المدينة في درجة التعييد الاحتفالي
د. عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
المدينة والمدينة، حكاية عشق أبدي، عشق صوفي بين حياة الإنسان في المدينة وحياة المدينة في الإنسان، وفي هذه الحياة توجد الأفكار، ويوجد من يؤمن بالأفكار، ويوجد من يسعى إلى تجميل هذه الأيام التي نحياها بالأفكار الحية والجميلة.
وجدير بالإشارة أن الفعل الاحتفالي العبقري لا يمكن أن يتحقق إلا في المدينة الاحتفالية العبقرية، وهذا ما لمسته وعشته في زياراتي لكثير من المدن، المغربية والعربية والعالمية، والتي لها قلب ولها عقل ولها روح، وأعجب كل العجائب أن تجد في هذه المدن الحية كائنات بشرية غير حية، وأن تجد كثيراً ممن يعيشون في هذا التاريخ لهم وجود خارج التاريخ.
وهذا العشق، بين الإنسان المدني والعمران البشري، هو ما دفع الاحتفالي لأن يكتب مسرحية (الناس والحجارة) والتي كانت في معناها الحقيقي بحثاً عن الإنسان الحي في المدينة الاحتفالية الحية، وألا تكون هذه المدن التي تسكننا ونسكنها مجرد حجارة عمياء وصماء وبكماً.
وفي المسرح الاحتفالي تحضر المدينة بشكل دائم، وعناوين كثير من المسرحيات الاحتفالية تحضر فيها أسماء الشخصيات إلى جانب أسماء المدن، وهي بهذا تتقاسم البطولة مع شخصيات من التاريخ ومع شخصيات من الحكاية ومع شخصيات من الأسطورة ومع شخصيات من القرآن الكريم ومع شخصيات من الواقع اليومي.
وابن الرومي، في مسرحية (ابن الرومي في مدن الصفيح) موجود بين مدينتين وبين زمنين، بين بغداد القديمة والدار البيضاء الجديدة، وبين القصور البغدادية التي كانت، ومدن الصفيح التي أصبحت، وأما امرؤ القيس، في مسرحية (امرؤ القيس في باريس) فهو أيضاً موجود بين فضاءين متباعدين وبين زمنين مختلفين لحد التناقض، أي بين الصحراء العربية، في العصر الجاهلي، وبين مدينة باريس في العصر الحديث. وأما جحا، في مسرحية (جحا في الرحى) وفي المسلسل الإذاعي (جحا فاس) فهو موجود في مدينة فاس، القديمة والجديدة في نفس الوقت، وهو يمثل سلطة العقل وسلطة الحكمة الشعبية، وذلك في مواجهة سلطة الحكم والاستبداد، والتي يجسدها الباشا، وفي مواجهة سلطة المال، والتي يجسدها التاجر، وفي مواجهة سلطة القضاء، والتي يجسدها القاضي، أما ذلك الصعلوك المتشرد، في مسرحية (احتفالية الصعلوك) والذي ليس له أي اسم ولا بيت ولا عنوان في المدينة، فهو موجود في مدينة لندن الإنجليزية في الزمن الحاضر، وأما الفيلسوف العربي والكوني ابن رشد فهو موجود في مدينة قرطبة الأندلسية، وأما جحجوح، سليل الأسرة الجحوية، فإنه يعود إلى أصوله في مدينة إسطنبول التركية.
ويمكن أن نخلص من كل هذا إلى أن المدينة، في الرؤية الاحتفالية، هي المكان والإنسان والزمان، وهي أيضاً روح المكان، وهي عبقرية هذا المكان، وهي احتفالية المكان وعيدية المكان، وهي جماليات المكان، إلى جانب جماليات الإنسان بكل تأكيد.
