السياسة ليست حرفة..

السياسة ليست حرفة..

محمد امباركي

       تفقد السياسة معناها لما تتحول الى حرفة ويفقد اليسار هويته لما يصبح قبلة لكيفية تعلم تقنيات تسويق لذات فردية تبحث عن الرضى الرسمي والمقام الرمزي ثم الرأسمال المادي من داخل انتماء “صوري” لمرجعية أسست للفكر النقدي وقيم التطوع والتضحية كمقومات حيوية للسلطة المضادة..

قد يكون هذا الرأي متجاوزا بالنظر الى وقائع مادية ترتبط بتراجع قنوات التأطير والتنظيم الجماعية وهيمنة العالم الرقمي كعالم اجتماعي فرداني بامتياز، بل أصبح سوقا تنافسية محتدة لاستعراض وتسويق الذات والانتصار لأطروحة “الفاعل” الرقمي الفرد الذي يقيس وزن حضوره وتأثيره من خلال خريطة المرئية الافتراضية وحجم تفاعلاتها المتعددة والمركبة.

بهذا المعنى، فإن قيم وآليات المقاومة تتجه نحو أن تكون ناعمة وسائلة شبيهة بطموحات أصحابها، وبالتالي ينتج هذا الوضع حالة قبول بالهيمنة (العنف الرمزي)، بل وتبريرها واستبطانها باسم شعارات تمتح من واقعية فجة وشعبوية استعراضية تفتقد الى معايير المعرفة النقدية وسلطة أخلاق الالتزام، وربما هذا عامل من العوامل التي تفسر إنتاج الحقل السياسي والاجتماعي الراهن ل”كوادر” و”زعامات” لا صلة لها بالكاريزما المؤسسة على سعة الفكر والبناء النظري للموقف السياسي انطلاقا من مرجعيات وسرديات ثقافية وفكرية تساهم في تطوير وتجويد الخطاب والممارسة والإعلاء من المسؤولية الأخلاقية. وقد كانت تجارب اليسار “العالمي” والمغربي غنية ومنتجة في هذا الشأن إلى درجة يمكن القول معها أن ولادة هذا اليسار كانت ولادة نظرية جعلت منه حالة ثقافية مفتوحة على الجدل وإنتاج الأفكار…ولم يعد كذلك!

وفي الحديث عن علاقة السياسة بالحرفة؛ يحضرني كتاب ماكس فيبر ” السياسة والعلم بوصفهما حرفة” وترجمه آخرون الى “رجل العلم ورجل السياسة”، حيث يرى فيبر بخصوص مضمون السياسة، أن للشخص طريقتين لممارسة السياسة؛ الأولى أن يعيش من أجل السياسة، والثانية أن يعيش من السياسة، واعتبر أن في الأولى يصنع الشخص من السياسة التي يحيا من أجلها هدف حياته، ويجعل من نفسه يخدم قضية تعطي لحياته معنى ما، وهذا يقتضي من رجل السياسة أن تكون له ثروة شخصية ومدخول فردي، وأن يكون مستقلا اقتصاديا عن الإيرادات التي يمكن أن توفرها له السياسة وهذا هو الصواب، حيث عليه لا يرى من السياسة مصدرا دائما للدخل تجعله يحيا من السياسة ذاتها(1).

إلا أن “تحريف ” أو “حرفنة” السياسة لا يكون مرده فقط هو البحث عن رأسمال مادي، بل أيضا مقاما رمزيا يدر على صاحبه منافع رمزية تتأسس على شبكة من العلاقات الاجتماعية هي عبارة عن “رأسمال اجتماعي” ممتد أفقيا وعموديا، وفي أحيان كثيرة تكون مناسبة اللقاء فقط مع صناع القرار السياسي والاقتصادي لحظة اعتزاز وفخر ولو بدون مخرجات حقيقية؛ فبالأحرى أن تسود ثقافة التداول السوسيو-ثقافي والجيلي على مواقع المسؤولية داخل حزب أو نقابة أو جمعية مفروض فيها امتلاك الثقافة الديمقراطية…في كثير من الأحيان يقود “كرسي الزعامة” الى احتراف السياسة بمفهومها الواسع..

من الممكن تفسير هذه النزعة “السياسوية” التي أنتجت مساحات واسعة من فقدان الثقة في المؤسسات والفعل السياسي وتفشي مظاهر “المشاركة النفعية والمأجورة” قمة وقاعدة، من خلال عدم نضج شروط القطيعة الثقافية والتاريخية مع الخطاطة الثقافية لعبد الله حمودي ” الشيخ والمريد” في قراءته لنسق السلطة بالمغرب، أو مع ما سماه “محمد جسوس” بتقاليد ومعتقدات “المشروع المخزني” المهيمن على المجتمع المغربي، والذي تتطلب زحزحته، الى جانب البحث السوسيولوجي، فعلا مدنيا وسياسيا قويا(2).

أن يحيى المرء من السياسة، فهذا معناه أن الممارسة السياسية تحولت الى حرفة، وهنا يكون مصير السياسة في بعدها الأخلاقي ومضمونها القيمي النبيل هو الموت!..

هوامش:

(1) زكرياء التوتي. قراءة في كتاب ماكس فيبر تحت عنوان رجل العلم ورجل السياسة

https://www.mominoun.com Septembre 2021

 (2) نور الدين الزاهي. سوسيولوجيا المغرب. دجنبر 2023. ص: 123

شارك هذا الموضوع

محمد امباركي

باحث في علم الاجتماع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!