القاعدة التي كُتبت على ثلوج روسيا ودماء جيوشه (1)

القاعدة التي كُتبت على ثلوج روسيا ودماء جيوشه (1)

د. زياد أسعد منصور

من كييف إلى المغول: عندما قاتل أبناء روس بعضهم بعضًا

حين ننظر اليوم إلى الخريطة فنرى روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، يبدو من السهل أن نأخذ الحدود المعاصرة ونمدها إلى الوراء ألف عام، ثم نوزع أمراء العصور الوسطى ومدنهم وحروبهم بين الدول الحديثة، فنبحث عن «الروسي» و«الأوكراني» و«البيلاروسي» في زمن لم تكن فيه هذه الهويات القومية والسياسية قد اكتملت بالصورة التي نعرفها اليوم. لكن هذه الطريقة، على سهولتها، تجعل الماضي نسخة مبكرة من الحاضر، بينما كانت الحقيقة التاريخية مختلفة وأكثر تعقيدًا

فقبل أن تظهر روسيا وأوكرانيا بوصفهما دولتين حديثتين بقرون طويلة، كانت كييف مركز عالم سياسي واسع عرفه المؤرخون باسم روس الكييفية. وكان أحد أخطر خصوم هذا العالم خلال القرنين العاشر والحادي عشر شعبًا رحّلًا عرف في المصادر السلافية باسم البشينغ أو البيشنغ (Pechenegs) . كانوا اتحادًا من القبائل الرحّل ذات الغلبة التركية، قدموا أصلًا من سهوب آسيا الوسطى، ثم تحركوا غربًا حتى سيطروا منذ أواخر القرن التاسع على أجزاء واسعة من سهوب البحر الأسود الواقعة بين الدون والدانوب. وكانت قوتهم الأساسية في الفرسان وسرعة الحركة والقدرة على شن الغارات، لكن علاقتهم بروس لم تكن حربًا دائمة؛ فقد تاجروا معها وتحالفوا معها أحيانًا، ثم قاتلوها أو تدخلوا في حروب أمرائها الداخلية في أحيان أخرى.

وللبشينغ مكان مهم في الذاكرة المبكرة لروس. ففي سنة 968 حاصروا كييف واضطر الأمير سفياتوسلاف إلى قطع حملته في البلقان والعودة، ثم هاجموه سنة 972 عند جنادل الدنيبر وقتلوه. وفي عهد فلاديمير الكبير أصبحت غاراتهم من الخطورة بحيث أقام خطوطًا من التحصينات والمدن على الحدود الجنوبية. والأكثر دلالة على فكرتنا أن البشينغ لم يكونوا دائمًا قوة خارجية تهاجم روس؛ فقد استخدمهم أمراء روس أنفسهم في صراعاتهم بعضهم ضد بعض، حتى هزمهم ياروسلاف الحكيم هزيمة كبيرة قرب كييف سنة 1036، وبعدها أخذ نفوذهم المستقل في المنطقة بالتراجع.

ثم حل الكومان، الذين تعرِّفهم المصادر الروسية باسم البولوفتسي وتعرِّفهم المصادر الشرقية أيضًا بالقبجاق، محل البشينغ بوصفهم القوة الكبرى في السهوب. وبعد ذلك جاءت الموجة الأعظم في القرن الثالث عشر، حين اجتاحت جيوش المغول إمارات روس، وانتهى الأمر بسقوط كييف في أيدي جيش باتو خان سنة 1240. ومن رحم السيطرة المغولية اللاحقة خرج النظام الذي ارتبط بالقبيلة الذهبية، بينما تطورت المراكز السياسية المختلفة لروس القديمة في اتجاهات متباينة. وهذه نقطة أساسية: البشينغ والكومان والمغول والقبيلة الذهبية ليسوا شعبًا واحدًا ولا مراحل متعاقبة لإمبراطورية واحدة، وإنما قوى مختلفة تعاقبت على سهوب أوراسيا ودخلت في علاقات حرب وتحالف وتجارة مع إمارات روس.

