لا تستقيم قراءتها إلا بإبقاء هذه العناصر مجتمعة في مجال التحليل.
المحطة الأولى: من الكتلة الوطنية إلى الكتلة الديمقراطية، ضرورة التمييز بين التجارب
لا يمكن فهم تجربة الكتلة الديمقراطية دون وضعها في سياق تاريخي أوسع، عرف فيه المغرب أشكالًا متعددة من التنسيق السياسي والعمل الوطني المشترك. غير أن وحدة بعض الأسماء أو تقارب بعض المطالب لا يكفيان لاعتبار كل تلك الأطر تجربة واحدة متصلة دون انقطاع. فقد عرفت الحياة السياسية المغربية مبادرات للتنسيق بين أحزاب الحركة الوطنية والقوى المعارضة، وتطورت أشكال هذا التنسيق بحسب السياقات السياسية والدستورية التي عرفها البلد.
فإذا كانت كتلة السبعينيات قد تشكلت في سياق سياسي ودستوري اتسم بالتوتر والصراع حول طبيعة الإصلاح السياسي، فبعد أكثر من نصف قرن على ولادة الكتلة الوطنية، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على تأسيس الكتلة الديمقراطية التي تأسست سنة 1992، والقائمة على تنسيق قِوى معارضة حول مشروع إصلاحي ودستوري واضح (2)، فإن الحديث اليوم يعود عن مفهوم آخر للكتلة، هو أقرب إلى التداول السياسي المغربي، من موقع مختلف تمامًا عن الموقع الذي نشأ فيه، يشير إلى تحالف يجمع بين حزب الأصالة والمعاصرة بأحزاب هي: الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
لكن الإشارة إلى هذا التمييز لا تعني أن المصطلحين قد استُخدما دائمًا في الخطاب العام بدقة تاريخية واحدة، ولا أن كل ما كتب عن الكتلة الوطنية حُسم بصورة نهائية. لذلك ينبغي التعامل مع كل تجربة انطلاقًا من وثائقها وسياقها ومكوناتها، مع الحرص على تجنب استعمال الاسمين باعتبارهما مترادفين دون بيان المقصود. وتبقى الكتلة الديمقراطية التي تعنينا مباشرة في هذه الورقة، هي التي تأسست بميثاق مؤرخ في 17 ماي 1992، في سياق سياسي اتسم بالمطالبة بالإصلاح الدستوري، وتعزيز الديمقراطية، وتطوير المؤسسات، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ويشكل نص الميثاق مرجعًا مباشرًا لتحديد هوية هذا الإطار ومكوناته وأهدافه، إذ يعلن الموقعون فيه عن تأسيس “الكتلة الديمقراطية” باعتبارها إطارًا عامًا مفتوحًا لتنسيق المواقف وتوحيد الجهود في النضال المشترك (3). ومن ثم، فإن أول شروط التصحيح التاريخي هو تحديد التجربة المقصودة وتاريخ نشأتها، والوثيقة التي أعلنت تأسيسها، ثم تمييزها عن التجارب السابقة التي قد تتشابه معها في بعض الأهداف أو الأسماء، خاصة وأن التاريخ السياسي لا يُقرأ بمجرد تشابه المصطلحات، وإنما بتحديد السياقات والفاعلين والوثائق والاختيارات التي صنعت كل تجربة.
المحطة الثانية: خمسة أحزاب وقّعت ميثاق الكتلة الديمقراطية سنة 1992
يقدم ميثاق تأسيس الكتلة الديمقراطية معطًى تاريخيًا واضحًا لا ينبغي تجاوزه أو إعادة ترتيبه وفق الخريطة الحزبية الراهنة. فقد وقّع ميثاق 17 ماي 1992، خمسة أحزاب هي:
- حزب الاستقلال.
- الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
- الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
- حزب التقدم والاشتراكية.
- منظمة العمل الديمقراطي الشعبي (4).
وهذه المكونات الخمسة مثبتة صراحة في نص الميثاق المنشور على الموقع الرسمي لحزب الاتحاد الاشتراكي (5). ولم تكن الكتلة في لحظة تأسيسها، مجرد لقاء بين قيادات حزبية، فقد نص ميثاقها على إحداث هيئة عليا دائمة تتشكل من الأمناء العامين للأحزاب المنضوية، تجتمع بصورة دورية ومنتظمة لتحديد المواقف واتخاذ المبادرات الموحدة. وهذا المعطى مهم، لأنه يوضح أن الأمر يتعلق إطار للتنسيق السياسي المنظم، له ميثاق وأهداف وآلية معلنة للعمل المشترك.
وتضمن الميثاق مطالب تتصل بالإصلاح الدستوري، وتوازن السلط، واستقلال القضاء، وصيانة حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة، وضمان نزاهة الانتخابات، والعدالة الاجتماعية، وتلبية الحاجات الأساسية للمواطنين في مجالات الشغل والتعليم والتكوين والصحة والسكن، فضلًا عن قضايا الوحدة الترابية والتعاون المغاربي. وهذه ليست أوصافًا أضيفت إلى التجربة لاحقًا، بل مضامين يمكن الرجوع إليها مباشرة في نص الوثيقة المؤسسة المشار إليها أعلاه.
