المحامي.. مجرد مساعد أم شريك في العدالة؟

المحامي.. مجرد مساعد أم شريك في العدالة؟

عبد الإله الفشتالي

    “أن نخطئ في تسمية الأشياء، يعني أن نزيد من شقاء العالم” (ألبير كامو – خطاب ستوكهولم، 10 ديسمبر 1957)

 لقد كُتب هذا المقال بالفرنسية عن قصد؛ ففي عام 1924، وبينما كانت الحماية في أوجها مع حرب الريف الأسطورية، وهي تتحول بسخرية إلى إدارة استعمارية مباشرة بتواطؤ انتقامي من النظام الديكتاتوري الإسباني، جرى تنظيم مهنة المحاماة بموجب ظهير 10 يناير 1924. وبالتوازي مع ذلك، استمر هطول القوانين الوضعية في أعقاب قانون الالتزامات والعقود (12 غشت 1913).

وبما أن الركائز الأساسية لتنظيم المحاماة قد وُضعت منذ قرن من الزمان، فإن تأثيرها مستمر بوضوح أو في الخفاء. فضلاً عن ذلك، فإن المصطلحات التي اعتمدها مشرّعو الحماية استمدت غذاءها من القانون المدني النابليوني (1804). وفي عام 1965، رأى “تعريب ومغربة” الجهاز القضائي النور، لكن ذلك لم يمنع بقاء ندوب النظام اللغوي القديم.. “غنائم حرب” كما كان يقال. وبناءً عليه، دعونا ننتقل إلى الوقائع…

منذ نجاح الهبة الجماعية التي تجسدت في تعليق “الزمن الاجتماعي” عبر الإضراب الأخير، استعادت هيئات المحامين أنفاسها. وبفضل كثافة التضامن الراسخ والدعم الشعبي وتفهم المتقاضين، تم تجنب نقطة الانهيار وصون كرامة المهنة. إن استئناف النشاط في حد ذاته هو شكل من أشكال “التفاوض الرمزي”، لكن هذه الطبيعة الظاهرة تتناقض مع عمق توتر كامن.

في الواقع، إن استئناف الخدمات ليس مكتسباً نهائياً، بل يظل مشروطاً، يقبع في المسافة الفاصلة بين التسوية والريبة. وباستعارة من المعجم البحري، يمكن القول إن حركة احتجاج الهيئات لم “تلقِ المرساة” بعد، بل اكتفت بـ “فك الحبال” في إيماءة مدروسة، حذرة ومشروطة: “في المد العالي، رفع الإضراب في ذروته صواريه فخورة مستقيمة.. وفي الجزر، نُفك الحبال ليعيد الحوار بسط حقوقه“.

من البديهي أن أي تفاوض يجب أن يتمحور أولاً حول حرية وحصانة المهنة. هذا الثنائي هو “أمر جازم” (Impératif catégorique)، قانوني، مجتمعي، وبنيوي وليس ظرفياً. إنه اختيار مجتمعي يكشف عن مدى الارتباط الفعلي بدولة الحق والقانون؛ فأي مساس بحرية المحامي وحصانته يهدد بانهيار بنية النظام القانوني برمته.

يجب أن تجري المفاوضات مع الحكومة في مناخ صحي، يسوده الهدوء والثقة واليقظة في آن واحد، بعيداً عن التسرع، فلا “خطر يداهم الدار” ولا “النار مستعرة في البحيرة”. إن البرلمان، إذا رغب، يمكنه التداول في قضايا أكثر حيوية. ونتساءل هنا: من يفرض ويتحكم في “الإيقاع”؟ وهل هناك “سيد للوقت”؟ وهل تؤخذ موازين القوى والإرادة السياسية بعين الاعتبار؟

إن جرى استعجال ممثلينا أو فُرِض عليهم جدول زمني يعيق المفاوضات الديمقراطية، فسيضطرون للتأجيل حتى إشعار آخر.. وليذهب “الإيقاع” إلى الجحيم! لن يكون الأمر سوى “تأجيل لمعركة”، خاصة وأن القانون 08-28 الحالي لا يزال سارياً ولا يعاني من إهمال أو عجز، وهو ليس مستعداً للتواري أمام مشروع القانون “المتعالي” 66-23، إلا في حدود تعديلات توافقية.