الإخوة الذين قاتلوا على كييف

لكن الخطر الخارجي ليس وحده ما أضعف روس الكييفية. فربما يكون الدرس الأكثر إثارة في تاريخها أن أمراءها كانوا قادرين على الاستعانة بالعدو الخارجي ضد إخوتهم وأبناء عمومتهم عندما يتعلق الأمر بعرش كييف. بعد وفاة فلاديمير الكبير سنة 1015 انفجرت واحدة من أشهر الحروب الأخوية في تاريخ روس. استولى سفياتوبولك الأول على كييف، وتنسب إليه «الحولية الأولية» قتل إخوته بوريس وغليب وسفياتوسلاف، وإن كانت بعض تفاصيل هذه الرواية موضع نقاش تاريخي. ثم واجهه أخوه ياروسلاف، أمير نوفغورود، فتحول الصراع على إرث الأب إلى حرب داخل البيت الحاكم نفسه.

والمشهد يكاد يكون نموذجًا مصغرًا لما سيتكرر في تاريخ المنطقة، عندما الأخ يُستدعي الخارج لمقاتلة أخيه. ياروسلاف اعتمد على قاعدة نوفغورود واستعان بمحاربين فارانغة (الفارياغ القادمين السويد والعالم الإسكندنافي)، بينما تحالف سفياتوبولك مع البشينغ، ثم لجأ إلى بولندا واستعان بحميه بوليسواف الأول الشجاع. وفي سنة 1018 دخل بوليسواف وسفياتوبولك كييف وأُجبر ياروسلاف على الانسحاب، ثم عاد ياروسلاف إلى الحرب، وفي سنة 1019 هزم سفياتوبولك وقواته المتحالفة معه عند نهر ألتا وأصبح سيد كييف. هنا لم يكن هناك «أوكرانيون ضد روس» بالمفهوم القومي الحديث؛ كان أبناء الأسرة الروريكية الواحدة يتقاتلون، وكل طرف يستعين بقوة أجنبية عندما تخدم صراعه على السلطة.

ولم تنته المشكلة بانتصار ياروسلاف. فقد دخل هو نفسه بعد ذلك في حرب مع أخيه مستيسلاف، أمير تموتاراكان، وهُزم ياروسلاف أمامه في معركة ليستفن سنة 1024، ثم توصلا إلى تقسيم السلطة والأراضي بينهما إلى أن مات مستيسلاف سنة 1036، فأصبح ياروسلاف الحاكم غير المنازع لمعظم روس الكييفية. والمفارقة أن ياروسلاف، الذي عرف بنفسه خطر الحرب بين الإخوة، حاول قبل موته تنظيم وراثة السلطة بطريقة تمنع تكرارها، لكن النظام لم ينجح على المدى الطويل.

وبعد وفاته سنة 1054 تقاسم أبناؤه المراكز الكبرى، ثم بدأت المنافسة بين الأبناء والأحفاد وأبناء العمومة على كييف والإمارات التابعة لها. ومع تكاثر فروع أسرة روريك، أصبح الأمير الذي يحكم كييف اليوم قد يجد نفسه غدًا في حرب مع قريب يحكم تشرنيغوف أو بيرياسلاف أو سمولينسك أو فلاديمير أو نوفغورود. وهكذا لم تعد وحدة روس الكييفية السياسية قادرة على مقاومة منطق الإمارات المتنافسة، وأصبح لقب أمير كييف الكبير نفسه يفقد تدريجيًا شيئًا من القوة التي تمتع بها في عصر فلاديمير وياروسلاف. وتلخص بعض المصادر هذا المسار بوضوح. إذ ترى أنه بعد وفاة ياروسلاف انقسم أبناؤه إلى فصائل متحاربة، وفشل نظام الخلافة الذي حاول وضعه في منع الصراع العائلي.

ولعل سنة 1169 تقدم واحدًا من أقسى الأمثلة على ذلك. فقد استولى الأمير أندريه بوغوليوبسكي، أمير فلاديمير-سوزدال، على كييف ونهبتها قواته. والمهم في هذه الحادثة أن المعتدين لم يكونوا «شعبًا أجنبيًا» بالمعنى الذي نفهمه اليوم، بل قوة خرجت من أحد المراكز التي نشأت داخل عالم روس نفسه. وكان نهب كييف علامة على أن مركز الثقل السياسي أخذ يتحرك، وأن المدينة التي كانت يومًا قلب النظام لم تعد قادرة على فرض سلطتها القديمة على بقية الأمراء. ثم جاء الغزو المغولي بعد ذلك بسبعين عامًا تقريبًا، وفي سنة 1240 سقطت كييف أمام قوات باتو خان وتعرضت لدمار هائل. وهكذا كان الغزو الخارجي كارثيًا، لكنه ضرب فضاءً كان قد أمضى أجيالًا في الانقسام والحروب الداخلية.

