“الروخو”.. قلمٌ أحمر يرفض “التدجين” وذاكرةٌ تأبى الانحباس في زنازين الماضي
عبد الرحيم التوراني
♦ بين حنين الرفاق ونقد الواقع، يعود محمد السريفي فيلار بـسيرته “السماء المربعة” ليقلب مواجع الذاكرة المغربية.. فبينما يرى البعض في خطابه انحباساً وجدانياً في سبعينيات القرن الماضي ونكراناً للمكتسبات السياسية، يصر القيادي السابق في منظمة “إلى الأمام” الماركسية على أن “سنوات الديكتاتورية” لم تطو صفحاتها بالكامل بعد.
مراجعة نقدية لكتابٍ يأبى التدجين، في انتظار ترجمة عربية تعيد صياغة الأسئلة المحرجة حول الذاكرة، القمع، واستمرارية الحلم الثوري على ضفتي المتوسط ♦
مر عامٌ على صدور كتاب Le Ciel Carré (السماء المربعة) للمناضل الصلب محمد السريفي فيلار، الصادر عن منشورات “الفنك” بالدار البيضاء.
ورغم مرور الأيام لا تزال أصداء الأمسية الاحتفائية التي احتضنتها مكتبة Livre Moi بحي غوتيي في الدار البيضاء تتردد في وجدان من حضروا. لم تكن مجرد ندوة لتوقيع إصدار جديد، بل كانت حضرة استثنائية لجيل السبعينيات، ومحاكمة أخلاقية وجمالية لزمن يرفض السريفي تسميته بـ”سنوات الرصاص”، مصراً بجرأته المعهودة على تسمية الأشياء بمسمياتها: “سنوات الديكتاتورية“.
في كتابه “السماء المربعة” لا يقدم السريفي مذكرات سجين عادية، بل يرسم خرائط القمع ببراعة أدبية لافتة.. العنوان نفسه “السماء المربعة” هو اختزال بصري للحياة خلف القضبان، حيث تصبح السماء مجرد مربع محدود يطل من فوهة الزنزانة.
من مفارقات هذا النص أن هذه “المربعة” الضيقة لم تنجح في محاصرة أفق السريفي الذي ظل شاسعاً كبحر الدار البيضاء، المدينة التي احتضنته يافعاً ثائراً تحت اسم مستعار “عبد الله البهجي”.
يتنقل السريفي في لغة كتابه، كما في حديثه، بطلاقة نحات بارع.. يطوع الكلمات الفرنسية الرفيعة ويمزجها بعبارات عامية مغربية حميمية، ليخلق لغة صادقة نابضة بالأحاسيس. إنه يقدم واقعاً مريرًا وصلبًا وعنيفًا، لكنه يسكبه في قالب جمالي يجعل القارئ ينحني أمام طاقة الصمود التي يتمتع بها رجل قضى 18عاماً في سجون الحسن الثاني دون أن يغير “كتفاً بكتف“.
تميزت مراجعة الكتاب في تلك الأمسية بحضور الذاكرة الجماعية لليسار الماركسي السبعيني “إلى الأمام، 23 مارس، لنخدم الشعب”… وقد بدا السريفي، الملقب بـ “الروخو” (الأحمر)، في سنته الثالثة بعد السبعين، وكأنه لا يزال ذلك الشاب العشريني الذي لم يغادر عنفوانه الثوري أبداً.
إن كتاب “السماء المربعة” هو تحية وفاء لرفاق الدرب، وعلى رأسهم المناضل التاريخي أبراهام السرفاتي، الذي طالب السريفي بإنصافه رمزياً عبر إطلاق اسمه على أحد شوارع الدار البيضاء…
إنه كتاب عن الحب.. عن الرفقة في أقبية التعذيب.. وعن الحلم الذي لا ينكسر مهما طال ليل الاستبداد.

اليوم وبعد مرور عام على صدور الكتاب بالفرنسية، تظل الحاجة ماسة لترجمة هذا العمل إلى اللغة العربية… إن ترجمة “السماء المربعة” ليست مجرد نقل لغوي، بل هي استعادة لقطاع واسع من الذاكرة الوطنية لجمهور أوسع، خاصة جيل الشباب الذي يحتاج للتعرف على تضحيات جيلٍ آمن بالتغيير حتى النخاع.
لقد وقع السريفي كتابه في تلك الليلة بقلم من الحبر الأحمر السائل، في إشارة رمزية إلى أن حبر “الروخو” لم يجف، وأن الحكاية لم تنتهِ بعد.
“السماء المربعة” ليس مجرد كتاب عن الماضي، بل هو صرخة أمل من أجل مستقبل لا تُحد فيه سماء المغاربة بمربعات الزنازين.
***
لا يخلو مسار السريفي وكتاباته من إثارة الجدل، إذ يؤاخذ عليه بعض القراء والمحللين أنه “لم يغادر وجدانياً مرحلة السبعينيات”، وأنه لا يزال يزن الأوضاع السياسية الراهنة بمكاييل نقدية حادة يراها البعض جامدة أو غير مواكبة لما تحقق من إيجابيات في المشهد السياسي المغربي المعاصر.. يتهمونه بنوع من النكران للمسار الإصلاحي، مفضلين لغة التوافق على لغة المواجهة.
لكن الروخو لا يعتد بهذه المؤاخذات، بل يعتبرها نوعاً من التجميل لواقع لا يزال يرزح تحت وطأة ممارسات يراها استمراراً مشوهاً لسنوات الرصاص. وفي مداخلة حديثة له بطنجة، خلال ندوة قارنت بين سنوات القمع في ضفتي المتوسط (المغرب وإسبانيا)، كان السريفي حاسماً: الذاكرة ليست متحفاً للفرجة، بل هي مرآة للحاضر.. بالنسبة له، فأن تجدد بعض الممارسات القمعية على أرض الواقع يسقط ورقة التوت عن خطاب الاستثناء، ويؤكد أن المعركة من أجل الحرية هي سيرورة مستمرة وليست محطة تاريخية تم طيها بمجرد تغيير التسميات.
2024 Le ciel carré” de Mohamed Serifi Villar – Editions Le Fennec