المحامي: من “المساعد” إلى “الشريك”

بعد طي الشق الأول، نأتي للثاني؛ حيث أعتزم طرح تساؤل جوهري لا ينبغي أن يمر مر الكرام. يتعلق الأمر بمطلب مفصلي عمره عقود: دقة اللغة. لا شك أن مصطلح “مساعد القضاء” (Auxiliaire de justice) قد سقط في غيابة الجب لعدم ملائمته للواقع. “أن نخطئ في تسمية الأشياء، يعني أن نزيد من شقاء العالم”. في حالتنا نحن المحامين، وصفنا بـ “مساعدين” ليس مجرد خطأ معرفي، بل هو خطأ أخلاقي وسياسي.

إن المحامي، الذي سئم من معاملته بـ “تعالٍ” كعنصر ثانوي أو تابع، يرى أن الوقت قد حان لإنهاء هذا “التحقير المتعمد” لمهنة نبيلة. فالمحامي -في أفق ترسيخ دولة الحق والقانون- مدعو للقيام بدور بنيوي وحاسم.

لغوياً واشتقاقياً: كلمة “Auxiliaire” مشتقة من اللاتينية Auxilium (عون، نجدة). دخلت الفرنسية في القرن الرابع عشر لتعني من يدعم “عملاً رئيسياً” بدأه غيره. تاريخياً، استُخدمت في المجال العسكري (القوات المساعدة في الجيوش الرومانية التي تُستدعى لدعم الفيالق النظامية). وفي النحو، تُوصف أفعال الكينونة والملكية (Être et Avoir) بأنها “مساعدة” لأنها تتخلى عن استقلاليتها الدلالية لتكون في خدمة أفعال أخرى. فالفكرة دائماً هي “التبعية الوظيفية”.

في المقابل: مصطلح “شريك” (Partenaire): ظهر هذا المصطلح في القرن الثامن عشر، مشتقاً من الإنجليزية Partner، والتي تعود لأصل فرنسي قديم Parçonier بمعنى (متقاسم)، من الفعل اللاتيني Partire (قسّم/شارك). الشريك هو من يشارك في مصلحة، مهمة، أو التزام. المفهوم المركزي هنا ليس “المساعدة” بل “المشاركة”، وهي تفترض علاقة أفقية، دائمة، ومعلنة؛ تعاوناً على قدم المساواة حيث تُوزع المسؤولية عقلانياً.

اليوم.. بينما قد يشعر “المساعد” بوضعية ثانوية أو تكميلية، يتمتع “الشريك” بوضع يثمن فكرة الجمعية والمسؤولية المشتركة.

ويبقى الأمل معقوداً على ممثلي هيئات المحامين في مفاوضاتهم مع رئاسة الحكومة. وإذا كان هذا الملف الشائك قد سُحب من يد وزير العدل، فذلك للخروج من المأزق وضمان قانون أفضل. إن ممثلي جمعية هيئات المحامين بالمغرب  بحكم حنكتهم، مطالبون باستبدال مفهوم “مساعد القضاء” بمفهوم “شريك العدالة”، المفهوم المنفتح على مستقبل جريء، بدلاً من مصطلح يشدنا إلى ماضٍ ضبابي ومتردد.

في كل الأحوال، لا تُربح المعارك الديمقراطية إلا بذكاء متقد ووعي حاد بالموقف، بكل ما يحمله من “لا تماثل” حقيقي أو افتراضي.

الدار البيضاء، 24 فبراير 2026

شارك هذا الموضوع

عبد الإله الفشتالي

محام وناشط في مجال حقوق الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!