إن أهمية هذا التحديد لا تكمن في تعداد الأسماء فحسب، وإنما في منع الانتقاء اللاحق لمكونات التجربة التاريخية، سواء بقصد أو نتيجة الخلط بين الأجيال السياسية. فلا يجوز أن نحذف حزبًا من قائمة المؤسسين لأنه لم يعد حاضرًا في التحالفات الحالية، كما لا يجوز أن نعيد تشكيل القائمة التاريخية وفقًا للأحزاب التي ما زالت قائمة أو التي تشارك في الحكومة اليوم. كما أن ما تثبته الوثيقة المؤسسة يجب أن يظل ثابتًا في السجل التاريخي، مهما تغيرت مواقع الأحزاب وقياداتها وتحالفاتها.
المحطة الثالثة: بين استمرار الحزب واستمرار المرجعية واستمرار التحالف
إن الاعتراف بالدور التاريخي للأحزاب التي أسست الكتلة الديمقراطية لا يعني افتراض أنها ظلت منذ 1992 إلى اليوم، تحمل المرجعيات والاختيارات والمواقف نفسها. فالأحزاب شأنها شأن المؤسسات السياسية، تتأثر بالتحولات المجتمعية، وبالتغيرات القيادية، وبالصراعات الداخلية، وبالقرارات المتعلقة بالمشاركة في الحكومات أو الانتقال إلى المعارضة، كما تتأثر بتطور النظام السياسي والانتخابي.
وقد عرفت الأحزاب المغربية، ومنها مكونات الكتلة الديمقراطية، تحولات تنظيمية وسياسية وفكرية متعددة، واختلفت مواقعها في عدد من المحطات الوطنية، كما تغيرت علاقاتها بعضها ببعض. ويعرض التاريخ المنشور على الموقع الرسمي لحزب الاستقلال – على سبيل المثال – مواقف متباينة لمكونات الكتلة إزاء بعض المحطات الدستورية، وهو ما يؤكد أن التنسيق المشترك لم يُلغِ اختلاف التقديرات السياسية بين الأحزاب (6).
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل تحول يمثل قطيعة كاملة مع الماضي، كما لا يعني أن استمرار الاسم الحزبي يضمن استمرار التوجهات والاختيارات ذاتها. وعموما فإن العلاقة بين الحزب وتاريخه علاقة مركبة: فقد يحتفظ الحزب بجزء من مرجعيته التاريخية، بينما تتغير ممارساته أو أولوياته، وقد يستمر بعض مناضليه في حمل أفكار التجربة السابقة داخل تنظيمات أخرى، وقد تتوزع مكونات تجربة واحدة على مسارات سياسية مختلفة.
ولذلك لا بد من التمييز بين أربعة مستويات:
- استمرار التنظيم: أي بقاء الحزب نفسه في بنيته واسمه ومؤسساته.
- استمرار المرجعية: أي احتفاظ الحزب بأفكار أو مبادئ أساسية من تاريخه.
- استمرار القيادات أو الأشخاص: أي انتقال بعض الفاعلين من مرحلة إلى أخرى أو من تنظيم إلى آخر.
- استمرار التحالف: أي بقاء الإطار المشترك بين أحزاب متعددة، بميثاقه وهيئاته وآليات عمله.
وهي مستويات متمايزة، ولا يصح اتخاذ أحدها دليلًا تلقائيًا على الآخر. فقد يستمر الحزب بينما يتغير التحالف الذي ينتمي إليه، وقد تبقى بعض الأفكار بعد انتهاء الإطار الذي بلورها، وقد ينتقل أشخاص من تجربة سياسية إلى أخرى دون أن يعني ذلك أن التنظيم التاريخي نفسه ما زال قائمًا. ومن هنا، فإن القول بوجود امتداد سياسي بين تجربة سابقة وتحالف جديد يظل ممكنًا من حيث المبدأ، لكنه يحتاج إلى تحديد طبيعة هذا الامتداد وأدلته وحدوده، بدل الاكتفاء بالتشابه في أسماء بعض الأحزاب أو قياداتها.
المحطة الرابعة: منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، إنصاف التأسيس وتوثيق التحول
إن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وهي الأصل الذي تفرع منه “تحالف اليسار الحالي”، فهي بمثابة الجدة السياسية التي تستحق اهتمامًا خاصًا في هذا النقاش لأنها كانت أحد الموقعين الأصليين على ميثاق الكتلة الديمقراطية، ولأن مسارها التنظيمي اللاحق يقدم مثالًا واضحًا على التحولات التي عرفتها الخريطة الحزبية المغربية.
ويؤكد العرض التاريخي المنشور على الموقع الرسمي للحزب الاشتراكي الموحد أن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي برزت في الحياة السياسية والمؤسساتية، وشاركت في تجربة الكتلة الديمقراطية، ثم دخلت في مسار تجميع لمكونات يسارية أخرى. كما يشير العرض نفسه إلى سنة 2002 باعتبارها محطة تأسيس اليسار الاشتراكي الموحد، وإلى سنة 2005 باعتبارها محطة اكتمال تأسيس الحزب الاشتراكي الموحد بانضمام مكونات إضافية (7).
ويقتضي هذا المسار قدرًا من الدقة في التعبير: فمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي كانت تنظيمًا مؤسسًا للكتلة الديمقراطية بصيغتها التاريخية، ثم دخلت في مسار اندماج وتوحيد يساري أفضى إلى قيام تنظيمات لاحقة. واعتبارا لكل ذلك فلا يصح اليوم، التعاملاتها باعتبارها تنظيمًا قائمًا بصيغته التاريخية الأصلية، كما لا يصح حذفها من قائمة مؤسسي الكتلة بحجة ما طرأ على مسارها التنظيمي.
