الصمت الذي يُنضج ويسهم في الإنضاج

الصمت الذي يُنضج ويسهم في الإنضاج

المختار عنقا الادريسي

1- الصمت باعتباره اختماراً للمعنى

     عادةً ما لا يحدث “النضج” في الضوء الساطع، بل يتولد تدريجياً في الظل الهادئ؛ فإذا كانت الثمرة تنضج بعيداً عن الصخب، فإن مواقف الإنسان لن تنضج إلا في صمته، بعيداً عن كل ما يولده الخوف. ويبقى الفرق بين “الصمتين” كامناً في المصدر الداخلي لا في الشكل أو اللون؛ فالصمت الحكيم لا يثقل القلب، بينما الصمت الخائف يترك في الروح شعوراً بالاختناق، وكأن الكلمات محبوسة، لا لأنها غير ضرورية، بل لكونها لا تجرؤ حتى على الخروج.

كذلك، فإن النضج لا يعني الكف عن التعبير، بل يعني إدراك اللحظة التي يكون فيها التعبير ذا قيمة، واللحظة التي يصبح فيها مجرد استنزاف؛ فبعض الشروح لا تفتح الأبواب بل تزيد من سوء الفهم. الإنسان الناضج لا يروم الصمت عجزاً، بل لأنه يرى الصورة كاملة، ويدرك أن قلوب البعض ليست مستعدة لاستقبال الحقيقة، وأنها لا تبحث عن المعنى بل عن “تفردٍ” مغلف برغبة الانتصار، وهو ما يقبع في بعدٍ تام عن الصمت الناضج الشبيه بالحركة الهادئة في عمقها، والمنسجم مع زمن التخمر الروحي؛ حيث تتحول التجربة من جرح إلى فهم، ومن انفعال إلى بصيرة.

وقديماً قال جلال الدين الرومي: الصمت بحر، والكلام نهر؛ فالبحر أعمق وإن كان أقل حركة، ومنه يكون الصمت عمقاً قبل أن يكون سكوناً. أما ابن عربي فيرى أن الحقيقة لا تُدرك بالسطح، بل بالذوق القائم على السكينة لا المستند إلى الجدل؛ وفيه تتحول التجارب المؤلمة إلى بصائر، والأسئلة القلقة إلى رؤى متماسكة، ولا يكون الصمت هنا تعطيلاً للكلمة بقدر ما هو إعداد لها كي لا تُولد مشوهة.

2- الصمت كحكمة في إدارة الأفعال

إن الصمت الذي يأتي من الامتلاء يبقى أصدق من الكلام الذي تولده الرغبة أو الحاجة؛ وهذه ليست عبارة شعرية فحسب، بل هي قاعدة حياة تلخص جوهر النضج. فحين نختار الصمت، نحن لا نعاقب الآخر، بل “ننقد” أنفسنا ونحميها. وهذا لا يعني الانسحاب من العالم أو إغلاق باب الحوار، بل السعي نحو “الملاحظة الواعية”؛ فكم من مرة شرحت فيها موقفك، ورأيك، ونفسك، وبقي ذلك بلا جدوى؟ إذ تكون النتيجة هي هدر الوقت والجهد في محاولة إقناع من لم يكن مستعداً -في الأصل- للفهم أو التفهم.

ومما سبق، نخلص إلى أن النضج يُقاس بالقدرة على “تأجيل ردة الفعل”. وفي هذا الإطار يحضر قول الإمام علي بن أبي طالب: إذا تمَّ العقل قلَّ الكلام؛ وليس المقصود هنا القلة الحسابية، بل النوعية؛ أي أن الموقف الناضج والكلمة الحق لا يخرجان إلا بعد المرور بميزان العقل. الحكمة لا تبدأ بالصوت العالي، بل بلحظة “هنيّة” داخلية تحاور فيها نفسك بكل جرأة وصدق، فتنتهي إلى أنك لم تعد مجبراً على الشرح، ولا مطالباً بأن تكون مفهوماً على حساب سلامك الداخلي. فالصمت الناضج هو الكفيل بخلق المسافة الفاصلة بين الحدث وردة الفعل، وفي تلك المسافة تتشكل الحكمة القائمة على أن الصمت ليس عجزاً، بل هو قدرة على امتلاك وقت الكلام.

