المباركة الصامتة والرهان الانتخابي: قراءة في التحاق خيرات بالتقدم والاشتراكية

المباركة الصامتة والرهان الانتخابي: قراءة في التحاق خيرات بالتقدم والاشتراكية

عبد الرحمان الغندور

          لا يعتبر بالنسبة لي حدث ارتحال عبد الهادي خيرات من أصوله إلى حزب التقدم والاشتراكية، حدثا يستحق الاهتمام في ظل الترهل والتفسخ السياسيين، والميوعة الأخلاقية والانتهازية الاتان تطبعان الانتماء والممارسة والهويات السياسية في هذا البلد، ولكن عددا من الصديقات والأصدقاء الذين جمعتني بهم سنوات طويلة من النضال، أرادوا معرفة موقفي وتفسيري لهذا الحدث الذي بدا لعدد منهم مفاجئا وغير مفهوم. وإرضاء لطلبهم اكتب هذا المقال كمدخل لمحاولة فهم الحدث.

لا يمكن قراءة التحاق عبد الهادي خيرات بحزب التقدم والاشتراكية بمعزل عن “الزلزال” الذي ضرب البيت الاتحادي منذ مؤتمره التاسع، فالأمر يتجاوز مجرد تغيير في العناوين الحزبية إلى كونه فصلاً أخيراً في دراما سياسية بطلها صراع “الإخوة الأعداء” بين خيرات وإدريس لشكر. هذا الصراع الذي انطلق من كواليس التدبير التنظيمي وتطور إلى معارك طاحنة في ردهات المحاكم حول “تركة الحزب” ومؤسساته الإعلامية، والتي انتهت بصفقة مربحة للطرفين، نال بواسطتها خيرات أموالا يتحدث عنه مناضلو الاتحاد وربح بها لشكر عودة جريدته إلى بيت الطاعة. وكل هذا كان ينبئ منذ البداية بأن التعايش بين الرجلين أصبح ضرباً من المستحيل، وأن أحدهما لا بد أن يغادر الحلبة ليفسح المجال للآخر، وهو ما حدث بالفعل حين أحكم لشكر قبضته على مفاصل حزب “الوردة”، تاركاً لخصمه التاريخي خيار “الانتحار السياسي” أو البحث عن “مظلة” بديلة.

إن المتأمل في مسار هذا الصدام يدرك أن انتقال خيرات إلى حزب “الكتاب” ليس ارتماءً في حضن حليف إيديولوجي، يتقاسم معه كلمة الاشتراكية، بقدر ما هو رغبة جامحة في “الانتقام السياسي” من قيادة عملت جاهدة على محو أثره التنظيمي. فخيرات، الذي يرى نفسه حارساً لمعبد الاتحاد “الأصيل”، وجد في حزب نبيل بنعبد الله المنصة المثالية لإرسال رسالة مفادها أن وزنه الانتخابي في معقله التقليدي بسطات ليس صكاً مملوكا للاتحاد، بل هو رصيد شخصي يمكن نقله وتوظيفه لمقارعة خصمه اللدود من داخل قبة البرلمان. هنا، تتقاطع “نرجسية القيادي” الذي يرفض الاعتزال مع “براغماتية الحزب” الذي يبحث عن “أعيان” بوزن ثقيل، لتتشكل صفقة سياسية جوهرها البحث عن المقعد البرلماني بأي ثمن، وغطاؤها استمرارية “النضال الديمقراطي“.

ومع ذلك، تظل تهمة “الطمع الشخصي” تلاحق هذا الانتقال، إذ يصعب على المتابع إعفاء خيرات من حسابات “الكرسي” التي طغت على رمزية “المناضل”. فإصراره على التواجد في الواجهة الانتخابية وهو في خريف مساره السياسي، يعكس أزمة عميقة في ثقافة “التداول” لدى الرموز التاريخية التي ترى في المقعد النيابي حصانة لا غنى عنها. إنها معركة “كسر عظم” بين إرث اتحادي مثقل بالجراح وبين طموح شخصي يرفض الغياب، مما يجعل من ترشحه بقميص التقدم والاشتراكية اختباراً حقيقياً ليس فقط لشعبيته، بل لمدى قدرة “الناخب” على التمييز بين الوفاء للمبادئ وبين التحولات التي تفرضها الرغبة في تصفية الحسابات الشخصية تحت عباءة المصلحة العامة.

إن الحديث عن التحاق عبد الهادي خيرات بحزب التقدم والاشتراكية لا يمكن أن يكتمل دون النبش في الكواليس العميقة لما يُصطلح عليه بـ “المطبخ السياسي” أو دوائر صنع القرار القريبة من المربع السيادي، حيث تبرز فرضية تلقي الرجل لإشارات خضراء أو توجيهات ضمنية تخدم أجندة إعادة ترتيب البيت اليساري المغربي. ففي سياق توازنات القوى، قد يرى صناع القرار في هذا الانتقال وسيلة ناجعة للحفاظ على التعددية الحزبية التقليدية ومنع انهيار قطب تاريخي مثل حزب “الكتاب” الذي يحتاج دوماً إلى “تطعيم” صفوفه بوجوه انتخابية تمتلك خزانات أصوات جاهزة، مما يضمن استمرار هذا الحزب كقوة موازنة داخل المشهد البرلماني. كما أن هذه الخطوة قد تُقرأ كعملية “هندسة دقيقة” تهدف إلى تقليم أظافر القيادة الحالية للاتحاد الاشتراكي التي قد تُبدي أحياناً نزوعاً نحو الهيمنة المطلقة على تمثيلية اليسار، حيث يُستخدم خيرات هنا كـ “ميزان ضغط” لإظهار أن الرموز التاريخية والشرعية النضالية يمكنها أن تجد لنفسها بدائل مؤسساتية تضمن لها البقاء خارج وصاية القيادة المركزية لـ “الوردة“.

ومن زاوية أخرى، فإن “المطبخ السياسي” يفضل غالباً التعامل مع نخب “مجربة” ومدركة لخطوط اللعبة السياسية الحمراء، وخيرات بما يمثله من إرث “الحرس القديم” يعتبر عنصراً مضموناً في معادلة الاستقرار، لذا فإن تسهيل انتقاله أو مباركته يصب في خانة ضمان وجود وجوه مألوفة ومنضبطة داخل المؤسسة التشريعية، بعيداً عن مفاجآت الوجوه الجديدة غير المتوقعة. إن غياب “الفيتو” من الجهات السيادية على مثل هذه الخطوة الراديكالية لزعيم قضى نصف قرن في حزب واحد، يُعتبر في العرف السياسي المغربي نوعاً من “المباركة الصامتة” التي تهدف إلى توزيع النخب بشكل يمنع تركز القوة، مما يجعل من هذا الانتقال “هجرة سياسية” مدروسة تلتقي فيها مرارة الانتقام الشخصي مع طموحات البقاء الفردي، تحت مظلة توازنات سيادية كبرى تهدف إلى ضمان مشهد سياسي وظيفي ومحكوم بدقة.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحمان الغندور

كاتب وناشط سياسي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!