“المْـِصْري” للرِّوائي المغْربي محَمَّد أَنَقَّار.. السَّرْدُ الرِّوائي والتَّفاعُلُ النَّصِّي

“المْـِصْري” للرِّوائي المغْربي محَمَّد أَنَقَّار.. السَّرْدُ الرِّوائي والتَّفاعُلُ النَّصِّي

  عبد الجبار العلمي

السَّردُ الروائي:

 يتولى مهمة السرد في رواية «المصري» سارد مشارك هو (أحمد الساحلي) الذي نجده مهموماً بكتابة رواية عن مدينته تطوان وأحيائها وحواريها العتيقة على غرار ما كتبه نجيب محفوظ عن القاهرة المعزية. يقول الساردـ ـ المشارك: “استمر حلم الرواية يدغدغني. يخبـو فترة لكنه لا يغيب في حين أضحت مسـألة التنفيذ إشكالاً مؤرقاً (ص:26). إنه منذ بداية الرواية إلى نهايتها وهو يبحث عن هيكل لروايته وعن الطرائق الفنية التي سيعتمدها في بنائها، إلى أن قر قراره علـى التقسيم الربـاعي للمدينة العتيقة حسبما حفظه عن أحمد الرهونـي ومحمد داود  والتهامي الوزانـي: “حومـة البلـد” و”الطرانكات” و”السويقة” و”والعيون” (انظر ص: 55) .. إنه يعلم أن الإبداع الروائي صعب وطويل سلمه، والعمر قصير. فهو يحس بقرب نهايته قبل أيام معدودة، أو بعد أسبوع فقط من تقاعده كما حصل لصديقه الحميم عبد الكريم الصويري. إنه فضلا عن إدراكه صعوبة خـوض غمار الإبداع، فـ” مسودات الكتابة دليل على معاناة المبدع وأرقه المتواصل، وقلقه المضني، إذ للقلم لحظات يتأبَّى فيها فيتمرد على تحقيق المشتهى”([1])، يدرك أيضاً أن العمل الإبداعي يتطلب شروطاً وطقوساً خاصة: التفرغ، والعزلة، والتخلص من اليومي، وتحاشي الارتباطات العائلية وغيرها من الانشغالات التافهة التي من شأنها أن تمنع من الجلوس الطويل لتسويد مئات الصفحات. إنها لا تتهيأُ له هذه العوامل المساعدة، بل إنه يجد نفسه إزاء عدة عوائق منها:

ـ إحساسه بالولادة العسيرة للإبداع الذي يزيدُ تأجيجَ ناره في نفسه صديقُهُ المحامي «بنعيسى». يقول هذا الأخير في أحد الحوارات بينهما:” أقصد أن المهمة ليست سهلة، فأن تستنجد بالخيال وتكتب رواية يعني أن تكون لديك تجارب عريضة في الحياة، وتكون قد تمرست بالحلو والمر، وتدنست بالموبقات، وانفتحت على الناس، وعاشـرت أخيارهم وأشرارهم”(ص:51 ).

ـ زوجه «رقية» التي لم يكن يهُمها سوى دعوات العائلة في المناسبات وغيرها، وإلحاحها على اصطحابه معها أداء للواجب. يقول السارد ـ المشارك الساحلي:” وبرأت نفسي من علة العجز الأدبي، وأرجعتها إلى رقية التي تُلزمني بما لا يلزم، وتذكرني صباح مساء بالأصول و(الصْوَاب)”(ص:42)/ تقول رقيـة:” حشومة علينا ألا نهنئ ولد الشرفا في عقيقة ابنه”(ص:42)، هذا فضلا عن المسؤولية الأسرية اليومية. كل ذلك كان يشكل عوامل معاكسة تحول بينه وبين كتابة الرواية المحلوم  بها التي كان يعتبرها هاجسه المؤرق ليلَ نهار، بل إنه كان يـراها “تحدياً مصيريا غامضا، إمـا أن ينتصـر عليه أو يقهره”.(انظر ص: 50).

إن السارد ـ المشارك له رغبةٌ ملحة في ” سجن مدينة تطوان في قمقم زجاجي صغير مثلما سجن نجيب محفوظ القاهرة كلها في قمقمه المسحور ” (انظر ص: 58 ) ـ وذلك من أجل أنْ يخلِّدها في روايته ـ أي تطوان بكل ملامحها الجغرافية والإنسانية والثقافية والحضارية إلا أنه يقابل بمعضلة الإبداع الفني، وبالتحديد الإبداع الروائي، وصعوبة اقتحام عوالمه السحرية المضللة.