ومن هنا يمكن صياغة الفكرة التاريخية بصورة أدق، إذ إن كييف  لم تسقط سنة 1240 بسبب حرب واحدة بين أخوين، لكن قرنًا ونصفًا تقريبًا من الصراعات الأسرية وتفتت مراكز السلطة سبق الكارثة المغولية وأسهم في إنهاء عصر تفوق كييف السياسي. فالعدو جاء من الخارج، لكن الانقسام كان قد نشأ في الداخل، وهذه ليست حالة استثنائية في تاريخ المنطقة؛ إذ سيظهر النمط نفسه بصور مختلفة عندما استعان أمراء وقوزاق ونخب محلية بقوى خارجية ضد خصومهم الداخليين.

من «الخوُخوُل» و«الموسكال» إلى هويتين قوميتين

وهنا يجب أن نتوقف عند كلمتين كثيرًا ما تظهران في الخطاب الشعبي الروسي والأوكراني، لأن القارئ العربي قد يظنهما اسمين تاريخيين لشعبين قديمين:” خُوخوُل” (хохол) و”موسكال (москаль). وهذا غير دقيق تاريخيًا. لم يكن ياروسلاف «موسكالًا» ولم يكن سفياتوبولك «خُوخوُلًا»، لأن هذين المصطلحين بمعناهما الإثني المتأخر لم يكونا الإطار الذي عرف به أهل روس الكييفية أنفسهم في القرن الحادي عشر.

كلمة “خُوخُول” أصبحت تسمية روسية للأوكرانيين في حقبة متأخرة كثيرًا، وتعيد بعض المصادر التاريخية هورها في أوائل القرن السابع عشر، ثم تم استعمالها لتوصيف قوزاق زابوروجيه وللأوكرانيين بصورة أوسع. ويربط أحد التفسيرات الشائعة الاسم بخصلة الشعر أو الأوسيلِديتس  (оселедець) التي ارتبطت بصورة القوزاق، حيث كان الرجل يحلق معظم الرأس ويترك خصلة طويلة من الشعر، غالبًا عند أعلى الرأس أو جانبه، تتدلى أو تُلف أحيانًا خلف الأذن. ولم تكن دلالتها في البداية مطابقة تمامًا لدلالتها الحديثة؛ فقد استعملها بعض الأوكران أنفسهم أحيانًا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لكنها اكتسبت تدريجيًا حمولة ازدرائية واضحة، ولذلك فهي اليوم ليست تسمية أكاديمية محايدة للأوكرانيين.

أما “موسكال” فترتبط أصلًا بموسكو وموسكوفي، ثم أصبحت في الاستعمال الأوكراني والبولندي تسمية للروسي، وخصوصًا للجندي الروسي في بعض السياقات التاريخية، قبل أن تكتسب هي الأخرى دلالات ذات طابع ازدرائي. ولذلك فإن التقابل الشعبي «خُوخوُل ضد موسكال» ينتمي إلى مرحلة متأخرة من تاريخ العلاقات الروسية-الأوكرانية؛ ولا يجوز إسقاطه إلى زمن مضى، إلى عصر كييف كما لو أن ياروسلاف وسفياتوبولك كانا يقاتلان تحت رايتين قوميتين روسية وأوكرانية حديثتين.

وهذه الملاحظة تجعل قصة «الإخوة» أقوى تاريخيًا. ففي القرن الحادي عشر لم تكن موسكو نفسها مركز القوة الذي ستصبح عليه لاحقًا، ولم تكن الأمة الأوكرانية الحديثة قد تشكلت بعد، وإنما كان هناك فضاء روسي شرقي سلافي تتنافس داخله سلالات ومراكز سياسية. ومع انتقال مركز القوة شمال شرقًا، ودخول الأراضي الجنوبية والغربية في مدارات ليتوانيا وبولندا ثم الكومنولث البولندي-الليتواني، بدأت التجارب التاريخية تتباعد. وعلى امتداد قرون طويلة نشأت من ذلك العالم القديم هويات روسية وأوكرانية وبيلاروسية متميزة، مع بقاء طبقات عميقة من الدين واللغة والثقافة والأنساب والذاكرة المشتركة.