وفي نفس الوقت ينبغي عدم افتراض أن جميع المنحدرين من تجربة تنظيمية واحدة سيواصلون المسار السياسي نفسه، فالتحولات التنظيمية قد ترافقها انقسامات أو اختلافات في المواقف، وقد يختار بعض الأفراد أو التيارات مسارات أخرى. ولهذا يستحسن التمييز بين تاريخ المنظمة بوصفها تنظيمًا، وبين المسارات اللاحقة للأشخاص والتيارات التي انتمت إليها. وعليه فإن إنصاف هذه التجربة يقتضي أمرين متكاملين: أولهما الاعتراف بدورها في تأسيس الكتلة الديمقراطية، وثانيهما توثيق التحولات التي عرفتها دون اختزال تاريخها في مآلها التنظيمي اللاحق.
وإذا كانت الذاكرة السياسية تُنصف الأحزاب التي استمر وجودها التنظيمي، فإن الإنصاف نفسه يقتضي عدم إسقاط المكونات التي تغيرت أسماؤها أو اندمجت في تنظيمات أخرى من سجل التجربة التي شاركت في تأسيسها.
المحطة الخامسة: هل الكتلة الديمقراطية إطار قائم أم تجربة تاريخية؟
وفي نظري يبقى هذا السؤال هو قلب الإشكال المطروح. فالكتلة الديمقراطية تأسست بميثاق معلن… أهداف مشتركة… آليات للتنسيق بين الأحزاب المكونة لها. لكن وجود ميثاق تاريخي لا يكفي وحده لإثبات استمرار الإطار نفسه في الحاضر.
إن الحديث عن استمرار الكتلة بوصفها تحالفًا سياسيًا قائمًا يقتضي أدلة واضحة، من قبيل وجود هيئات مشتركة فاعلة، أو وثائق تعلن استمرار الالتزام بالميثاق، أو قرارات ومواقف مشتركة صادرة عن الإطار نفسه. أما مجرد اجتماع بعض الأحزاب التي شاركت في تأسيسها ضمن أغلبية حكومية جديدة، فلا يكفي وحده لإثبات أن الكتلة قد استمرت أو هي مستمرة – كما جاء في بعض الخرجات الاعلامية التي أعقبت الاعلان عن تشكيل التحالف الحكومي – أو أنها عادت إلى العمل بصيغتها التاريخية.
وتقدم الكتابات الصحافية التي تناولت مآل الكتلة وأسئلة مستقبلها شواهد على استمرار النقاش بشأن ما تبقى من روحها ودورها بعد سنوات من تأسيسها، غير أن هذه المقالات، على أهميتها في توثيق النقاش السياسي، لا تعوض الحاجة إلى وثائق تنظيمية مباشرة إذا كان المطلوب إثبات استمرار الإطار من الناحية التنظيمية (8).
ومن الضروري هنا التمييز بين ثلاثة مستويات:
- الإرث التاريخي: ما تركته الكتلة من وثائق ومواقف وتجربة سياسية.
- الامتداد السياسي: ما قد يستمر من أفكار أو تقاليد أو علاقات بين بعض مكوناتها السابقة.
- الاستمرارية التنظيمية: استمرار الإطار نفسه بمؤسساته والتزاماته وآليات عمله.
فقد يستمر الإرث التاريخي بعد انتهاء الإطار التنظيمي، وقد تنتقل بعض أفكاره إلى أحزاب أخرى، لكن ذلك لا يعني أن الإطار الأصلي ما زال قائمًا. ولهذا فإن الصياغة الأكثر احترازًا هي أن الكتلة الديمقراطية تمثل تجربة تاريخية ذات أثر سياسي موثق، وأن إثبات استمرارها إطارًا تنظيميًا قائمًا في الحاضر يتطلب وثائق ومعطيات تثبت ذلك. ولا يعني غياب الدليل الذي اطلعنا عليه هنا، الجزم بأنها لم تعد قائمة بأي صورة، بل يعني أن وصف الاستمرارية التنظيمية لا ينبغي أن يُقدَّم بوصفه حقيقة ثابتة دون سند مباشر.
وهذه الصياغة لا تنفي أثر الماضي في الحاضر، ولا تمنع الأحزاب من استلهام التجربة أو الاستشهاد بمطالبها، وإنما تضع حدًا للخلط بين الاستلهام التاريخي والاستمرار التنظيمي.
المحطة السادسة: حزب الأصالة والمعاصرة والحديث عن زعماء الكتلة
على ضوء ما سبق، فكيف ينبغي التعامل مع القول إن حزب الأصالة والمعاصرة يستند إلى زعماء الكتلة الديمقراطية؟ ينبغي أولًا تحديد المقصود بالاستناد: هل يتعلق الأمر بمعلاقات سياسية بين قيادات حزبية؟ أم بتقارب في بعض المواقف؟ أم بامتداد تنظيمي أو سياسي معلن لتجربة الكتلة الديمقراطية؟ أم أن المقصود مجرد أن الحزب يتحالف اليوم مع أحزاب سبق أن شاركت في تأسيسها؟
وهذه ليست معاني متطابقة. فمن حق حزب الأصالة والمعاصرة – شأنه شأن سائر الأحزاب – أن يتحالف مع أحزاب أخرى، وأن يستفيد من خبرة قياداتها، وأن يتفاوض معها بشأن برنامج حكومي مشترك. لكن هذا لا يثبت، في حد ذاته، أن التحالف الجديد امتداد للكتلة الديمقراطية ولا أن حزب الأصالة والمعاصرة يستند إليها بوصفها إطارًا سياسيًا قائمًا. كما أن وجود قيادات حالية راكمت تجارب سياسية داخل أحزاب شاركت في الكتلة لا يجعلها تلقائيًا ممثلة للكتلة التاريخية، ولا يعني أن مواقفها الراهنة امتداد مباشر لمواقف القيادات التي وقعت ميثاق سنة 1992.
