العقل السياسي السليم لا يقبل الارتجالية والانتظارات السلبية المعطلة للتنمية

العقل السياسي السليم لا يقبل الارتجالية والانتظارات السلبية المعطلة للتنمية

مصطفى المتوكل الساحلي

قال ابن خلدون: “العدل إذا دام عمّر، والظلم إذا دام دمّر”.

من تجليات التشبع بقيم المواطنة والمساواة في أي مجتمع، أن يتحقق الحدُّ من الفوارق المجحفة والمعطلة للتنمية والتقدم الشامل؛ تلك الفوارق الناجمة عن تباين “سرعات” الطبقات الاجتماعية. فنحن أمام قطبين: طبقة بورجوازية ورأسمالية تراكم ثراءً خيالياً، وطبقات مسحوقة من المهمشين والفقراء والكادحين وذوي الدخل المحدود الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يكفي حتى لتوفير سكن لائق (كراءً أو شراءً) أو مواجهة تكاليف العلاج والتعليم. وبين الطبقتين، نجد ما كان يُسمى بالبورجوازية المتوسطة والصغرى، التي ضاقت بها السبل، وتعقدت أمامها الحلول، وطال العديد من أبنائها الضيق والعسر والإفلاس.

يقول ابن خلدون: “من أهمّ شروط العمران سدّ حاجة العيش والأمن”؛ ومع الأخذ بعين الاعتبار أن لكل زمان حاجاته ومتطلباته لعيش كريم، فإننا في عصرنا هذا مطالبون بمواكبة سرعة الدول العظمى اقتصادياً واجتماعياً وحقوقياً. إن بناء الدولة يقتضي بناء مجتمع منسجم، يتقاسم أفراده ثمار العمل والإنتاج والاستثمار، المرتكز أساساً على الثروات الوطنية التي تختزنها الأرض من معادن وخيرات، وما تزخر به الحدود البحرية والمحيطية، فضلاً عن الثروات الناجمة عن امتيازات رخص التصدير والاستيراد، والثروات المدعمة للاستثمار التي تستفيد منها فئة خاصة (كأملاك الدولة، وأراضي الجموع والغابات) والتي ترتبط منذ الأزل بذوي الحقوق.

ومن تجليات العقل السياسي الرشيد أن ينأى بصاحبه عن التكبر والتسلط والتنمر على الضعفاء، الذين يجدون أنفسهم اليوم ضحية تراجعات حقوقية وتشريعات مستحدثة، غايتها – في العمق – أن يكون الشعب طائعاً مطيعاً، متنازلاً حتى عن حقوقه الدستورية؛ ليصبح المواطن مجرد خادم لسياسات الحكومة وموافقاً على قراراتها، ولو كانت تفقيرية وغير عادلة. بل ويُطلب منه، حسب البعض، أن يقبل بقضاء الله وقدره، أو حسب البعض الآخر، أن “يلزم فقره” ويتغطى بثوب “القناعة” الزائف.

وإذا كان القول بأن “الإنسان مدني بطبعه” صحيحاً، فإن المدنية لا تتحقق إلا بإرساء تنمية عادلة (اجتماعياً واقتصادياً ومعرفياً)، وبأن يكون العمران مستوعباً لخصوصيات المجالات الترابية بما يضمن للمواطنين عيشاً كريماً. وبقراءة أولية للدستور، الذي أكد في تصديره التزام المملكة ببناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، وإرساء دعائم مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص.. فإن تساؤلات جوهرية تُطرح اليوم على المسؤولين عن أوضاع الشعب ومدى تجاوبهم مع مطالب الناس المشروعة.

وهنا نثير انتباه المؤسسات إلى ضرورة تثمين القيم الحضارية والتربوية المتشبعة بالكفاح والكرم، ومراعاة خصوصيات أنماط العيش في المجالات القروية؛ حيث الأسر الممتدة التي تشكل قوة إنتاجية تضامنية راقية، يتقاسم أفرادها المهام في الرعي والفلاحة الأسرية، ويحققون استقلالية اجتماعية هامة. إن ساكنة العالم القروي مرتبطون تاريخياً ونفسياً بدواويرهم، ومن الأخطاء الجسيمة تهجيرهم تحت أي مبرر، أو تغيير نمط سكنهم وعيشهم، مما يتسبب في رفع وتيرة الهجرة نحو المدن. إن الميل إلى إحداث تجمعات سكانية بديلة، غريبة في شكلها ووظيفتها عن المساكن الأصيلة، سيؤدي إلى إخلال بالتوازن الاجتماعي وتفتيت للتماسك الأسري، مما سيخلف اندثاراً للخبرات الثقافية والمعيشية التي تشكل ثروة وطنية كبرى.

لقد كان سكان العالم القروي دائماً في طليعة المقاومة ضد الاحتلال، وهم اليوم يشكلون الرافد الأساسي لقوات الجيش والأمن والخدمات العمومية. إنهم حراس التراب الوطني وجداره الأمني العظيم الذي يتكامل مع دور المؤسسات النظامية.

ختاماً، يقول ابن خلدون: “إذا خشي الناس أن يسلب الظلم حقوقهم أحبّوا العدل وتغنّوا بفضائله، فإذا أمنوا وكانت لهم القوّة التي يظلمون بها تركوا العدل”.

تارودانت: الأحد 4 يناير 2026.

شارك هذا الموضوع

مصطفى المتوكل الساحلي

ناشط سياسي ونقابي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!