الصمت حين يُمْتَحن.. بين المبدأ والمصلحة

الصمت حين يُمْتَحن.. بين المبدأ والمصلحة
Tableau: A. Tourani

المختار عنقا الادريسي

كلام أساسي للبدء

        في الحكايا الثلاثة السابقة، تنقلت مع الصمت من كونه تجربة داخلية تهذب النفس، الى كونه كرامة أخلاقية تحفظ للانسان توازنه، ثم الى كونه شرطا من الشروط الضرورية للحكمة في المجالين العام والخاص. فالصمت هناك – ولا شك هو اختيار ذاتي، ينمو في فضاءات التروي والتأمل، ويستند الى تربية داخلية تُعلي من قيمة التريث والتحكم في المواقف وضبط اللسان. غير أن التحولات المتسارعة التي يعيشها الواقع الكوني، وتداخل المبادئ بالمصالح، وارتفاع منسوب المواقف المصطفة بين الضجيج والانكماش جعلت “الصمت” ينتقل من دائرة الفضيلة الفردية الى ساحة الامتحان الجماعي. فلم يعد معها السؤال عن: هل نصمت لنحفظ ذواتنا؟ بل أصبح لمن نصمت؟ وباسم ماذا؟ والى متى؟ ومن هنا بالضبط يتغير موقع الصمت في معمار الحكايا – التي أخوض فيها – فصار معها اعتبار الصمت الذي كان وسيلة للسمو الأخلاقي، موضوع مساءلة:  

   * هل يظل وفاء للمبدأ ، أم يتحول إلى أداة  لحماية المصالح؟

  * هل هو تعبير عن حكمة راشدة، أم هو انزلاق الى حياد مبتذل؟

وهذا جميعه فرض علي الخوض في بوابة جديدة لم تكن ضمن الهندسة المعمارية المعلن عنها – سابقا – في حكايا الصمت، وهو ما لا ينقض ما سبقها، بل يختبره في ضوء اللحظة فإذا كانت الكرامة قد علمتنا أن لا ننحدر الى مستوى الإسفاف، وكانت الحكمة قد أرشدتنا إلى وزن الكلام بميزان العقل – على حد ما أشار اليه أرسطو في حديثه عن الوسط العادل  – وبالتالي فإن المرحلة الراهنة تدعونا الى طرح سؤال أشد حرجا: متى يصبح الصمت خيانة لما نحن بصدد صونه؟ وبهذا المعنى، فأنا لا أفتح بابا جديدا خارج سلسلة “حكايا الصمت”، بل هو دخول مني إلى عمقها، لأن الصمت الذي لم يُخْتَبر في لحظة التوتر بين المبدأ والمصلحة، يظل فضيلة نظرية لم تواجه رياح الواقع. ومن هنا تبدأ هذه البوابة الجديدة…. 

الصمت بين الكرامة الأخلاقية وشروط الحكمة

  ليس الصمت غيابا للكلام، بل حضور من نوع آخر . إنه اختيار واع واعتراف بأن اللغة مهما اتسعت، قد تعجز أحيانا عن حمل المعنى دون أن تجرحه. فيتخد الصمت موقعا دقيقا، أشبه بخيط رفيع يفصل بين النبل والضعف، بين الرقي والانكسار.

الصمت  كرامة أخلاقية في زمن الاستقطاب

لم يعد الصمت مجرد خيار شخصي في تدبير الانفعال، بل صار موقفا أخلاقيا في عالم تتسارع فيه الأحكام، وتتضخم فيه الخطابات، وتختزل فيه القضايا المعقدة في شعرات قد تطول أو تقصر. وفي زمن الاستقطاب الحاد، يُدفع الأفراد دفعا الى الاصطفاف الفوري، قد يكون الصمت شكلا من أشكال المقاومة الهادئة ومنه يمكن اعتبار الصمت الأخلاقي توسطا بين صخب عدمي يستهلك المعنى وبين خنوع يفرّط في الحق. كما أنه ليس امتناعا مطلقا عن القول، بل اختيارا لتوقيت ومواقيت القول ولمستواه… جدواه… مسؤوليته. ونحن نعيش عالما تُختزل فيه المواقف وتتحول الى ردود فعل فورية، غير متزنة، فيغدو التريث ذاته قيمة أخلاقية مستوجبة. وعطفا عليه فان الصمت الأخلاقي يمنحااحدث زمنه، ويعطي الذات فرصة لمراجعة دوافعها: هل أتكلم دفاعا عن قيمة أو قيم؟ أم انتصارا للذات؟ أو هو مجرد انسياق مع موجة ما؟

كما أن الكرامة الأخلاقية لا تعني رفع الصوت دائما، بل تعني أن لا يستدرج الانسان الى مستوى يبتذل فيه ما يؤمن به، فحين يتحول النقاش الى مهاترة، يصبح الصمت حفاظا على نقاء الفكرة. وحين تستعمل القضايا الانسانية وقودا للتجييش يصبح الصمت رفضا لتسليع الألم. غير أن الصمت الأخلاقي ليس صمتا أبديا.

إنه صمت مؤقت يستبطن استعدادا لأي شهادة يحين وقتها. وهنا تبرز دقة التمييز التي تربط بين المسؤولية الفردية والفضاء العام، فالمشكلة ليست في الصمت ذاته، بل في أن يتحول الى عادة تُعفي الضمير من المساءلة . فننتهي الى أن الصمت كرامة هو صمت واع بحدوده . هو صمت يرفض الانخراط في الابتدال ، لكنه لا يتخلى عن الاستعداد للكلمة حين تصبح واجبا. هو صمت لا يخدم الخوف، بل يخدم المعنى.

وفي ظرف عالمي يختلط فيه الحق بالدعاية، والمعلومة بالشائعة، والمبدأ بالمصلحة، عندئد يصبح الصمت الأخلاقي مساحة لاعادة ترتيب الداخل قبل التدخل في الخارج. إنه لحظة تنقية للنية، حتى لا تتحول الكلمة إلى صدى للضجيج، بل الى فعل مسؤول.

من امتحان الموقف إلى تهذيب النية

بعد أن مر – يمر – الصمت عبر امتحان المبدأ والمصلحة، لم يعد بامكاننا النظر إليه ببراءة أولى. لقد اكتشفنا أنه ليس حيادا بسيطا، بل موقفا مركبا تتداخل فيه النية بالنتيجة، والقيمة بالحساب. فإن صمتنا حفاظا على نقاء الفكرة، وجب أن نسأل: هل صُنَّاها أم عزلناها؟ وإن تكلمنا دفاعا عن المبدأ، وجب أن نسأل: هل خدمناه أم لوّثناه بردود فعل متعجلة، أو متهورة؟

وهنا يتبدّى أن الصمت، قبل أن يكون موقفا في المجال العام، هو تربية للدواخل.

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!