بصدد الخيانة والتخوين والاغتيال المعنوي
عبد الرحمان الغندور
في صميم النقاش العمومي في المغرب، يطفو على السطح مفهوم الخيانة والتخوين، ليس كمصطلحين مجردين، بل كإشكالية حقيقية تمسك بتلابيب الواقع وتستفز الضمير الجمعي. حتى أصبحت الخيانة والتخوين كلمات جاهزة بين الناس في جميع الفضاءات وفي كل نقاش يسوده الاختلاف وتباعد التقديرات. وأصبح البعض يسقط مفهوم الخيانة بشكل مجاني على كل من يعبرون عن آراء مخالفة أو يفكرون خارج الصناديق المعلومة أو وراء الخطوط الحمراء.
هنا، لا بد من إعادة تشكيل مفهوم الخيانة والتخوين؛
الخيانة ليست هي الكلمة النقدية أو المقالة الجارحة، ما دامت تراعي احترام حق الاختلاف. إنها، على العكس من ذلك، جريمة تحدث في الخفاء وفي العلن، تلبس أثواباً رسمية وتختبئ وراء المكاتب الفخمة والقرارات الإدارية المعقدة، والتشريعات والمراسيم والظهائر. إن قلب مفهوم الخيانة ينبض في صدر الفساد، الذي هو العدو الأول للوطن، والخونة الحقيقيون هم من ينهشون جسد الأمة من الداخل.
هم ليسوا أولئك الذين يرفعون أصواتهم محذرين ومنتقدين ومعارضين، بل هم من يسرقون بكل صمت وسخرية. إنهم من ينهبون ثروات البلاد، لا فرق بين ذهب منجم أو أمل طفل في تعليم يليق به. فسرقة أموال المخططات الخضراء والزرقاء، ومخططات التنمية البشرية، والمخطط الاستعجالي للتعليم… الخ ليست مجرد اختلاس لأرقام في ميزانية، بل هي قتل متعمد للأرض الفلاحية والبحر المنتج للثروة، وللمدرسة العمومية وغيرها، إنه اغتيال لمستقبل أجيال بكاملها، ولحقها في التنمية المستدامة.
وتمتد الخيانة لتطال الأرض والثروة الوطنية، فنهب الأراضي وبيع شركات الوطن وتخريبها عبر تفويتات مشبوهة هو بمثابة تفريط في السيادة الاقتصادية وتبديد للثروة الوطنية. كما أن الغش في الصفقات كالطرقات والبنيات التحتية، هو غش في أمن الناس وحياتهم، وهو خيانة تتجسد مع كل كارثة تقع.
ولا تقل عن ذلك فداحة، خيانة من ينهبون صفقات وزارة الصحة، محولين المستشفيات العمومية إلى بنايات جوفاء بلا روح، تفتقر لأبسط مقومات الكرامة الإنسانية. إن سرقة دواء مريض أو حرمان مستشفى من جهاز طبي هو عمل لا يختلف عن طعنة في ظهر كل مواطن غيور على صحته وصحة أسرته. إنها خيانة تتجلى في معاناة يومية يعيشها الناس أمام أبواب المستشفيات، وهي صورة لا تخطئها عين عن الانهيار الأخلاقي قبل الإداري.
ولعل أخبث أنواع الخيانة هو ذلك النوع الذي يدفع بالعقول والكفاءات إلى الهجرة، حين تستبدل الكفاءة بالمحسوبية، ويوضع غير الأكفاء في مراكز صنع القرار. إن طرد العقول المغربية هو استنزاف متعمد لمستقبل البلاد، وإعلان عن رفض التقدم والتميز لصالح الولاءات الضيقة والفساد. إنها جريمة لا تقل عن تسليم مفاتيح البلاد للغرباء.
وهذه الآلة الوحشية للفساد لا يمكن أن تدوم دون غطاء ودون حصانة. لذا، فإن من يحمي هذا الفساد ويسهل له الطريق، ويشرع له القوانين التي تحميه من المساءلة، هم خونة من النوع الممتاز، هم العقل المدبر لجريمة يدفع ثمنها الملايين. إنهم من يحولون الديمقراطية إلى مسرحية هزلية، ومجرد واجهة تخفي وراءها الاستبداداً والنهب المنظمَين.
وفي هذا المشهد، يأتي دور أخطر، دور من يبيعون القلم ويتاجرون بالكلمة. إنهم من يأخذون المال باسم الصحافة أو الثقافة لتشويه سمعة كل صوت حر وشريف، محولين مهنة البحث عن الحقيقة إلى أداة للتضليل والتلميع. ولكن الأخطر على الإطلاق هم من يغطون الحقيقة بكاملها، أولئك الذين يعرفونها لكنهم يختارون الصمت، أو يروجون للأكاذيب. هؤلاء هم، حقاً، أكثر خطراً على الوطن من الجميع، لأنهم يقتلون آخر أمل في الإصلاح: أمل معرفة الحقيقة.
وهكذا، يتجلى مفهوم الخيانة في المغرب، ليس كتهمة جاهزة لإسكات الأصوات، بل كوصف دقيق لأفعال تقتل الوطن بصمت. إنها حرب يخوضها الفاسدون ضد الشعب والوطن والدولة بجميع مؤسساتها، والخيانة فيها هي أن تقف متفرجاً أو أن تكون جزءاً من آلية التدمير هذه.
علينا ان نعيد تعريف الوفي والخائن؛ فالوفي هو من يواجه هذه الآلة حتى وإن اختلفنا معه، والخائن هو من يصنعها ويديرها أو يبررها أو يسكت عنها حتى لو نال كل أوسمة الزيف.