وفي مسرحية (امرؤ القيس في باريس) والتي يتجلى فيها فعل شخصنة المدينة، يخاطب امرؤ القيس مدينة باريس ويقول لها وفيها:
“وأنا الآن في حالة وجد وسكر، أصير يا باريس أرحب منك وأوسع. إنني أكبر ولا أشيخ، أكبر من داخلي، وعوض أن أسكن باريس، فغداً هي التي ستسكنني، سأبني لدورك دوراً في قلبي، سأكون ناراً ملتهبة وأنت بصدري جمرة، غداً أصبح عالماً عالماً كاملاً، أصير كوناً تدور بداخله شموس جديدة وأقمار زرقاء وخضراء ونجوم مشتعلة.. احترت.. كيف أسع كل هذه الدنيا ـ وما أرحبها ـ ولا تسعني هذه الدنيا؟“
وأجمل كل المدن هي المدن الاحتفالية الحية، والتي لها سحر ولها جاذبية، ولها في الأسبوع الواحد ثمانية أيام، بدل سبعة أيام، والذي يكون فيه اليوم الثامن هو يوم الزينة، أي يوم الحفل والاحتفال ويوم العيد والتعبيد.
والمدينة الاحتفالية هي المدينة التي تفكر وتحلم وتتكلم وترقص وتغني وتحكي وتسافر بعيداً، من غير أن تبرح مكانها، ولعل هذا هو ما جعل امرأ القيس يقول في عروس المدن الاحتفالية:
“باريس مولاتي ومحظيتي.. خبريني عنك، هل أنت عرس أبدي؟ هل أنت مأتم جنازة؟ هل أنت غربة ومنفى؟ مهما ادعيت بأنني أعرفك، فإنني في الواقع لا أعرفك، لا أعرفك، لا أعرفك..”
التعييد المسرحي بين مدينتين
هذا المدخل، كان ضرورياً من أجل أن أقول ما يلي: منذ أيام فقط كنت في مدينة الجديدة، ومرة أخرى أقول بأن انطلاقة الاحتفالية، بعد مدينة بركان ومدينة فاس ومدينة الخميسات، قد كانت من هذه المدينة، والتي قدمتُ بها سنة 1974 مسرحية (سالف لونجة) والتي جسدت فيها طريقي الفكري والجمالي، والتي تنبأت فيها بعودة الزنج إلى مسرح الحياة، سواء في السياسة أو في الحياة الاجتماعية أو في مجتمع الأفكار والمفكرين.
وتتغير الأيام والليالي، وتتجدد الساعات، وتبقى مدينة الجديدة وفية لنبوغها ولعبقريتها، وتظل مدينة الجديدة كما كانت، جديدة على الدوام. في هذه المدينة التي لها أكبر تظاهرة احتفالية في المغرب، حاضرتُ في إطار مهرجان البريجة للمونودراما، والذي ينظمه الفنان المسرحي عبد الرحيم النسناسي، ولقد كانت المحاضرة بعنوان (الاحتفالية والمونودراما) ولقد أكدت في هذه المحاضرة أن المونودراما في الاحتفالية لا تعني وحدة الأفراد، ولكنها تعني وحدة الوجود ووحدة الموجودات في هذا الوجود الواحد.
ويوم الخميس الماضي كنت في مدينة سطات، ضيفاً كنت على مهرجان (أشوار الجهوي للمسرح) الذي تنظمه جمعية الشاوية ورديغة للفنون، وذلك في دورته السادسة، والذي اختار له الفنان المسرحي المؤسس محمد حتيجي أن يكون تحت شعار (الفن المسرحي من الفرجة إلى التساؤل) دورة الكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد، والذي احتضن فعالياته الفكرية والفنية المركز الثقافي بمدينة سطات، والذي هو تحفة عمرانية جميلة تليق بمدينة سطات وبثقافتها.
ولقد تم افتتاح المهرجان مساء يوم الخميس بحفل تكريمي للمكرمين عبد الكريم برشيد والممثل المسرحي الشاب هشام الخدير، ولقد تولى تنشيط فقرات افتتاح المهرجان ذة. عائشة عمار وذ. إدريس عزري.
وبخصوص هذا اللقاء الاحتفالي، بين الإنسان الإنساني والمدينة المتمدنة في الزمن العيدي، يقول الكاتب الاحتفالي ما يلي: فأن تعود إلى مدينة سطات، وأن تعود إليك هذه المدينة، وأن تجدها كما عرفتها، في كامل الجمال وفي قمة البهاء، وأن تجد نفسك تستعيد زمناً مضى، وأن تدرك بأنه لا شيء يمضي، وبأن الأشياء الجميلة، وبأن الأفكار الجميلة، وبأن الوجوه الجديدة لا يمكن أن تمضي، فإن معنى هذا بأن الزمن يعود جديداً في الساعات الاحتفالية الجديدة.