التاريخ يعيد مشهد “الأخ يستعين بالخارج”

هذا هو الخيط الذي يمكن أن يمتد في النص إلى العصور اللاحقة. فسفياتوبولك استعان ببوليسواف البولندي والبشينغ ضد ياروسلاف؛ وأمراء آخرون استعانوا بالكومان في صراعاتهم الداخلية؛ ثم بعد قرون انقسم القوزاق والنخب الروثينية (سكان روس القديمة) بين الكومنولث وموسكو وقوى أخرى؛ وفي بداية القرن الثامن عشر انتقل الهتمان إيفان مازيبا من التحالف مع بطرس الأكبر إلى التحالف مع كارل الثاني عشر السويدي، بينما بقي قوزاق آخرون يقاتلون إلى جانب بطرس؛ وفي الحرب العالمية الأولى وجد أبناء الأراضي الأوكرانية أنفسهم في جيشي الإمبراطوريتين الروسية والنمساوية-المجرية المتحاربتين؛ وفي الحرب العالمية الثانية ظهرت مرة أخرى انقسامات أشد تعقيدًا بين الخدمة في الجيش الأحمر، والحركات القومية الأوكرانية، والتعاون مع الغزاة الألمان في بعض السياقات، ومقاومة الألمان في سياقات أخرى.

وهكذا يصبح الخط التاريخي الذي نريد إبرازه أكثر عمقًا من القول إن «الروس والأوكرانيين كانوا دائمًا شعبًا واحدًا» أو إنهم «كانوا دائمًا شعبين منفصلين». التاريخ أكثر تعقيدًا من العبارتين. هناك أصل كييفي مشترك، وقرون من التداخل، ثم قرون من التباعد وإعادة تشكل الهويات. وكانت المأساة المتكررة أن أبناء هذا الفضاء لم يقاتلوا الغزاة الخارجيين فقط، بل قاتلوا بعضهم بعضًا أيضًا، واستعان بعضهم بالخارج على بعض منذ زمن سفياتوبولك وياروسلاف.

وهذا ما يجعل الحرب الروسية-الأوكرانية المعاصرة، بصرف النظر عن المواقف السياسية منها وعن توصيفها القانوني الدولي، تحمل طبقة تاريخية مؤلمة لا توجد في حرب بين مجتمعين لا رابط بينهما. فهنا توجد عائلات مختلطة، ولغات متقاربة، وكنائس وذاكرات متداخلة، وأجداد قاتل بعضهم إلى جانب بعض في الجيش الأحمر ضد ألمانيا النازية، بينما تتواجه اليوم دولة ظهرت ككيان وبدعم خارجي، قررت بعض ما يسمى النخب خروجها من الفضاء التاريخي نفسه. باسم الهوية القومية والسيادة والاستقلال، وهذه مسألة تحتاج إلى كثير من النقاش المعمق..

وهنا يصبح معنى رودينا أكثر تعقيدًا أيضًا. فالمشكلة ليست أن أحد الطرفين يعرف معنى الوطن والآخر لا يعرفه؛ بل إن كليهما يمتلك اليوم تصورًا لوطنه وذاكرته وتاريخه. وما يجعل صراعات الأقارب أكثر قسوة أن المتخاصمين لا يتنازعون الأرض وحدها، وإنما قد يتنازعون الجد نفسه والمدينة نفسها والمعركة نفسها والقديس نفسه، بل وحتى السؤال التالي: من هو الوريث الحقيقي لذاكرة كييف القديمة؟ وعندما تتحول الذاكرة المشتركة من جسر بين شعبين إلى ميدان يتصارعان عليه، تصبح حرب الإخوة أحيانًا أشد مرارة من حرب الغرباء.