إن إثبات الامتداد السياسي يحتاج إلى أكثر من تشابه الأسماء أو العلاقات الشخصية، فهو يتطلب تحديد طبيعة الامتداد، والوثائق أو التصريحات التي تؤيده، والحدود التي يمكن أن يُفهم في نطاقها. أما إذا كان المقصود مجرد التقارب بين بعض القيادات أو الاتفاق على تشكيل أغلبية حكومية، فالأدق هو وصف الأمر كما هو، دون إضفاء نسب تاريخي عليه لم تثبته الوثائق. وهذا التمييز لا ينتقص من شرعية التحالفات المعاصرة، بل يساعد على فهمها وفق شروطها الفعلية، بدل تفسيرها انطلاقًا من تجربة سابقة قد تختلف عنها في الظروف والغايات والآليات.
ومن الناحية المنهجية، فإن العبارة القائلة إن حزب الأصالة والمعاصرة “يستند إلى زعماء الكتلة” ينبغي أن تُعامل باعتبارها فرضية تفسيرية تحتاج إلى توضيح، لا باعتبارها حقيقة تاريخية مكتملة. فمن هم هؤلاء الزعماء المقصودون تحديدًا؟ وما طبيعة الصلة التي يُقال إنها تربطهم بالحزب؟ وهل يتعلق الأمر بانتماء تنظيمي سابق أم بعلاقات سياسية، أم بمواقف مشتركة، أم بتأثير في التفاوض الحكومي؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تسمح بتقدير مدى دقة العبارة وحدودها.
المحطة السابعة: ماذا تقول تركيبة الأغلبية الحكومية الجديدة؟
وفق الإعلان الرسمي الصادر في 12 أكتوبر 2026، تم التوافق على تشكيل أغلبية حكومية تضم أربعة أحزاب هي:
- حزب الأصالة والمعاصرة.
- حزب الاستقلال.
- الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
- حزب التقدم والاشتراكية.
وقد أكدت البوابة الرسمية للمملكة المغربية في خبر نشرته يوم 13 أكتوبر 2026 نقلًا عن البلاغ الصادر يوم الاثنين، أن هذه الأحزاب اتفقت على تشكيل أغلبية حكومية جديدة، وأنها ستقترح المرشحين للمناصب الوزارية، تمهيدًا لإعداد البرنامج الحكومي (9).
وبمقارنة هذه التركيبة مع قائمة الأحزاب الخمسة التي وقعت ميثاق الكتلة الديمقراطية سنة 1992، يتضح أن ثلاثة من الأحزاب الأربعة في الأغلبية الجديدة كانت ضمن المكونات الأصلية للكتلة، وهي حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية. لكن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وهما من الموقعين الأصليين على الميثاق، لا يظهران ضمن الأحزاب الأربعة المعلنة في الأغلبية الجديدة. وفي المقابل يشارك حزب الأصالة والمعاصرة، الذي لم يكن من مكونات الكتلة عند تأسيسها، في هذا التحالف الحكومي.
إن هذه المقارنة تتيح استخلاص حقيقة محددة هي أن: الأغلبية الحكومية الجديدة ليست مطابقة من حيث المكونات للتشكيلة التاريخية للكتلة الديمقراطية. أما القول إنها تمثل امتدادًا للكتلة، أو أن حزب الأصالة والمعاصرة يستند إليها، فيحتاج إلى أدلة تتجاوز مجرد اشتراك بعض الأحزاب في التجربتين. ومن المهم كذلك ألا نخلط بين انتماء حزب إلى تحالف تاريخي سابق وبين التزامه الراهن بمرجعيته أو مواقفه، فهذه مسألة أخرى تحتاج إلى تحليل البرامج والقرارات والممارسات السياسية الفعلية.
وعموما تبقى المقارنة بين الماضي والحاضر مفيدة، شريطة ألا تتحول إلى مساواة آلية بين تجربتين تختلفان في السياق والتركيبة والظروف. وإذا كان البلاغ الرسمي يتحدث عن أغلبية حكومية متقاربة في توجهاتها الفكرية والسياسية، وموحدة حول رؤية إصلاحية مشتركة، فإن هذا الوصف يتعلق بالأغلبية الجديدة كما قدمتها الأحزاب المشاركة، ولا يكفي وحده لإثبات أنها تتبنى ميثاق الكتلة الديمقراطية لسنة 1992 أو تعيد إحياء مؤسساتها. فذلك يتطلب وثيقة أخرى، أو إعلانًا واضحًا يحدد طبيعة الصلة بين التحالف الحالي والإطار التاريخي.
وبعبارة أدق: فتشابه بعض المكونات لا يساوي تطابق التجربتين، واجتماع بعض الأحزاب في أغلبية جديدة لا يثبت بذاته، عودة الكتلة الديمقراطية بصيغتها الأصلية.