وفي عز ذلك البرد الذي كان، في تلك الليلة الباردة التي كانت، فقد كان هناك دفء إنساني جميل، في الفكر وفي الفن وفي العلاقات الإنسانية الجميلة والنبيلة، وذلك شيء لا يمكن أن يقدر بثمن، ولا يمكن أن يعرفه إلا أصحاب الأرواح الحية والعاشقة.
ويوم الجمعة مساءً كانت الندوة الفكرية، والتي شكلت الاستثناء الجميل داخل مناخ مسرحي، مغربي وعربي، أريد له أن يكون فرجة وتفرجاً فقط، وأن يكون مناخاً لا علم فيه، ولا فكر فيه، ولا أسئلة حقيقية فيه، ولقد حضر السؤال الفكري والعلمي في هذه الندوة من خلال الأسماء التي وضعت الفعل المسرحي في إطاره الحقيقي، أي وهو فكر وعلم وفن وأخلاق وآداب وصناعة إبداعية، قبل أن يكون أي شيء آخر، ولقد اتسع النقاش في الندوة بفضل مساهمات فكرية وعلمية جادة وجديدة للأساتذة توفيق حماتي وعبد القادر الرقيق.
ولقد تولت الأستاذة عائشة عمار مهمة تسيير الندوة، وبحكم ثقافتها المسرحية الواسعة، فقد عرفت كيف تصنع من ذلك اللقاء مناسبة للتفكير الفلسفي والتقني معاً، وأن تفجر شهوة التعبير والتفكير في القاعة.
المسرح المغربي من الفرجة إلى التساؤل
في هذه الندوة حضر الأستاذ علي علاوي، المسرحي الفنان والمفكر، والذي يجمع في شخصه الجديد مع الجدية، والذي تلتقي في كتاباته جماليات الفنان وصرامة العالِم، ومنذ أن عرفته عن قرب سنة 2019 في مهرجان القاهرة، وهو لا يتوقف عن تقديم القراءات النقدية العالمة في المسرح المغربي والعربي.
في هذه الندوة، كانت مداخلة د. علي علاوي بعنوان (الأثر الفلسفي في العرض المسرحي المعاصر، مسرح محمد الحر نموذجاً)، ولقد كانت المداخلة غوصاً في أدغال مسرح جاد وجديد، لمسرحي مغربي جاد، والذي هو الفنان المسرحي المغربي المجدد محمد الحر.
أما مداخلة عبد الكريم برشيد، فقد كانت بعنوان (أنساق المسرح الاحتفالي وتحولات الفرجة المسرحية).
وفي هذه الندوة حضر الأستاذ ذ. عبد الرحيم شراد، المسرحي الشامل، وصاحب مسرحية (وتر غير مشدود) وأحد صناع المسرح المغربي الحديث، وأحد الشهود الصادقين على مولد الاحتفالية وعلى مسارها الفكري والجمالي، ابتداءً من أواسط السبعينيات من القرن الماضي، في هذه الندوة تحدث طويلاً عن شخص الاحتفالي وعن روح الاحتفالية وعن فكر الاحتفالية، مؤكداً على أن هذه الاحتفالية تشكل الاختيار الثالث، أو التيار الثالث، في كل المسرح العالمي، والتي هي المسرح الدرامي والمسرح الملحمي والمسرح الاحتفالي، وهو بهذا يؤكد بأن المسرح الاحتفالي هو أكبر من أن يكون مجرد تجربة فاعل مسرحي له رؤية خاصة، أو يكون مجرد تجريب محدود في إطار مختبر مسرحي محدود، للوصول إلى شكل مسرحي محدود.
وعن علاقة المؤسس الاحتفالي بمعارضيه قال الكلمة الصادقة التالية:
“عبد الكريم يشبههم ولكنه ليس منهم“
وهو فعلاً يشبههم، لأن مسرحه هو نفس مسرحهم، ولكنه ليس منهم، لأنه غير متخندق معهم في نفس الخندق الحزبي أو في نفس الأيديولوجي أو في نفس الخندق المصلحي أو العبثي.
وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي: عندما تكون مسرحياً حراً ومستقلاً، وتكون مبدعاً صادقاً ومتمرداً، وعندما تكون خارج كل التكتلات وخارج كل الأحزاب وخارج كل الأحلاف، فإنه لا يمكن أن تكون إلا.. خارج كل الدوائر المغلقة على نفسها، ولعل هذا هو ما يجعل الاحتفالي غائباً اليوم عن كل التظاهرات المسرحية الصغيرة والمحدودة الأبعاد والآفاق.
