المغرب في مواجهة اختبار الماء
أحمد لعيوني
الفيضانات التي ضربت شمال المغرب سنة 2026 شكّلت منعطفاً غير مسبوق، سواء بحجمها، أو بالقرارات التي فرضتها، أو قبل كل شيء، بالتحول العميق الذي سرّعته في نجاعة طريقة تدبير المخاطر الطبيعية.
خطر قديم وهشاشة مستمرة
يعرف المغرب الفيضانات منذ زمن بعيد. فالسهول الكبرى للغرب، وأودية سبو واللوكوس، إلى جانب بعض المناطق الحضرية ضعيفة البنية التحتية لصرف مياه السيول، تُعد من أكثر المجالات تعرضاً لها. وقد كشفت محطات 1995 و2008 و2010 و2021 عن مكامن الهشاشة: توسع عمراني سريع، احتلال لمناطق معرضة للفيضان، وشبكات تطهير غير كافية.
ولسنوات طويلة، انصبّ التدخل العمومي على ما بعد الكارثة: إنقاذ، إصلاحات، وتعويضات. إجراءات تشكل إدارة فعّالة للأزمة، لكنها غير كافية أمام تكرار الفيضانات.
مع فيضانات 2026 الاستثنائية تغيّر المنطق. فإزاء أمطار قياسية وأحواض مائية تحت الضغط، اختارت السلطات التحرك قبل وقوع الأسوء. فقد أعطى الملك محمد السادس تعليماته السامية للسلطات العمومية من أجل جعل حماية الأرواح أولوية مطلقة في تدبير مخاطر الفيضانات والكوارث الطبيعية، خاصة في المناطق الأكثر هشاشة.
وترتكز هذه التعليمات على عدد من المبادئ الأساسية، من أبرزها:
الاستباق بدل ردّ الفعل: اعتماد إجراءات وقائية قبل وقوع الكارثة، وعلى رأسها الإجلاء الاستباقي للسكان المعرّضين للخطر، وعدم انتظار تفاقم الوضع.
التعبئة الشاملة لمختلف المتدخلين: تنسيق محكم بين السلطات المحلية، الوقاية المدنية، القوات المسلحة الملكية، مصالح الأرصاد الجوية، والقطاعات الوزارية المعنية.
تعزيز أنظمة الإنذار المبكر: تتبع دقيق للتوقعات الجوية والهيدرولوجية، وتسريع وتيرة تبليغ التحذيرات للساكنة في الوقت المناسب.
تأمين البنيات التحتية الحيوية: حماية الطرق، السدود، وشبكات الماء والكهرباء، مع اتخاذ تدابير وقائية لتفادي انهيارها أو تعريض المواطنين للخطر.
إيلاء عناية خاصة للفئات الهشة: الأطفال، المسنون، النساء الحوامل، والساكنة القاطنة بالمناطق القروية أو المعزولة، مع توفير مراكز إيواء مؤقتة في ظروف تحفظ الكرامة الإنسانية.
وتعكس هذه التعليمات الرؤية الملكية القائمة على جعل الإنسان في صلب السياسات العمومية، وتكريس مبدأ أن الحفاظ على الأرواح يسمو على أي اعتبار مادي أو اقتصادي، خاصة في سياق تصاعد المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية.
وقد شهدت مدينة القصر الكبير بالمغرب خلال الفيضانات الأخيرة إجلاء حوالي 000 120 نسمة في وقت وجيز، في عملية استباقية وفعّالة، نجحت في حماية السكان من الخطر المباشر للسيول وتهديد سد وادي المخازن الذي تجاوزت سعته الاعتيادية. بالإضافة إلى دواوير وقرى أخرى بكل من أقاليم : سيدي قاسم وسيدي سليمان والقنيطرة. اتخذت قرارات بإجلاءات وقائية واسعة النطاق، ومحكومة بأولوية قصوى : تفادي الخسائر البشرية.
ويُقارن هذا الإنجاز بواقع دولي؛ ففي حادثة مشابهة، واجهت السلطات البرتغالية صعوبات جمة من أجل إجلاء سكان بلدة الكاسير دو سال Alcazar del Sal التي لا يتجاوز عدد سكانها 000 11 نسمة، بسبب فيضانات نهر سادو.
هذا الخيار يجسّد قطيعة حقيقية: عدم الاكتفاء بتحمّل الحدث، بل استباقه، ولو على حساب كلفة اقتصادية فورية.
يرتكز هذا التحول على قواعد جديدة لتدبير المخاطر من ذلك : تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، خرائط أدق للمناطق المعرّضة، تدبير أكثر دينامية للسدود، وتنسيق أوثق بين مختلف الفاعلين العموميين. الهدف لم يعد فقط احتواء الماء، بل تقليص هشاشة المجالات.
تحدٍّ بنيوي على المدى الطويل
في سياق التغير المناخي، يُتوقع أن تصبح الفيضانات أكثر تواتراً وحدّة. وبالنسبة للمغرب، لم يعد الأمر طارئاً موسمياً، بل تحدياً بنيوياً للمرونة يطال التعمير، وإعداد التراب، وحوكمة المخاطر. ولتفادي الضغط الكبير على سدود الشمال نتيجة الأمطار الغزيرة، يوجّه التخطيط المائي الوطني الجهود نحو تحويل فائض المياه إلى الأحواض التي تعاني من خصاص حاد، مثل حوض أم الربيع.
تهدف هذه الاستراتيجية إلى توازن الموارد المائية بين المناطق، وتقليل مخاطر الفيضانات في الشمال، وفي الوقت نفسه دعم الإمدادات المائية في المناطق الجافة أو شبه الجافة، بما يحقق حماية الأرواح والممتلكات ويُحسّن من كفاءة إدارة المياه على المستوى الوطني.
وفي العمق، قد تكون فيضانات 2026 قد أدّت دوراً حاسما يكمن في تحويل قيدٍ طبيعي إلى رافعة إصلاح، وفرض الوقاية كبوصلة جديدة للعمل العمومي.
