العالم العربي بين مأزق الاستبداد وهاوية التفتيت

العالم العربي بين مأزق الاستبداد وهاوية التفتيت

الصادق بنعلال 

        إن العامل الأساس في نجاح الإبداع التكنولوجي (في بلداننا العربية) هو توفير الإرادة السياسية وتوفير جو الحرية لأصحاب المواهب العلمية والفنية، وهذا يتطلب بطبيعة الحال احترام حقوق الإنسان” – المهدي المنجرة: 2000

 1 – ما يقع من عدوان أمريكي إسرائيلي على إيران حاليا، وما تتعرض له دول الخليج والأردن من اعتداء إيراني يشمل القواعد العسكرية الأمريكية والبنيات التحتية المدنية، يجسد بجلاء الرؤية الرؤى المستقبلية التي بلورها كبار المفكرين والسياسيين والاقتصاديين العرب منذ عقود من السنين. فطالما نادوا بتفعيل المؤسسات القومية الحيوية، أقلها الهيئات العلمية عالية الجودة واتفاقيات الدفاع المشترك والسوق العربية المشتركة.. دون نتيجة تذكر في هذا المضمار.  بمجرد أن حصلت الأقطار العربية على استقلالها واسترجاع “حريتها” من المحتل الأجنبي منذ العقود الأولى  من القرن العشرين  وهي في صراع متواصل مع الذات والآخر،  وقد كانت السلطة وما زالت عصب التناحر الدراماتيكي بين الحاكمين المحظوظين والشعوب المحرومة، تلك السلطة القائمة على الرغبة الجامحة في التحكم والاستئصال والقمع،  الوقوف في وجه أي نزعة نحو انتقال ديمقراطي نوعي، يروم تمكين “المواطنين” وتأهيلهم للتعاطي الإيجابي مع معترك الحياة الاجتماعية  بمعناها الشامل، ومأسسة الفاعلية السياسية وعقلنتها بالشكل الذي يتماشى ومنطق الدولة المدنية الحديثة  .

2 – وهكذا كان نصيب كل من تجرأ من المناضلين الشرفاء القوميين والاشتراكيين والشيوعيين والليبراليين والإسلاميين على أصحاب القرار العربي الرسمي، ونهج مسلكا سليما في الحكامة الرشيدة والقيادة الراجحة.. كان نصيبه كل ما يخطر وما لا يخطر على بال أحد، من المعاناة والحرمان والجبروت الرمزي والبدني، مما أفضى إلى انتشار معالم اليأس والإحباط وفقدان الأمل بأي حلم في رؤية الضوء في آخر النفق، خاصة وأن الزعماء العرب الأشاوس قرروا بأنفسهم، و”نيابة” عن شعوبهم أن يواجهوا “بتحد وصمود” إسرائيل “عدوهم” الأول، ويحرروا فلسطين “كل” فلسطين، بعد ذلك ينعمون بمتسع من الزمن لتحقيق “الوحدة العربية” والديمقراطية والتقدم والتنمية! فلا هم حاربوا إسرائيل ولا هم أقاموا نظاما سياسيا عادلا. وجرت مياه غزيرة تحت جسر الأمة العربية الجريحة، لنستيقظ في سنة 2011 على أصوات الشباب العربي غير المسيس، تنادي في ساحات التحرير بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية وإسقاط الفساد والاستبداد، مما أدى إلى إزاحة بعض رموز التحكم في مصر وتونس وليبيا واليمن.. على أمل بلورة انعطاف سياسي مفصلي، تقطع مع ممارسات تجريف المجتمع من قواه الحقيقية سياسيا وثقافيا وإعلاميا، وترنو إلى بناء تجربة سياسية تستحضر مستلزمات الحداثة وآليات الفاعلية الديمقراطية بمعناها الكوني.

3 – بيد أن جيوب مقاومة التغيير في الدولة العميقة أبت إلا أن تجعل من الربيع الديمقراطي الواعد خريفا عربيا يقطر دما وألما وظلما! وانقلبت على الاستحقاقات الشرعية والمؤسسات المنتخبة في مناخ من التنافس الحر والمواجهة الشفافة. فماذا ربح المنتكسون من عرقلة الانتقال الديمقراطي المجهض؟ وماذا قدموه لأجيال الأمة من نماء وتقدم، غير الإمعان في الاستئصال والتفرد بالحكم، والزج بالمخالفين وأصحاب الرأي المستقل في غياهب السجون والمنافي؟ إذا تأملنا الوضع الجيوستراتيجي المحيط بالمنطقة العربية لاحظنا بجلاء أننا أمام دول كبرى بمشاريع عملاقة اقتصاديا وعسكريا وسياسيا: تركيا وإيران وإسرائيل؛ فعلى الرغم من التناقضات الحادة بين هذه الأقطاب الكبرى إلا أنها تميل ميلا إلى بناء قدراتها السياسية والتنموية بإصرار لا غبار عليه، أما الأقطار العربية الكبيرة والصغيرة، وهل هناك فرق؟ فقد آلت على نفسها أن تسترجع حروب البسوس وداحس والغبراء، وتجتهد اجتهادا في محاصرة بعضها، وتتأهب لمواجهة ” أشقائها” بأحدث الأسلحة، وترمي بها في هوة الخراب والتدمير الذاتي!

4 – لا يشك أي متابع محايد للوضع السياسي الإقليمي والعالمي، في أن العرب وبعد أن أبدعوا في ضياع فرص النهوض الحضاري المأمول في عديد المناسبات، سائرون إلى حتفهم وماضون إلى المجهول عن سبق إصرار وترصد، بل إنهم صاعدون بغباء إلى الهاوية، إلا إذا حدثت معجزة في زمن لا يؤمن إلا بالقوة العسكرية الفاعلة والإقلاع الاقتصادي الشامل، والعمل التنموي المشترك، وهذا ما لا نراه بالملموس في أمة لها قابلية الانهيار والذوبان!

شارك هذا الموضوع

الصّادق بنعلّال

إطار تربوي – باحث في قضايا الفكر والسياسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!