وهنا يصبح معنى رودينا أكثر عمقًا وتعقيدًا. فالصراع الراهن لا يجري بين مجتمعين عاشا منذ البداية في عالمين منفصلين، ولا يمكن إسقاط مفهوم الدولة القومية الحديثة إلى الوراء على ألف سنة من التاريخ. في عصر روس الكييفية لم يكن هناك «روسي» و«أوكراني» بالمعنى القومي والسياسي الذي نستخدمه اليوم، بل عالم روس القديم بإماراته المتعددة وأسرة روريك الحاكمة وميراثه الديني والثقافي المشترك. وبعد تفكك ذلك العالم تباعدت المسارات السياسية؛ فخضعت مناطق واسعة من الأراضي التي تشكل أوكرانيا وبيلاروسيا اليوم للحكم الليتواني ثم البولندي–الليتواني، بينما صعد مركز موسكو في الشمال الشرقي. ثم عادت مساحات واسعة من هذه الأراضي، على مراحل، إلى إطار سياسي واحد تحت الإمبراطورية الروسية، قبل أن يجتمع الروس ومعظم الأوكران والبيلاروس مرة أخرى داخل الاتحاد السوفيتي.

ولهذا فإن النظر إلى القرون السابقة كلها من خلال الهويات القومية المكتملة التي نعرفها اليوم يمكن أن يكون مضللًا. فالهويات الروسية والأوكرانية والبيلاروسية لم تظهر دفعة واحدة في لحظة محددة، وإنما تشكلت عبر مسارات تاريخية طويلة. وكانت الانتماءات في عصور سابقة أكثر تركيبًا؛ فقد يعرف الإنسان نفسه من خلال الدين الأرثوذكسي، أو الإقليم، أو المدينة، أو الانتماء إلى القوزاق، أو الولاء للقيصر أو للأمير، أو من خلال انتمائه إلى عالم «روس»، قبل أن تصبح القومية الحديثة الإطار السياسي والثقافي الأقوى لتعريف الجماعات.

وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر خصوصًا، عملت الإمبراطورية الروسية على جمع شعوب وقوميات وأديان متعددة داخل دولة إمبراطورية واحدة. عاش في هذا الإطار الروس والأوكران والبيلاروس إلى جانب البولنديين والبلطيقيين والفنلنديين وشعوب القوقاز وآسيا الوسطى وغيرهم. ولم تكن هذه الوحدة تعني اختفاء الفروق اللغوية والثقافية، كما لم تكن العلاقة دائمًا خالية من سياسات الدمج والروسنة والصراع على الهوية، لكنها أنتجت في الوقت نفسه فضاءً سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا مشتركًا استمر، بصيغة مختلفة جذريًا، داخل الاتحاد السوفيتي.

وهنا تظهر إحدى أهم المفارقات التاريخية. ففي الحرب العالمية الثانية لم يكن الروسي والأوكراني والبيلاروسي يقفون، في معظم الحالات، باعتبارهم أبناء ثلاث دول قومية متحاربة؛ كانوا مواطنين في الاتحاد السوفيتي، وخدم الملايين منهم في الجيش الأحمر نفسه. قاتلوا تحت قيادة عسكرية واحدة، ودافعوا عن دولة واحدة، وماتوا في معارك واحدة. ومع ذلك وجدت في الوقت نفسه تشكيلات قومية أوكرانية اتخذت مسارات مختلفة، كما خدم أفراد من شعوب الاتحاد السوفيتي في تشكيلات متعاونة مع ألمانيا. ولذلك كانت الحرب نفسها جزءًا من تاريخ الوحدة وجزءًا من تاريخ الانقسام في آن واحد.

وعندما انهار الاتحاد السوفيتي سنة 1991 وقع التحول التاريخي الأكبر. فالحدود التي كانت تفصل جمهوريات داخل دولة اتحادية واحدة أصبحت حدودًا دولية بين دول مستقلة ذات سيادة. ومنذ ذلك الحين لم يعد الروسي والأوكراني والبيلاروسي يعيشون سياسيًا داخل الدولة نفسها، حتى وإن بقيت بينهم ملايين الروابط العائلية واللغوية والثقافية والاقتصادية، وبقي جزء كبير من تاريخهم السابق تاريخًا يصعب تقسيمه بخط مستقيم.

