الوجود العربي في إسبانيا: حواضر منسية وأمجاد باقية
د. السفير – محمد محمد الخطّابي
عادةً ما ينصبُّ اهتمام الزائر العربي لإسبانيا على تفقُّد المدن الأندلسية الكبرى المعروفة أكثر من غيرها من المدن والحواضر الأخرى الأقل شهرة، رغم أنها عرفت هي كذلك حضوراً وإشعاعاً حضارياً وثقافياً وعمرانياً مهماً إبّان الوجود العربي والأمازيغي الإسلامي بشبه الجزيرة الإيبيرية. إذ غالباً ما ينصرف الاهتمام إلى مدن مثل قرطبة، وإشبيلية، وغرناطة، وطليطلة، ومجريط، وسواها من المدن والحواضر التي ترد على كل لسان كلما ذُكر اسم “الفردوس المفقود” لبُعد صيتها وشهرتها الواسعة في الماضي والحاضر على حدٍّ سواء.
عاش العرب في هذه المدن والحواضر والقرى والمداشر جميعها عيشة ازدهار ورخاء، كما عاشت الشعوب والأجناس الأخرى من نصارى ويهود فيها إلى جانبهم في انسجام ووئام. وبفضل التسامح العربي أمكن لتلك الشعوب أن تنسج نسيجاً اجتماعياً واحداً متعدّد الأجناس والأعراق فيما بينها في مختلف الأقاليم والمناطق الإسبانية التي كانت خاضعة للدولة الإسلامية في الأندلس. حيث كان الاهتمام العلمي والفلسفي للفيلسوفين المسلمين ابن طفيل وابن رشد يلتقي مع التطلُّع المعرفي والفكري لمريدهما وتلميذهما الفيلسوف اليهودي ابن ميمون. ويتوازى هذا الاهتمام مع شغف الملك المسيحي ألفونسو العاشر الذي كان يلقَّب بـ “الحكيم” أو “العالم” لهيامه وإعجابه وانشغاله بالتراث الإسلامي، والعطاءات الثرية للحضارة العربية في الأندلس.
وكانت مدرسة المترجمين بطليطلة في القرن الثالث عشر تضم بين حلقاتها العلمية والدراسية معلمين ومتلقين، ومدرسين ومريدين من كل الديانات والملل والنحل والأجناس على عهد هذا الملك نفسه وبإشراف وعناية منه شخصياً. وكان يؤمُّ هذه المدرسة وسواها من حلقات العلم في مختلف المناطق والأصقاع علماء الفقه والفلسفة والطب والهندسة والشعراء؛ بغض النظر عن كونهم مسلمين أم نصارى أم يهوداً. إذ كان جوُّ التلاقح الثقافي والتمازج الحضاري سائداً بحيث كان يشكّل علماء الأديان الأخرى جزءاً مكملاً في نسيج فسيفساء الثقافة الإسلامية الثرية المتعدّدة المشارب والألوان.
يقول “بلاسكو إبانييز”: «جعل العرب إسبانيا في ذلك العهد كالولايات المتحدة الأمريكية، يعيش فيها المسلم والمسيحي واليهودي بحرية تامة ومن غير تعصب. وعندما كانت دول أوروبا تتطاحن في حروب دينية وإقليمية فيما بينها، كان العرب والإسبان واليهود يعيشون بسلام كتلةً واحدة وأمةً واحدة، فزاد سكان البلاد حتى بلغوا في مدّة وجيزة ثلاثين مليوناً، وارتقى فيها الفن، وازدهرت العلوم وأُسست الجامعات. سكن ملوكها القصور، وعاش شعبها في الرخاء، بينما كان ملوك بلدان الشمال يبيتون في قلاع صخرية سوداء، وشعوبها تعيش في أحقر المنازل».
لنبدأ جولتنا في بعض هذه المدن والثغور والحواضر في شبه الجزيرة الإيبيرية التي لم تحظَ بشهرة واسعة مثل نظيراتها من المدن والعواصم الأندلسية الكبرى المعروفة الأخرى، رغم أنها عرفت هي كذلك حضوراً ثقافياً وحضارياً وعمرانياً عربياً بها، كما إنها تحفل بجليل المآثر والمعالم الإسلامية المهمة إلى اليوم.