المحطة الثامنة: الذاكرة السياسية ليست ملكًا للحظة الراهنة
إن تصحيح الحديث عن الكتلة الديمقراطية لا يعني التقليل من أهمية التجربة أو إنكار أثرها في التاريخ السياسي المغربي. فقد شكلت الكتلة عند تأسيسها بعناصرها الخمس وبوجهات نظرها المختلفة، لأنها لم تكن مجرد أحزاب متطابقة، بل كانت تجميعا لقوى حزبية متعددة حول مطالب إصلاحية مشتركة، وأسهمت في بلورة مواقف سياسية ودستورية واجتماعية خلال مرحلة مهمة من تطور الحياة السياسية الوطنية.
ويشهد على ذلك نص ميثاقها الذي حدد أهدافًا تتصل بالإصلاح الدستوري، وتوازن السلط، والحقوق والحريات، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، ونزاهة الانتخابات (10). غير أن الاعتراف بأهمية هذه التجربة لا يقتضي تحويلها إلى إطار تفسيري جاهز لكل تحالف لاحق، ولا يسمح بإعادة تركيب تاريخها وفقًا لموازين القوى الحالية. إن التاريخ السياسي يتضمن الاستمرارية والانقطاع، والتقارب والاختلاف، والاندماج والانقسام، كما يتضمن انتقال الأفكار والمواقف بين أجيال وأطر تنظيمية مختلفة.
وقد تستمر بعض المطالب التي رفعتها الكتلة في الخطاب السياسي المعاصر، وقد تستلهم أحزاب اليوم بعضًا من إرثها، لكن تحديد هذا الاستمرار يقتضي العودة إلى البرامج والمواقف والوثائق، لا الاكتفاء بالتشابه في الأسماء. ومن حق الباحثين والمهتمين أن يتساءلوا: ما الذي بقي من برنامج الكتلة الديمقراطية؟ وما الذي تغير في مكوناتها؟ وهل توجد اليوم وثائق تثبت استمرارها إطارًا سياسيًا موحدًا؟ وما طبيعة الصلة بين إرثها التاريخي والتحالفات الحكومية الراهنة؟
فهذه الأسئلة – وغيرها كثير – لا تستهدف طرفًا بعينه، بل تجعل من التاريخ السياسي مجالًا للفهم والمساءلة، بدل أن يكون مجرد رصيد رمزي يستدعَى كلما اقتضت اللحظة السياسية ذلك. ومن مقتضيات الأمانة التاريخية – إذا كنا نريد الإشارة إلى الكتلة – ألا تُحذف منظمة العمل الديمقراطي الشعبي أو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من قائمة المؤسسين لأن مسارهما اللاحق اختلف عن مسار بعض الأحزاب الأخرى، وألا تُنسب إلى الكتلة صفة الاستمرارية التنظيمية دون دليل، وألا يُحمَّل التحالف الحكومي الجديد دلالة تاريخية لا تثبتها وثائقه.
فالذاكرة السياسية ملك مشترك، والإنصاف فيها لا يتحقق بتمجيد الماضي أو استدعائه انتقائيًا، بل بحفظ الوقائع كما حدثت، وإبراز التحولات كما جرت، وترك مساحة للتأويل المدعوم بالحجة والدليل.
المحطة التاسعة: من المعارضة إلى التحويلية الغرامشية وسؤال استيعاب القوى السياسية في المغر
1- من التحالفات الحزبية إلى مساءلة التحولات السياسية
إذا كانت المحطات السابقة قد انشغلت بتوثيق نشأة الكتلة الديمقراطية، وتحديد الأحزاب التي وقّعت ميثاقها سنة 1992، وتتبع التحولات التي عرفتها مكوناتها، ثم التمييز بين استمرارية الذاكرة السياسية واستمرارية التنظيم والتحالف، فإن الانتقال إلى الأغلبية الحكومية الجديدة يفرض علينا توسيع مجال النظر. فلم يعد السؤال مقتصرًا على معرفة الأحزاب التي اجتمعت بالأمس في صف المعارضة، أو تلك التي تتقاطع اليوم داخل تحالف حكومي، بل أصبح يتعلق بما قد يحدث للمشروع السياسي نفسه عندما تنتقل القوى التي حملته من موقع منازعة السلطة الحكومية إلى موقع المشاركة في تدبيرها.
ومن هنا تبرز أهمية استحضار مفهوم فكرة “التحويلية” (Transformismo) عند المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، باعتباره مدخلًا لفهم بعض آليات إعادة تشكيل المجال السياسي، واستيعاب النخب والقوى المعارضة داخل بنية الحكم، بما قد يفضي إلى إضعاف قدرتها على تقديم بديل مستقل أو تغيير موازين التأثير. وهنا لا يتعلق الأمر باستدعاء نظري غايته إضفاء طابع فكري على هذه الورقة، وإنما بتوسيع سؤالها المركزي المحدد في: إذا كانت الكتلة الديمقراطية قد نشأت في سياق تاريخي اتسم بالسعي إلى تنسيق قِوَى سياسية معارضة، فماذا تعني اليوم مشاركة بعض الأحزاب ذات الجذور التاريخية في تلك التجربة ضمن أغلبية حكومية جديدة؟ وهل ينبغي قراءة ذلك بوصفه استمرارًا لذاكرة سياسية مشتركة، أم تعبيرًا عن تحولات في مواقع الأحزاب ووظائفها، أم احتمالًا لإعادة تشكيل علاقتها بالسلطة وبالقاعدة الاجتماعية التي تستند إليها؟
2- التحويلية عند غرامشي: من استيعاب الأفراد إلى إعادة تشكيل المجال السياسي
يرتبط مفهوم التحويلية في التفكير الغرامشي بآليات استيعاب شخصيات ونخب من القوى المنافسة أو المعارضة داخل المجال السياسي المهيمن، بما يسمح بإعادة ترتيب موازين القوى واحتواء بعض إمكانات الاعتراض، من دون أن يكون ذلك مشروطًا بتحول جذري في بنية السلطة أو في قواعد اشتغالها. وتكمن أهمية هذا المفهوم في أنه ينقل التحليل من مجرد رصد انتقال الأشخاص والأحزاب بين المواقع السياسية إلى مساءلة ما يصاحب ذلك الانتقال من تغيرات في البرامج والمواقف والاستقلالية والقدرة على التأثير.