ولهذا فإن الصراع على الذاكرة شديد الحساسية. فالسؤال لا يتعلق بالأرض وحدها، بل يمتد إلى حق الانتساب إلى التاريخ نفسه: من يحمل إرث فلاديمير الكبير وياروسلاف الحكيم؟ وأي ذاكرة تحتضن كييف القديمة والقوزاق؟ وكيف يُقرأ انتصار عام 1945 الذي صنعته دماء شعوب قاتلت يومها داخل دولة واحدة؟ فهذه الشخصيات والأحداث سبقت الحدود السياسية المعاصرة، وبعضها سبق نشوء القوميات الحديثة نفسها بقرون، ولذلك يصبح اختزال هذا الإرث التاريخي المتداخل في ملكية قومية حصرية لدولة حديثة أمرًا بالغ التعقيد.

من هنا تصبح حرب اليوم أكثر مأساوية. فالحدود السياسية الحالية تفصل بين دولتين مستقلتين، لكن التاريخ لا يمكن تقسيمه بالسهولة نفسها. فقد عاش أجداد كثير من الروس والأوكران داخل الدول نفسها، وخدموا في الجيوش نفسها، وهاجروا بين المدن نفسها، وتصاهروا، وعملوا في المؤسسات نفسها، وحملوا ذكريات مشتركة عن الحروب والانتصارات والكوارث. ثم جاءت الدولة القومية الحديثة لتضع لكل شعب روايته الخاصة عن أجزاء كبيرة من الماضي المشترك.

وهنا يعود معنى “رودينا” – الوطن. فالوطن في الذاكرة الروسية ليس مجرد حدود مرسومة على خريطة سياسية معاصرة، وإنما طبقات متراكمة من التاريخ: روس القديمة، وموسكو، والإمبراطورية، والحرب الوطنية العظمى، والاتحاد السوفيتي، وروسيا المعاصرة. تغيرت الحدود والأنظمة والأيديولوجيات، لكن فكرة الانتماء إلى فضاء تاريخي أوسع بقيت حاضرة بأشكال مختلفة.

ولهذا فإن مأساة حرب الأخوة والأقرباء لا تكمن فقط في أن الطرفين يتنازعان أرضًا، بل في أنهما يستطيعان أن يقفا أمام التمثال نفسه ويقرآه بطريقتين، وأن يذكرا الأمير نفسه ويضعاه داخل تاريخين قوميين مختلفين، وأن يستحضرا الجد نفسه ثم يختلفا على اسم الوطن الذي كان ذلك الجد يعتقد أنه يدافع عنه.

فالحدود تستطيع أن تقسم الأرض، والدول تستطيع أن تفصل المؤسسات، والسياسة تستطيع أن تصنع خصومات جديدة، لكن الذاكرة التاريخية لا تقبل دائمًا التقسيم بهذه السهولة. ولهذا يبقى السؤال الذي بدأ في كييف قبل قرون حاضرًا بصورة جديدة: كيف يتحول أبناء تاريخ متداخل، عاشوا طويلًا داخل فضاءات سياسية مشتركة، إلى أبناء وطنين يتنازع كل منهما تفسير ذلك التاريخ؟

الميدان 2014: لحظة الانكسار الكبرى

وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط الانفصال حساسية في الذاكرة الروسية المعاصرة، والمتمثلة بأحداث الميدان في كييف سنة 2014. فروسيا وقطاعات أوكرانية عارضت هذا الميدان، لم يكن ما جرى مجرد انتقال طبيعي للسلطة، بل لحظة انكسار في المسار السياسي للدولة الأوكرانية، حين انتقلت حركة احتجاجية مدبرة إلى تغيير جذري في مركز السلطة، وسط دعم سياسي غربي واضح للمعارضة، وانتهت بخروج الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، الذي كان قد وصل إلى الرئاسة عبر انتخابات شرعية سنة 2010، وصعود قوى سياسية جعلت فكرة الاندماج مع أوروبا، والانفتاح، والالتحاق بالناتو، والابتعاد عن المجال الروسي محورًا أساسيًا في توجهها.