يشير الباحث د. سعيد الحنصالي في دراسته روايةَ “المصري”  إلى  المعاناة التي يكابدها المبدع سواء قبل فعل الكتابة، أو أثناءها، مؤكداً ” أنها لحظة التكون التي تحدد معالم الإبداع في مراحل  مخاضه المختلفة، أراد الروائي أن يكشف أسرارها على لسان بطله.”([2])، ويصف الكاتب نفسه طريقة جمع المادة الروائية وعملية الخلق الفني على لسان السارد أيضاً  بقوله:” وكنت أشبه في ذلك الطائر الصغير الذي يبني عشه في أمد طويل، قشة قشة، وتبنة تبنة، وريشة ريشة” (ص:95)، ويؤكد الفكرة نفسها في أحـد الفقرات السردية بقـوله: ” فليس ثمة إبداع من دون مكابدة، ذاك ما باح به البحتري ونجيب محفوظ نفسه حينما طالب الكاتب بأن يتسلح بعناد الثيران.”(ص: 10).

ومن الجدير بالملاحظة أن السرد في رواية ” المصري “، يتبنى تقنية “الارتداد ” Analepse  في معظم فصول الرواية، ولا يسير في زمن خطي كْرونولوجي كما هو الحال في الرواية التقليدية. فيتم الارتداد إلى ماضي السارد ـ المشارك أحمد الساحلي، وعلاقته بصديقه عبدالكريم: طفولتهما وزمالتهما في المدرسة الابتدائية، وحادث صفع المعلم خده الأيمن أمام زملائه في الفصل الأمر الذي خلف ندباً غائراً في نفسه ظل وشماً غير قابل للزوال والتلاشي مدى حياته، ودراستهما في مدرسة المعلمين، ثم وظيفتهما وانخراطهما في النادي الذي لا يسمحُ بالانخراط فيه سوى لأعيان المدينة ومثقفيها. مناقشتهما الحماسية حول كثير من القضايا الوطنية والقومية والمحلية. علاقة الساحلي بأسرته وإخوته وخاصة والدته التي حلت محل والده في رعاية الأسرة بعد وفاة الوالد وهو في سن مبكرة. سنوات التكوين والاطلاع على إنتاجات الكتاب والأدباء المصريين، وعلى رأسها روايات الروائي العبقري نجيب محفوظ. ثم تتم العودة إلى سرد أحداث الحاضر ابتداءً من جنازة صديق السارد، مروراً بما خلفته وفاته من حزن وألم وفراغ في حياته، وانتهاءً بعقده العزم على البدء في جمع مادة روايته حول مدينته تطوان، وذلك بتسجيل ما يشاهده من شخصيات وأحداث، وما يلاحظه من ملامح القدم وآثار الحضارة العربية الإسلامية في دروب المدينة وجدرانها وأزقتها وأهم حواريها. إن “هذا العبد الضعيف بصدد إنجاز مهمة ثقافية من شأنها أن تفيد الإنسانية قاطبـة.. نعم الإنسانية قاطبة مادامت اليونسكو نفسُها قـد اعتـبرت تطـوان العتيقة تراثـاً ثقافـياً وإنسانياً.”(ص: 101).

التفاعل النصي:

    ومن الجدير بالذكر أن  محمدا أنقار ، لم ينفرد وحده باستحضار أجواء العالم الروائي لنجيب محفوظ وطرائقه في صناعة فنه، سواء تعلق الأمر بوصف الفضاءات أو الشخصيات.الخ.. ، بل إننا لنجد الرواية العربية في كثير من نصوصها تعتمد في بناء عوالمها على عالم نجيب محفوظ السحري الزاخر بوصف المكان، ورصد الشخصيات المتنوعة ومن بينها الشخصيات المهمشة والشخصيات الغريبة الأطوار. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، الدكتور بوشي، والمعلم كرشة فـي ” زقاق المدق”، ومحجوب عبد الدايم فـي ” القاهرة الجديدة ” وحسن في ” بداية ونهاية “، وأنيس زكي المسطول في ” ثرثرة فوق النيل ” … يقول الناقد المغربي محمد برادة: ” من النافل القول بأن الحديث عن الرواية العربية التي أخذت تحتل مكانة بارزة منذ الستينيات، إنما يمر عبر استحضار التجربة المحفوظية والاتكاء على منجزاتها التي مهدت الطريق أمام نصوص مغايرة تُعلْي صِرح َ الرواية وتربطه بالآفاق اللامحدودة لهذا الشكل المرن المتجدد.([3])

 ونجد التفاعل النصي في رواية «المصري» يشكل نوعين من الحوار في ثنايا المتنين:

 أ- حوار يتسم بالتَّصَـادي أي تردد الأصداء بين النصوص، وسنأخذ هنا مثالين:

| الأول يتعلق بالفضاء الروائي، وذلك حين يتم التناص بين فضاءات نجيب محفوظ في رواياته الواقعية، ومنها: الأزقة والحارات الشعبية، والمقاهي القاهرية (مقهى الفيشاوي على سبيل المثال)؛ وبين أزقة وأحياء ومقاهي تطوان الشعبية في حارات المدينة العتيقة خاصة ” الترانكات”، وساحاتها المفتوحة: ” الفدان ” على سبيل المثال.

| الثاني يرتبط بالعلاقات الإنسانية، وذلك حين يعمد السارد إلى رصد علاقة الحب بين شخصية عباس الحلو وحميدة في ” زقاق المدق ” من جهة، وعلاقة الحب أيضاً بين ابنه نجيب وكريمة ابنة حارة الباريو مالقة المهمشة من جهة أخرى.