وفي الندوة التي كانت في موضوع (المسرح المغربي من الفرجة إلى التساؤل) ذكرتُ بمقولة أينشتاين: “الخيال أكبر من المعرفة لأن المعرفة محدودة والخيال لا محدود”، وذكرتُ بأن المسرح هو المعرفة زائد الخيال وزائد الحلم وزائد الشعر وزائد العشق وزائد الأسطورة، وأما الفلسفة فهي المعرفة المجردة، أي المعرفة ناقص الخيال، وناقص الحلم وناقص الشعر وناقص العشق وناقص الأسطورة.
ونعرف أن الفيلسوف ابن طفيل، في قصته أو روايته (حي بن يقظان) قد قدم لنا الفكر الفلسفي مدعماً بالسرد وبالحكي وبالتجسيد وبالتشخيص، وبلمسة فنية بسيطة، يمكن أن نحول هذا الحكي الفلسفي إلى مونودراما، ولقد سبق للكاتب المسرحي التونسي المنصف السويسي أن مسرح (رسالة التربيع والتدوير) للجاحظ، وقدمت في شكل مونودراما، قدمها في الثمانينيات من القرن الماضي مسرح الطليعة المصري، وأخرجها سمير العصفوري.
ونفس الشيء يمكن أن نجده في (رسالة الغفران) للشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري، وذلك أنه يقدم لنا الفلسفة بالصورة وبالحكي ومن خلال الشخصيات الحية ومن خلال الأحداث والوقائع، وليس من خلال الأفكار المجردة فقط.
وفي العصر الحديث نجد الفيلسوف الفرنسي ألبير كامي يقدم لنا فلسفة العبث من خلال أسطورة (صخرة سيزيف) والتي هي جزء من الميثولوجيا الإغريقية، كما نجد الفيلسوف المغربي د. عزيز أحبابي يقدم لنا فلسفة الشخصانية من خلال الشعر والمسرح.
في هذه الندوة إذن، وفي كل المهرجان، كان القصد هو التغيير، وهذا هو ما جسده شعار المهرجان في التأكيد على الانتقال من الفرجة، وهي في درجة الحرفة والمهنة، إلى درجة التساؤل الفكري والجمالي والعلمي.
آخر الكلام
وأختم هذا النفس، من هذه الكتابة، بكلمة الروائي العالمي ليون تولستوي، والتي جاء فيها:
“الكل يفكر في تغيير العالم ولا أحد يفكر في تغيير نفسه“
ولماذا يغير نفسه إذا كان مؤمناً بأنه هو الجمال يمشي على الأرض، وأنه هو الكمال مجسداً فيه وحده من دون كل عباد الله؟
وفي كل هذا الطريق الذي مشيته، أنا الاحتفالي، لم أكن وحدي، ولم أفكر وحدي، وهل اخترت المسرح إلا لأنه التفكير الجماعي من خلال الحوار؟ ولقد كانت معي في طريقي المسرحي أفكاري، وكان معي رفاق رحلتي الفكرية، وكانت معي مبادئي الإنسانية الجميلة.
وكلنا في هذا المسرح ننشد التغيير، في أنفسنا أولاً قبل التغيير في العالم، ومن الحسن إلى الأحسن، وليس من السيئ إلى الأسوأ، وفعلاً فقد تغير كثير من أهل الفكر والفن، والذين كانوا في اليسار وأصبحوا اليوم في أقصى اليمين، وكانوا ضد سلطة المال وسلطة الإدارة، فأصبحوا اليوم في جوقتهما، يقولون ما يقال لهم، ويكتبون ما يملى عليهم، تماماً “كما تقول الببغاء”، ولقد كانوا دعاة التغيير فتغيروا، من غير أن يتغير شيء في هذا العالم.
وفي كل المدن التي أدخلها أجد أن الاحتفالية قد سبقتني إليها، وكل الأيام التي أعيشها أجد فيها شيئاً من الأفكار التي آمنت بها، والتي اقتسمتها مع كل الناس، سواء في الكتابات الفكرية أو في الكتابات الإبداعية أو في المواقف التي وقفتها.ِ