سقوط يانوكوفيتش: الثورة أم انقلاب على الشرعية؟

في 22 فبراير- شباط 2014 أعلن البرلمان الأوكراني أن يانوكوفيتش «انسحب بصورة غير دستورية من ممارسة صلاحياته الدستورية»، وصوّت 328 نائبًا على القرار وحدد انتخابات رئاسية مبكرة في 25 ماي- أيار. لم يكن القرار صيغة عزل دستوري مكتمل وفق إجراءات الاتهام والعزل التقليدية؛ بل استخدم البرلمان صيغة «التنحي الذاتي عن ممارسة الصلاحيات» في ظروف استثنائية بعد انهيار السلطة التنفيذية وإجبار الرئيس المنتخب والشرعي يانوكوفيتش على مغادرة كييف. ولذلك أصبحت شرعية ذلك الانتقال نفسها جزءًا من الصراع السياسي. فأنصار ما يسمى بالميدان يتحدثون عن  ثورة شعبية مزعومة أطاحت نظامًا فقد شرعيته، بينما في الحقيقة هو انقلاب سياسي أطاح رئيسًا منتخبًا وغير اتجاه الدولة بالقوة السياسية التي صنعتها الشوارع والتحالفات الخارجية.

ولم يكن الميدان حدثًا رمزيًا بلا دماء؛ فقد وثقت بعثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل عشرات المحتجين وعناصر إنفاذ القانون وآخرين خلال يناير -كانون الثاني ، وشباط 2014، كما أشارت بعد سنوات إلى أن جوانب من المسؤولية عن أعمال القتل ظلت من دون حسم قضائي كامل لأن سلطة عملت على طمس الحقيقة. وهذا يجعل اختزال تلك اللحظة في رواية واحدة، سواء سميت «ثورة الكرامة» أو «انقلاب الميدان»، غير كافٍ لفهم مقدار الانقسام الذي أحدثته داخل المجتمع الأوكراني نفسه.

من تغيير السلطة إلى إعادة صياغة الذاكرة

لكن الأثر الأبعد لم يكن تغيير الرئيس وحده، بل تغيير الرواية التي أرادت الدولة الجديدة أن تقدم بها أوكرانيا لنفسها. فمنذ 2014 تسارعت عملية إعادة تعريف المجال الرمزي والتاريخي للدولة، فقد اجتهد الحكام الجدد وعملوا جاهدين على تغيير أسماء الشوارع، والتماثيل، والرموز السوفيتية، وتفسير القرن العشرين بصورة مغايرة للتاريخ الحقيقي، وإبراز موقع الحركات القومية الأوكرانية واعتبارهم أبطالا في الذاكرة العامة. وفي نيسان 2015 أقر البرلمان حزمة قوانين لـ«إزالة الشيوعية»، تضمنت إدانة النظامين الشيوعي والنازي ورموزهما ومساواتهما في تناقض تاريخي يخلق التباسات ويسهم في تدميره الذاكرة الوطنية لملايين الأوكران الذين هزموا النازية وطردوا جيوشها من أراضيها، الأخطر ظهر محاولات حثيثة لتنظيم إحياء ذكرى مقاتلي استقلال أوكرانيا في القرن العشرين، وإعادة صياغة جوانب من الذاكرة الرسمية للحرب العالمية الثانية.

وقد لاحظت لجنة البندقية أن القوانين الأربعة أُقرت في اليوم نفسه بإجراء سريع ومن دون نقاش عام، وأنها أثارت اعتراضات أكاديمية وحقوقية، مع إقرار اللجنة في الوقت نفسه بأن إدانة الجرائم التي ارتكبتها الأنظمة الشمولية هدف مشروع في ذاته.

حين أصبح الماضي جزءًا من الصراع السياسي

ومن هنا يمكن فهم سبب النظر إلى سنة 2014 في الوعي الروسي بوصفها شيئًا أكبر من مجرد تغيير حكومة في دولة مجاورة. إنها، في هذه القراءة، اللحظة التي بدأ فيها فصل أوكرانيا سياسيًا ورمزيًا عن المجال التاريخي الروسي المشترك بصورة أكثر حدة؛ ليس بتغيير التحالفات الخارجية وحدها، وإنما بإعادة تعريف الماضي نفسه، أي الرموز ينبغي الاحتفاظ بها، وأيها ينبغي إسقاطها، ومن يُمنح مكان البطل في الذاكرة الوطنية، وكيف تُقرأ الحقبة السوفيتية، وما موقع روسيا في التاريخ الأوكراني: أهي شريك قرون من التاريخ المشترك، أم قوة إمبراطورية ينبغي التحرر من ميراثها؟