فقد تدخل قوة سياسية إلى الحكومة وهي تحتفظ ببرنامجها وبقدرتها على التفاوض والتأثير، وقد تدخلها فتجد نفسها مضطرة إلى التكيف مع أولويات التحالف وحدوده، وقد يحدث أن يتحول حضورها الحكومي، مع مرور الوقت، إلى عامل يضعف تميزها السياسي أو يباعد بينها وبين بعض انتظارات جمهورها. وهذه احتمالات مختلفة لا يجوز الخلط بينها أو التعامل معها كما لو كانت نتيجة واحدة محتومة.
وعليه فإن “التحويلية” لا تعني في هذا السياق، مجرد المشاركة في الحكومة، ولا يجوز اتخاذها مرادفًا آليًا للتخلي عن المبادئ أو الانخراط في منطق السلطة. إنها مفهوم تحليلي يساعد على طرح سؤال أدق: هل تظل القوة السياسية بعد انتقالها إلى الحكم، قادرة على التأثير في قواعد القرار واتجاهاته، أم يعاد تشكيلها تدريجيًا وفق مقتضيات النظام السياسي الذي أصبحت جزءًا من تدبيره؟ (11)
3- استحضار المفهوم في الحالة المغربية: أسئلة لا أحكام مسبقة
يتيح هذا المدخل إعادة قراءة العلاقة بين الإرث التاريخي للكتلة الديمقراطية والتحالفات الحكومية الراهنة، دون الوقوع في اختزال التاريخ السياسي المغربي في خط مستقيم يصل المعارضة القديمة بالأغلبية الحالية. فميثاق تأسيس الكتلة الديمقراطية سنة 1992 وقّعته خمسة مكونات سياسية – كما سبقت الإشارة إلى ذلك – في حين أن اتفاق تشكيل الأغلبية الحكومية المعلن عنه في أكتوبر 2026، فقد جمع – كما هو معلوم – بين ثلاثة أحزاب من مكونات الأغلبية الجديدة وحزب الأصالة والمعاصرة.
غير أن هذا التقاطع العددي والتاريخي لا يكفي وحده لإثبات استمرارية الكتلة الديمقراطية في الأغلبية الحالية، مثلما لا يكفي لإثبات أن التحالف الجديد يمثل امتدادًا مباشرًا لمشروعها السياسي. إننا أمام معطى تاريخي ثابت من جهة، وقراءة سياسية تحتاج إلى التمحيص من جهة أخرى. فاستمرار بعض الأحزاب لا يعني بالضرورة استمرار التحالف الذي جمعها، كما أن انتقال أحزاب ذات تاريخ معارض إلى أغلبية حكومية لا يثبت في حد ذاته، أنها أصبحت خاضعة لآلية الاستيعاب السياسي. ولذلك ينبغي أن نتجنب سؤالًا تبسيطيًا من قبيل: هل استوعبت السلطة أحزاب الكتلة الديمقراطية؟ ونستبدله بأسئلة أكثر دقة منها على سبيل المثال لا الحصر:
- ما الذي استمر من مشاريع هذه الأحزاب ومواقفها؟
- وما الذي تغير في أولوياتها وخطابها وممارساتها؟
- وإلى أي حد استطاعت التأثير في السياسات العمومية وموازين القرار؟
- وهل ظل ارتباطها بقواعدها الاجتماعية قائمًا على مشروع سياسي واضح، أم أصبح يتحدد بدرجة أكبر وفق مقتضيات المشاركة الحكومية؟
علما أن هذه الأسئلة لا تستبق النتائج، بل تحدد الشروط التي ينبغي أن يستوفيها أي استنتاج جاد.
4- من فرضية الاستيعاب إلى اختبارها في الممارسة
إن القيمة التفسيرية لمفهوم التحويلية لا تتحقق بمجرد إطلاقه على الحالة المغربية، وإنما تتوقف على تحويله إلى فرضية قابلة للفحص والمناقشة، تستند إلى وثائق وممارسات وقرائن متقاطعة وتقوم عليها. ويمكن أن يتم ذلك من خلال مستويات مترابطة هي:
- مستوى البرنامج السياسي: مقارنة ما كانت الأحزاب تدافع عنه في مراحل المعارضة، وبما التزمت به بعد دخولها التحالف الحكومي، مع التمييز بين التنازلات التفاوضية العادية وبين التحولات التي تمس جوهر المشروع السياسي.
- مستوى القرار والممارسة: فحص القرارات والسياسات العمومية التي أسهمت الأحزاب في صياغتها أو تنفيذها، وتحديد ما إذا كان حضورها الحكومي قد مكّنها من التأثير الفعلي، أم أن تأثيرها سيظل محدودًا أمام اعتبارات التحالف وموازين القوى.
- مستوى الاستقلالية السياسية والتنظيمية: النظر في قدرة كل حزب على الاحتفاظ بصوته النقدي، وتوضيح اختلافاته داخل الأغلبية ومساءلة حصيلته، وممارسة المعارضة حين تستدعيها مواقفه، دون أن يتحول الانضباط الحكومي إلى ذريعة لتعطيل وظيفته النقدية.