اكتشاف مدينة عربية قديمة
من بين أهم الأحداث التي عرفها علم الآثار (الأركيولوجيا) في إسبانيا منذ بضع سنوات، وبالذات في منطقة مدينة مرسية، هو اكتشاف مدينة “سياسة” (Cieza) العربية التي ترجع إلى عهد الموحدين في القرن الثالث عشر الميلادي. تقع هذه المدينة على بُعد حوالي 40 كيلومتراً من مدينة مرسية، التي ينتسب إليها العالم الصوفي الكبير ابن عربي المرسي صاحب “الفتوحات المكية”، وإليها يُنسب كذلك القطب الولي الصالح أبو العباس المرسي دفين الإسكندرية.
وقد تم كشف الغطاء عن جزء مهم من هذه المدينة، وما زالت الحفريات جارية بالمناطق المتاخمة لها. ومن المنتظر أن تصبح هذه المدينة خير مثال لنماذج المدن العربية الأندلسية في القرون الوسطى. ويقدم لنا هذا الاكتشاف معلومات واسعة ومهمة حول مختلف مظاهر الحياة في ذلك الوقت، فضلاً عن معلومات تتعلق بطرق وأساليب البناء وفنون العمارة الأندلسية، والمواد المستعملة في الإعمار، والمنقوشات، والديكور، والأواني، والأدوات المنزلية وسواها من المعلومات الأخرى المفيدة. وكان الباحث المشرف على عمليات الحفر د. خوليو نافارو قد أكّد أن هذا الاكتشاف يعتبر من الأهمية بمكان؛ لأنه يقدم لنا معلومات جد مفيدة في عالم الحفريات الأندلسية، خصوصاً المتعلقة منها بالمدن والدور الشعبية في إسبانيا المسلمة.
سرقسطة حاضرة المقتدر
الوجود العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية لم يزدهر فقط في إقليم الأندلس وحسب، بل إن إقليم “آراغون” الذي يضم عدة مدن مثل “سرقسطة”، و”طرطوشة”، و”ترويل”، و”قلعة أيوب”، و”وشقة” إلخ… عرف فيه الوجود العربي هو الآخر ازدهاراً لا يقل أهمية عن مثيله في جنوب إسبانيا.
ففي مدينة سرقسطة بشكل خاص -على سبيل المثال لا الحصر- يوجد قصر “الجعفرية” (Aljafería) الذي يعتبر من أجمل القصور العربية في هذا الإقليم، وهو آية في الروعة والجمال، بناه الملك أحمد بن سليمان الملقب بـ “المقتدر” وكنيته أبو جعفر في القرن الحادي عشر الميلادي، ولهذا سُمي قصر الجعفرية نسبة إلى كنيته. واشتهر في التاريخ الإسلامي باسم (قصر السرور)، وقد رُصّع البهو الرئيسي بالقصر بالنقوش الذهبية البديعة وكان يسمى بالبهو الذهبي أو مجلس الذهب. يقول فيه مشيّده المقتدر:
قصرُ السـرورِ ومجلسُ الذهبِ … بـكُما بلغـتُ كفايـةَ الطـربِ
لو لـم يحُـزْ ملكـي خلافكـمـا … لكـان لديّ كفايـةُ الأرَبِ
إن مدينة ترويل التي يسميها المؤرخون العرب “بتروال” لم تعد المدينة المنسية التي يُشار إليها فقط على اعتبار المعارك الضارية التي عرفتها خلال الحرب الأهلية الإسبانية 1936-1939م، بل إنها مدينة -رغم عزلتها الجغرافية- تحفل بجليل الآثار العربية التي تتجلى في العديد من المعالم الباقية في المباني والآثار. بل إن الحضور الثقافي العربي بها ما انفك قائماً حاضراً في لهجة القروي، والعامل، والصانع، والفلاح، حيث ما زالت العديد من الكلمات العربية الأصل تتداولها الألسن حتى الآن. فضلاً عن أسماء الأماكن والمدن والقرى والمداشر المنتشرة في مختلف بقع هذا الإقليم الذي كان يعرف بـ “الثغر الأعلى”، حيث ظل قروناً عديدة هو الدرع الواقي من زحف المسيحيين في الشمال.
مدينة “بني رزين” (Albarracín)
كما كان اكتشافنا مفاجئاً ورائعاً لمدينة “سياسة” الموحدية في أرباض مرسية، فإن مفاجأتنا لم تكن أقل روعة عندما اكتشفنا كذلك مدينة “بني رزين” التي تبعد عن تروال حوالي 38 كيلومتراً، وهي مدينة تحتفظ بمظهرها العربي كما كانت عليه في القرون الوسطى بشوارعها الضيقة الصغيرة ومبانيها المتراصة المتداخلة، فضلاً عن أبراجها عربية الملامح والسمات. وهي من المدن القديمة التي ما زالت قائمة إلى يومنا هذا بعد التغيير الذي طرأ عليها عندما سقطت في أيدي الإسبان بعد نزوح العرب عنها.