ذاكرة صنعها الروس والأوكران معًا

لكن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا عندما نتذكر أن الذاكرة التي أُعيد تشكيلها لم تكن مصنوعة من تاريخ أوكراني منفصل تمامًا عن روسيا. فالجد الذي قاتل النازية في الجيش الأحمر قد يكون أوكرانيًا، وقائده روسيًا، ورفيقه بيلاروسيًا؛ والمصنع الذي صنع السلاح قد يكون في الأورال، والجبهة التي مات عليها قد تكون في أوكرانيا أو بيلاروسيا أو بولندا. لقد كانت تلك ذاكرة دولة متعددة القوميات، ولذلك فإن تقسيمها بعد زوال الدولة إلى ذاكرات قومية منفصلة لم يكن عملية بسيطة ولا خالية من الصراع.

من وطن جامع إلى ذاكرتين متعارضتين

وهنا، ربما، تكمن أقسى مفارقات رودينا. فما كان عبر مراحل طويلة فضاءً سياسيًا وتاريخيًا مشتركًا أخذ البعض يحوله إلى ذاكرتين وطنيتين متباعدان، ثم إلى روايتين متعارضتين عن الماضي نفسه. ومن وجهة النظر الروسية، أصبحت أحداث 2014 رمزًا للحظة لم تعد فيها المسألة مجرد استقلال دولة خرجت من الاتحاد السوفيتي سنة 1991، بل مشروعًا لإعادة تعريف هويتها السياسية والتاريخية بعيدًا عن روسيا. أما من وجهة النظر الأوكرانية المؤيدة للميدان، فكانت العملية معاكسة تمامًا: استكمالًا لبناء دولة قومية مستقلة وتحريرًا للذاكرة الوطنية من الإرث الإمبراطوري والسوفيتي الروسي.

التاريخ المشترك الذي لا تمحوه الحدود

وبين الروايتين تقف مأساة أعمق. فالتاريخ المشترك لم يختف لأن السياسة قررت الانفصال عنه.  لا يمكن محو ياروسلاف من كييف، ولا القوزاق من التاريخ الروسي-الأوكراني المتداخل، ولا ملايين الأوكرانيين من تاريخ الجيش الأحمر، ولا ملايين الروابط العائلية التي تشكلت عندما لم تكن الحدود الروسية-الأوكرانية حدودًا دولية. تستطيع الدولة أن تغير أسماء الشوارع، وأن تزيل تمثالًا، وأن تعيد كتابة مناهجها، وأن تختار رموزها الوطنية؛ لكنها لا تستطيع أن تعود إلى الماضي وتفصل حياة الأجداد بعضهم عن بعض.

عندما تنتقل المعركة من الأرض إلى الذاكرة

وهكذا لم تعد المعركة على الأرض وحدها. أصبحت أيضًا معركة على الذاكرة التي تمنح الأرض معناها، بمعنى أي ماضٍ سيُتم حمايته، وأي رموز ستبقى، وأي أسماء ستُرفع، وأي علاقة ستُرسم بين كييف وموسكو في وعي الأجيال الجديدة. وعندما يصل الصراع السياسي إلى الذاكرة، يصبح الانفصال أعمق من الحدود؛ لأنه ينتقل من الخريطة إلى تصور الإنسان لنفسه ولأسلافه وللمكان الذي يسميه وطنًا.

رودينا: الوطن الذي يصعب تقسيم ذاكرته

وهنا تحديدًا تستعيد كلمة “رودينا ” أي الوطن معناها الأشد قسوة. فالخلاف لم يعد فقط حول الدولة التي يعيش فيها الأحفاد، بل حول الوطن الذي عاش في ذاكرة الأجداد، وحول ما إذا كان ذلك الماضي سيبقى إرثًا مشتركًا أم سيعاد تقسيمه بعد أن عجزت الجغرافيا وحدها عن تقسيمه.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!