- مستوى العلاقة بالمجتمع والذاكرة السياسية: اختبار مدى استمرار الصلة بين الحزب وقواعده الاجتماعية، ومدى وفائه للقضايا التي منحت مساره التاريخي معناه، مع تجنب افتراض أن كل تغيير في الخطاب أو التحالف يمثل بالضرورة تراجعًا عن المبادئ.
وتقتضي هذه المستويات اعتماد مقارنة زمنية موثقة، تجمع بين البرامج والوثائق الرسمية والمواقف المعلنة والقرارات الفعلية، وتستحضر السياق السياسي والمؤسساتي الذي جرت فيه التحولات. كما ينبغي التمييز بين ما تثبته الوثائق مباشرة، وما يستخلصه الباحث منها، وما يظل مجرد فرضية تحتاج إلى أدلة إضافية. ومن الضروري في هذا الإطار، عدم إسقاط المفهوم الغرامشي إسقاطًا آليًا على المغرب، فالسياق التاريخي الإيطالي الذي تبلور فيه يختلف عن السياق المغربي في بنيته السياسية والمؤسساتية. ومن ثم فإن الاستفادة منه تقتضي تكييفه نقديًا، لا استعماله قالبًا جاهزًا لتفسير الوقائع.
5- ما الذي تضيفه التحويلية إلى قراءة الكتلة الديمقراطية؟
تضيف هذه المقاربة بعدًا جديدًا إلى هذه الورقة، لأنها تجعل من تاريخ الكتلة الديمقراطية مدخلًا إلى مساءلة العلاقة المتحولة بين المعارضة والسلطة، بدل حصره في توثيق التأسيس والأسماء والتحالفات. فقد يكون الإرث التاريخي للكتلة الديمقراطية حاضرًا في ذاكرة الأحزاب وفي خطابها، بينما تكون البنية التنظيمية للتحالف قد تغيرت أو تلاشت. وقد تتقاطع بعض مكوناتها السابقة في أغلبية جديدة، دون أن يعني ذلك استعادة المشروع التاريخي نفسه. وقد تنجح أحزاب مشاركة في الحكم في التأثير في السياسات العمومية، أو تجد نفسها أمام حدود تقلص قدرتها على التغيير، ولا يمكن حسم أي من هذه الاحتمالات إلا بالعودة إلى الممارسة والأدلة.
وبهذا المعنى فإننا لا نسعى إلى إثبات أن الكتلة الديمقراطية قد تحولت بالضرورة إلى أداة للاستيعاب، ولا إلى نفي إمكان حدوث الاستيعاب في التجربة السياسية المغربية. وإنما نسعى إلى بناء إطار نقدي يتيح التمييز بين ثلاثة أمور كثيرًا ما تختلط في الخطاب السياسي وهي: استمرارية الأحزاب، واستمرارية التحالفات، واستمرارية المشروع السياسي.
ويبقى السؤال الحاسم ليس ما إذا كانت أسماء قديمة ما تزال حاضرة في مواقع جديدة، وإنما ما إذا كانت المبادئ والبرامج والقدرة على التأثير قد استمرت معها، أم أن انتقال المواقع صاحبه تحول في الوظائف والاختيارات والعلاقة بالسلطة والمجتمع. وهنا تلتقي المقاربة التاريخية بالمقاربة الغرامشية: فالأولى تضبط الوقائع ومسارات الفاعلين، أما الثانية فتساعد على مساءلة دلالات التحول وحدوده. ولا تغني إحداهما عن الأخرى، لأن التحليل النظري من دون توثيق قد ينتهي إلى أحكام جاهزة، كما أن التوثيق من دون مساءلة قد يظل وصفًا للأحداث لا تفسيرًا لمعناها السياسي.
الخلاصة التركيبية: بين استمرارية الذاكرة وتحولات السلطة
لقد انطلقنا في هذه الورقة من سؤال ظاهره تاريخي ومفاهيمي، يتعلق بضبط العلاقة بين الكتلة الوطنية والكتلة الديمقراطية، وتحديد مكونات هذه الأخيرة، والتمييز بين استمرار بعض أحزابها وبين استمرار التحالف الذي جمعها. غير أن تتبع مسارات الأحزاب الموقعة على ميثاق 1992، ومقارنة ذلك بالتحالفات الحكومية الراهنة، أظهر أن المسألة تتجاوز تصحيح بعض المعطيات أو مراجعة بعض الاستعمالات الشائعة في الخطاب السياسي.
فما تكشفه المقارنة هو أن الذاكرة السياسية لا تكفي وحدها لإثبات الاستمرارية، وأن اشتراك أحزاب في تجربة تاريخية سابقة لا يعني بالضرورة استمرار مشروعها الجماعي في تحالفاتها اللاحقة. كما أن وجود بعض الأحزاب ذات الجذور التاريخية المشتركة داخل أغلبية حكومية جديدة لا يبرر وصف هذه الأغلبية بأنها امتداد للكتلة الديمقراطية، مثلما لا يسمح في المقابل بالجزم بأن الانتقال إلى الحكم يمثل استيعابًا سياسيًا مكتملًا. ومن هنا تبرز الإجابة عن الإشكال المركزي الذي طرحناه في مستويين متكاملين، هما:
- المستوى التاريخي والمفاهيمي، الذي يفترض الفصل بين استمرارية الحزب واستمرارية التحالف واستمرارية المشروع السياسي. فالكتلة الديمقراطية تجربة تاريخية محددة، لها ميثاق تأسيسي ومكونات معروفة وسياق سياسي خاص. ولا يصح توسيع دلالتها لتشمل كل تحالف لاحق يضم بعض أحزابها، إلا إذا وُجدت قرائن موثقة تثبت استمرار بنيتها ومشروعها المشترك. خاصة وأن احترام الذاكرة السياسية يقتضي توثيقها، لا تحويلها إلى تسمية فضفاضة تُستخدم بحسب مقتضيات الخطاب الراهن.