ب ــــ حوار يمكن أن ننسبه إلى ” الباروديا ”  Parodie أو المحاكاة الساخرة: فالساحلي نقيض السيد أحمد عبدالجواد في الثلاثية، فهذا الأخير هو ” السي السيد ” بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى. رجل قوي، متحكم في زوجه وأبنائه. يمثل السلطة الأبيسية المستبدة. مزدوج الشخصية، مستهتر، منغمر في حياة الملذات والسهرات الحمراء والمغامرات النسائية خارج البيت، ومحافط رزين زميت شديد الصرامة في علاقته بأسرته. أما الساحلي فشخص عليل ضعيف الشخصية أمام زوجه «رقية» المرأة التطوانية الحازمة المتحكمة الآمرة الناهية الممسكة بشؤون البيت وغيرها. إنه علـى النقيض من شخصية أحمد عبد الجواد (شيء واحد يجمعهما هو الاسم: أحمد)، متساهل في معاملته مع أبنائه، عفيف، متدين، يقيم صلواته في أوقاتها، ويحرص عل صلاة الجمعة. وعلاقته بأصدقائه في النادي على العكس من قرينه ـ علاقات محدودة، يطبعها الكثير من التحفظ والاحتراس والتوجس. وإذا كانت زوج نجيب محفوظ في واقع الحياة عاملا مساعداً على الانكباب على الكتابة والإبداع، فإن زوج الساحلي في الواقع الروائي كانت على العكس من ذلك عاملا معاكساً وعائقاً منيعاً يقف دون تحقيق رغبته العارمة في كتابة روايته.

          وإذا كان محمد أنقار استحضر في روايته التجربة المحفوظية كغيره من كتاب الرواية العربية، فإن ما أنجزه شيء مغاير، يتميز بالفرادة والنكهة الخاصة، سواء من حيث تصويرُه فضاء مدينة تطوان العتيقة ذات المعمار الأندلسي، أو من حيث اعتمادُه على المعمار الفني المنفلت من قيود الرواية التقليدية.

      ويبدو أن الروائي محمداً أنقار باستدعائه لأعمال نجيب محفوظ الروائية يرى أن ” المطلوب أمام إنتاج روائي مميَّز وغنيّ، هو أن تحتضنه قراءة حوارية تجدد نسوغه وتستكشف أبعـاد متخيَّـلِه الواصل بين الأرض والسماء.”([4] ).

وذلك ما اضطلع به محمد أنقار من خلال حواره الذكي مع بعض أعمال نجيب محفوظ الروائية سواء فيما يتعلق باستلهامه الفضاء الروائي أو الشخصيات الروائية أو غيرها من مكونات الخطاب الروائي الأخرى. لقد قدمها لنا بنكهة مختلفة، تستلهم ولا تستنسخ، تبدع ولا تقلد. وهكذا يمكننا القول إن رواية «المصري» تعتبر إضافة جديدة إلى الرواية العربية المعاصرة، تتسم بالفرادة والخصوصية والتميز سواء على مستوى البناء أو الدِّلالة.  

إحالات:

[1] ـ أحمد فرشوخ، ورش الكتابة: أنموذج السرد، مجلة الراوي، العدد: 20، ربيع الأول 1430 هـ / مارس 2009 م. ص:85. والجدير بالذكر معاناة  فلوبير أثناء كتابته رائعته” مدام بوفاري”. و” مراسلاته حافلة بالملاحظات واللمحات حول معاناته وعذابه أمام الصفحة البيضاء ” (أنظر المرجع السابق نفسه والصفحة نفسها).

[2] ـ الكتابة ورحم التخلق، قراءة في رواية “المصري” لمحمد أنقار، نقلا عن موقع على الإنترنيت بعنوان: www.khayma.com

[3]  ـ  الرواية، ذاكرة مفتوحة ، ط.1 ، آفاق للنشر والتوزيع ، القاهرة، 2008، ص:  140 .

[4] ـ   نفسه، ص : 142 .

شارك هذا الموضوع

عبد الجبار العلمي

شاعر وناقد مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!