السدود قبل الملاعب!
هشام بن الشاوي
لم يخطئ الملك الراحل الحسن الثاني حين تنبأ، قبل عقود، بأن “الحروب القادمة ستكون بسبب المياه”؛ وقد بدأت بوادر تدبير المجال المائي وإنشاء سدود مغربية منذ سنة 1963، لتعزيز قدرة التخزين المائي وضمان الأمن المائي لمواجهة أزمات الجفاف المتلاحقة التي ضربت المغرب آنذاك. وعند وصول الملك الحسن الثاني إلى الحكم، كان أول سد يُبنى في عهده هو سد “مولاي يوسف” الذي بوشر استغلاله سنة 1965. وبهذا التدشين، أقلقت حكمة الحسن الثاني في تدبير الثروة المائية للمملكة الروس، حيث اعتبروا الحدث استثنائياً بكل المقاييس، وإنجازاً غير مسبوق في المنطقة بالنسبة إلى دولة لم تمضِ سوى عشر سنوات على استقلالها.
في كتاب “ذاكرة ملك”، حين سئل الملك الحسن الثاني عن “سلاح الجزائر والبترول” رد قائلاً: “في الوقت الذي كان الجزائريون يستغلون فيه البترول، كنت أنا أشيد السدود، وأعرف أن المسؤولين الجزائريين كانوا يتهامسون عني آنذاك بسخرية ويقولون: إنه يغرس الطماطم في الوقت الذي نحفر فيه نحن آبار البترول”. وللرد على هذا المنظور الجزائري، دشن الملك بتاريخ 24 يوليوز 1973 سد “يوسف بن تاشفين”، بحضور الرئيسين هواري بومدين، رئيس الجمهورية الجزائرية، والرئيس الموريتاني المختار ولد داده.
عاش المغرب سنوات من الجفاف، واضطر المغاربة إلى شرب ماء البحر المحلّى، ومن لم يتحمل مذاق هذا الماء (غير الشروب) لجأ إلى المياه المعدنية، طبعاً لمن استطاع إليها سبيلاً! وبعد سنوات عجاف، امتلأت حقينة بعض السدود، وفاضت المياه وغمرت بعض المدن، كما حدث في القصر الكبير، ولجأت السلطات إلى التفريغ أو التنفيس حتى لا ينفجر السد، لا قدر الله، بسبب تجاوز قدرته الاستيعابية، دون أن ننسى أن الكثير من مياه الأمطار تأخذ طريقها إلى البحر.
هذه المشاهد تجعلنا نتذكر حكمة الحسن الثاني وبعد نظره في التدبير المائي، ويجعلنا نفكر بصوت عالٍ: “أليس من الحكمة بناء المزيد من السدود والربط المائي بين الأحواض؟ أليس الأمن المائي أهم من عائدات سياحة “الكان” أو “المونديال”؟!”.