- المستوى التحليلي والسياسي، فمفهوم التحويلية عند غرامشي يتيح طرح سؤال أكثر عمقًا عن مصير القوى التي تنتقل من المعارضة إلى الحكم: فهل يتيح لها هذا الانتقال التأثير في بنية القرار وتوجيه السياسات العامة، أم يؤدي تدريجيًا إلى تكييف برامجها وأدوارها مع قواعد السلطة القائمة؟ فلا يمكن الإجابة عن ذلك انطلاقًا من أسماء الأحزاب أو مواقعها الحكومية وحدها، بل من خلال مقارنة برامجها ومواقفها وقراراتها، وفحص استقلاليتها وقدرتها على التأثير وصلتها بقواعدها الاجتماعية.
وعليه فإن الخلاصة التي يمكن الدفاع عنها في حدود المعطيات المعروضة ليست القول بأن الاستيعاب قد تحقق بصورة نهائية، ولا أن المشاركة الحكومية تعني بالضرورة استمرار المشروع المعارض، بل إن الانتقال من المعارضة إلى الحكم يمثل لحظة اختبار للمشروع السياسي، وتكشف الممارسة خلالها ما إذا كان الحزب قادرًا على تحويل المشاركة إلى أداة للتغيير، أم أن المشاركة نفسها قد تعيد تشكيل اختياراته ووظائفه وحدود استقلاليته.
وهذا الاستنتاج لا يصدر حكمًا موحدًا على جميع الأحزاب، ولا يفترض أن مساراتها متطابقة. فكل تجربة تحتاج إلى دراسة مستقلة، تأخذ بعين الاعتبار تاريخ الحزب وموقعه داخل التحالف، ووزنه التفاوضي، والقرارات التي أسهم فيها، ومدى قدرته على الاحتفاظ باستقلالية اختياراته. كما أن القيمة المضافة لاستحضار غرامشي تكمن – إذن – في نقل النقاش من مجرد تعداد التحالفات وتبدل المواقع إلى مساءلة العلاقة بين السلطة والمشروع السياسي.
فالمعيار ليس أن تدخل المعارضة إلى الحكم أو تبقى خارجه فحسب، وإنما ما إذا كانت قادرة على صون وظيفتها النقدية وتحقيق وعودها، والتأثير في القرارات التي تمس المجتمع. وبذلك تصبح الكتلة الديمقراطية في هذه الورقة، أكثر من موضوع لاستعادة التاريخية، إنها مدخل لفهم التحولات التي عرفها المجال السياسي المغربي، وحدود الاستمرارية بين أجيال التحالفات، والفارق بين الاحتفاظ بذاكرة المعارضة والمحافظة على مضمون مشروعها.
وبالتالي فإن تصحيح الذاكرة السياسية هو الخطوة الأولى، أما الخطوة الأعمق فهي مساءلة ما فعلته التحولات السياسية بذلك الإرث: ما الذي بقي منه في البرامج والممارسة، وما الذي تغير، وما الأدلة التي تسمح لنا بالتمييز بين التكيف الضروري والاستيعاب السياسي؟ وهكذا لا ننتهي في توقفنا إلى حكم مغلق، بل إلى أطروحة قابلة للاختبار: لا تُقاس استمرارية المشروع المعارض بمجرد استمرار أحزابه أو انتقالها إلى مواقع الحكم، وإنما بمدى احتفاظها بقدرتها على التأثير والتغيير، وباستقلالية اختياراتها، وبصلتها بالقضايا الاجتماعية التي منحت نضالها التاريخي معناه. وهذا ما يجعل الانتقال من المعارضة إلى الحكم سؤالًا مفتوحًا للمساءلة التاريخية والسياسية، لا مجرد انتقال في المواقع أو تبدل في التحالفات.
الهوامش
- البوابة الرسمية للمملكة المغربية: بلاغ أربعة أحزاب تشكل الأغلبية الحكومية.
- علي العسراوي. هل تستطيع أحزاب الكتلة الديمقراطية أن تستعيد دورها السياسي. العمق المغربي، 9 أكتوبر 2026.
- ميثاق الكتلة الديمقراطية.
- ميثاق تأسيس الكتلة الديمقراطية.
- تاريخ حزب الاستقلال.
- الاشتراكي الموحد. تقديم الحزب، مسيرة اليسار المتجدد.
- ماذا بعد 18 سنة على تأسيس الكتلة الديمقراطية؟ طرح ما تبقى من روح التجربة وأهدافها. منشور 2010.
- البوابة الرسمية للمملكة المغربية.
- ميثاق تأسيس الكتلة الديمقراطية.
- للاستئناس بالتطورات المعاصرة في دراسة المفهوم يمكن الرجوع إلى: A. Kulaev, The Notion of Transformism in Gramscian Theories and its Application to Social Movements Studies, Polis (المنشور سنة 2024 في مجلة Political Studies).