لا يزيد عدد سكانها على بضعة آلاف نسمة. ويرجع اسم هذه المدينة إلى القبيلة البربرية “بني رزين” التي عاشت بها واستقرت في ربوعها في القرن الثالث عشر الميلادي، وآخر ملوكها حسام الدولة الرزيني. وهذا الاسم ما زال موجوداً في المغرب إلى يومنا هذا، فضلاً عن وجود قرية صغيرة بنواحي مدينة وزّان المغربية تُدعى “بتروال”. أما “آراغون” وهو اسم الإقليم، فإن هذا الاسم كذلك لا يزال منتشراً في مدينة تطوان المغربية بالذات.
أليكانتي والعالم الأندلسي “الشفرة” (Alicante)
ينتمي إلى مدينة “أليكانتي” (من الاسم العربي اللقنت) الطبيب العربي العالم الأندلسي محمد الشفرة، وقد أُطلق منذ بضع سنوات اسم هذا الطبيب على شارع كبير بالمدينة، كما يتم تنظيم مسابقات علمية بهذه المدينة كل عام حول أعمال هذا الطبيب العربي وإسهاماته في ميدان الطب في زمانه.
عاش محمد الشفرة عيشة بحث متواصل في ميدان العلوم والنباتات، وتذكر المصادر العربية أنه كان طبيباً بارعاً، كما يؤكد الباحث الفرنسي د. لوسيان لوكلير في كتابه الضخم حول “تاريخ الطب عند العرب”، أن محمد بن علي الشفرة لم يكن طبيباً وحسب، بل كان نباتياً كبيراً أيضاً يبحث عن النباتات الغريبة ويجمعها بنفسه كيفما كانت صعوبة الأرض ووعورتها. وكان طبيباً لبعض الأمراء والملوك، ويملك في مدينة “وادي آش” حديقة نباتية من طراز رفيع كان يجري فيها أبحاثه وتجاربه.
المنكّب: ثغر صقر قريش (Almuñécar)
مدينة المنكّب: (بالضم ثم الفتح وتشديد الكاف وفتحها وباء موحدة، من نكّبت الشيء فهو منكب كأنك تعطيه منكبك) وهي من أصل عربي فصيح، تُسمى اليوم “ألمونييكر”، وهي منتجع سياحي معروف يؤمّه الآلاف من السياح على امتداد الحول نظراً لطقسه الاستوائي المعتدل. يقع هذا الثغر الجميل على بُعد 80 كلم من مدينتي مالقة وغرناطة.
وأول ما يثير الانتباه في هذه المدينة ويفاجئ الزائر العربي ويملأه فخراً واعتزازاً هو تمثال عبد الرحمن الداخل (صقر قريش) 755-789 م، الذي ينطلق في الفضاء شامخاً بمحاذاة شاطئ البحر الأبيض المتوسط في عين المكان الذي نزل فيه أرض إسبانيا ووطأ أديمها أول مرة في هذا الساحل بالذات. وعلى رخامة تحت أقدام التمثال كُتبت باللغة الإسبانية ترجمة الأبيات الشعرية الجميلة التي قالها عبد الرحمن الداخل عندما تبدّت له نخلة ذات مرة وهو حديث العهد بالوصول إلى أرض الأندلس وهي:
تبـدّت لنـا وسـط الـرصافـة نخلـةٌ … تـناءت بأرض الـغرب عن بـلد النخلِ
فقلت شـبيهي في التغـرّب والنّـوى … وطول التنائي عن بـنيّ وعن أهلي
نشـأتِ بأرض أنتِ فيـها غـريبـةٌ … فمـثـلكِ في الإقصاء والمـنتأى مثلي
وقد أصبح “لقاء مدينة المنكب الثقافي” حدثاً تقليدياً يُنظم كل حول، تُسلط فيه الأضواء على العديد من المواضيع التي لها صلة بالوجود العربي بالأندلس، وتم تنظيم العديد من اللقاءات بهذه المدينة دارت حول فن العمارة في الأندلس بشكل خاص، والطب الأندلسي، فضلاً عن لقاءات أخرى حول الشعر والأدب والتاريخ.. إلخ.
