الصمت كرامة أخلاقية
المختار عنقا الادريسي
عتبات كلامية:
بعد أن خُضْنا مغامرة “حكايا الصمت” عبر المرور من بواباتها السابقة، وبعد أن اكتشفنا أنه ليس حياداً بسيطاً، بل موقفاً مركباً تتداخل فيه النوايا بالنتائج، والقيم بالحسابات، يجدر بنا في هذه المحطة الأخيرة، القول: إن صَمَتْنا حفاظاً على نقاء الفكرة، فيجب أن نسأل: هل صُنَّاها أم عزلناها؟ وإن تكلمنا دفاعاً عن المبدأ، وجب أن نسأل: هل خدمناه أم لوَّثناه بردود فعل متعجلة؟ ومن هنا يتبدّى لنا أن الصمت قبل أن يكون موقفاً، فهو تربية للأنفس قبل كل شيء.
في عالمنا -الذي نعيش تناقضاته- يعلو الصخب… الضجيج، فيختلط الحق بالدعاية، والمعلومة بالشائعة، والمبدأ بالمصلحة، فيصبح الصمت مساحة لإعادة ترتيب الداخل قبل التدخل في الخارج، ويمثل أرفع أشكال الوفاء للحقيقة التي نتوخاها.
1- الكلمة حين تكثر قد تفقد وزنها
لم يعد الصمت اليوم مجرد خيار شخصي في تدبير الانفعال، بل صار موقفاً أخلاقياً في عالم يضج بالأصوات، فيكاد الضجيج أن يحل محل التفكير، ليصبح موقفاً أخلاقياً قبل أن يكون مجرد امتناع عن الكلام. فليس كل سكوت ضعفاً، كما أن ليس كل كلام شجاعة.
فالصمت قد يكون في بعض اللحظات تعبيراً عن كرامة داخلية ترفض الانخراط في خطاب فقد توازنه، أو في جدل لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يسعى للانتصار. في سياق يتميز بالاضطراب، حيث تتداخل الحقائق بالدعايات، وتتحول المآسي الإنسانية إلى مادة للمزايدات أو الاستقطاب، فيكون الصمت شكلاً من أشكال الاحترام للمعنى ذاته.
ولعل الكلمة حين تقال في غير موضعها قد تبتذل القضية عوض أن تنصفها، وكأنها تزيد الحطب في نيران الضجيج، بدل أن تسهم في إخماده وتقريب فهمه، وترفع من وتيرة تسارع الأحكام وتضارب القرارات وتضخم الخطابات. فيقف الصمت كوقفة نفسٍ عميقة في صدر عالم يلهث بشعارات قد تطول أو تقصر تبعاً لمصدرها.
3- الصمت أرفع أشكال الوفاء للحقيقة
في زمن الاستقطاب الحاد والمضطرب، يتم دفع الأفراد دفعاً إلى الاصطفاف الفوري، للالتحاق بدروب الصمت -بشكل حتمي- فيأخذ شكلاً متميزاً من أشكال المقاومة الهادئة، لأنه -والحالة هذه- ليس هروباً من المسؤولية بل هو رفض للانخراط في لغة مشحونة بالغضب، أو في معارك رمزية تُفرغ القيم من عمقها، فيغدو امتناعاً عن تحويل المأساة إلى مادة للتراشق، أو اختزالاً للمبدأ في منشور عابر.
فالصمت الأخلاقي ليس فراغاً في القول أو غياباً عنه، بل هو امتلاء بالمعنى وامتناع عن الانحدار بالكلمة إلى مستوى المهاترة، ورفضٌ قاطعٌ لأن تتحول القضايا الكبرى إلى مادة للتراشق أو للمزايدة. وحين تضيق اللغة بما يقال باسمها، يصير الصمت شكلاً من أشكال الوفاء للحقيقة نفسها.
3- يبقى الصمت حارساً لكرامة الكلمة
لقد علمنا التراث الفلسفي أن الفضيلة تقوم على التوازن، وهو ما أشار إليه “أرسطو” حين اعتبر أن الحكمة تكمن في تجنّب الإفراط والتفريط معاً. ومن هذا المنظور يمكن فهم الصمت الأخلاقي بوصفه امتناعاً عن الانحراف وراء ردود الفعل السريعة، وحرصاً على أن تبقى الكلمة مسؤولة عن معناها ومحافظة على كرامتها، فيحول دون استهلاكها في سوق الضجيج المتزايد في هذا الزمن المشحون.
على أن لا يُفهم الصمت بأنه انسحاب من المعنى، بل هو حراسة أمينة له وصائن لكرامة كلماته، وهو صمت واعٍ يختار اللحظة المناسبة للكلام. إنه صمت يرفض الابتذال، لكنه لا يتخلى عن الاستعداد للشهادة حين يصبح الكلام واجباً حتمياً. وعندئذ يصبح الكلام مقاومة هادئة وصيانة للمعنى، وتذكيراً بأن الكرامة لا تقاس بعلو الصوت، بل بصدق الموقف.
خاتمة تأملية:
وأنا أنهي حكايا الصمت عبر بواباتها الستة -المنشورة تباعاً- أجدني ملزماً بالقول:
– الصمت ليس دائماً فراغاً في القول، بل قد يكون امتلاءً بالمعنى.
– حين يضج العالم بالكلمات، يصبح الصمت أحياناً أرفع درجات الكرامة.
– ليست الكرامة في كثرة ما نقول، بل في قدرتنا على أن نصون الكلمة بالصمت حين يبتذلها الضجيج.