3- الصمت كإصغاءٍ خلاّق

في زمن يتكلم فيه الجميع، يصبح الإصغاء فضيلة نادرة. قديماً كان سقراط يجعل الحوار فناً لولادة الأفكار، فكانت أسئلته بمثابة “قابلات” للأفكار؛ حيث لا ولادة بلا إصغاء. الإصغاء كشفٌ وليس استعراضاً، والكشف في أمس الحاجة إلى أذن صاغية بامتياز. بالتالي، فإن الصمت الذي يُنضج هو صمت يسمح للآخر:

  • أن يتكلم.
  • أن يكشف هشاشته.
  • أن يقول ما عجز عن قوله في حضرة الضجيج اليومي.

وبهذا المعنى، يصبح الصمت فعل محبة. قال الإمام الغزالي: ضبط اللسان هو أول مراتب تهذيب النفس، وأضاف: إن كثرة الكلام تقسي القلب؛ وهو ما يؤشر على الدعوة لمصاحبة الصمت، لأنه ليس انكماشاً بل مساحة تمنح الآخر فرصة الظهور. وهنا نستحضر قولة كونفوشيوس: الصمت صديق حقيقي لا يخون؛ وهي اعتراف ضمني بأن الحقيقة لا تولد من صوت واحد، لأن الصمت الناضج هو الذي يتيح للآخر أن يكتمل أمامنا، لا أن ينكفئ خوفاً من مقاطعتنا.

4- الصمت قوة تربوية للتحرر من وهم الانتصار

مع كل نضج حقيقي تتغير معايير القوة؛ إذ لم يعد الانتصار في الجدل غاية، بل صار الفهم مقصداً، وغدا معه الصمت الناضج اعترافاً بأننا لسنا مطالبين بإثبات حضورنا في كل سجال. يقول سورين كيركغور: إن أعظم معارك الإنسان هي مع ذاته؛ وفيها يكون الصمت انتصاراً على “الأنا”، ومحرراً لنا من الحاجة الدائمة للرد، ناهيك عن كونه يعلمنا أن بعض المحطات تُربح بمجرد تجاوزها.

وبما أن النضج لا يخص الفرد وحده، فإنه يضحى إشعاعاً نسعى خلفه؛ فالمربي الذي يصمت في لحظات الغضب يُعَلِّمُ أكثر مما يعلمه بالصراخ، ويكون بمثابة القائد الذي يمنح دروساً في الحكمة. وقد كان الحسن البصري يقول: من طال صمته طال فكره. الفكر يحتاج إلى زمن لا يمنحه إلا الصمت الناضج الذي لا يُرهب بل يُطمئن، ولا يُغلق الأبواب بل يُنضج من حوله.

وهنا تستحضرني حكاية مفادها: أن رجلاً عُرف بالصدق والكرم، ابتُلي بجارٍ سيء الظن يفسر كل أفعاله تفسيراً سلبياً؛ فإذا ساعده قال: يريد مصلحة، وإذا سكت قال: يخفي شيئاً، وإذا تكلم قال: يتصنع الحكمة. ذهب الرجل إلى شيخ حكيم يشكو حاله قائلاً: تعبت من محاولاتي، فكلما شرحت له ازداد سوءاً. فقال له الشيخ: إنك تقاتل ظناً، ومن قاتل الظنون خسر عمره. هذه الإجابة وحدها تُكتب بماء الذهب؛ لأنك حين تحاول إقناع شخص قرر مسبقاً أن يؤذيك، فأنت لا تتعامل مع الحقيقة، بل مع “قناعة مغلقة”، وما كان مغلقاً لن يفتحه التبرير، بل سيفتحه الزمن أو التجربة الصادمة. وعلى هذا المنحى يذهب شوبنهاور إلى القول: كل حقيقة تمر بثلاث مراحل: تسخر منها، ثم تقاومها، ثم تتقبلها وكأنها كانت بديهية. هذه الفكرة تخبرنا أن كثيراً من الناس لا يرفضونك لأنك مخطئ، بل لأنك “سابق لوعيهم”، أو لأنهم لا يريدون الاعتراف بخطئهم؛ لذا، لا تهدر نفسك في محاولة دفعهم إلى مرحلة لم يصلوا إليها بعد.

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!