بعين الداخل لا بعين الخارج.. إلى أين يتجه المغرب بكل مؤسساته؟

بعين الداخل لا بعين الخارج.. إلى أين يتجه المغرب بكل مؤسساته؟

عبد الرحمان الغندور

          يتطلب الدفاع عن المغرب، أن نحول نظرتنا من الخارج إلى الداخل، أي  من ما ينشر عن الوطن ومؤسساته، إلى ما يعيشه الوطن بجميع مكوناته وأجهزته وهياكله، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا… فليس كل ما يقال عن المغرب مجرد مؤامرة، وادعاءات ومحاولات لتشويه صورته وصورة مؤسساته، بل إن الرؤية الباطنية من الداخل تجعل المتأمل في الحالة العامة اليوم يقف على مفترق طرق حاسم، تتجاذبه رياح التحديات من كل صوب، في مشهد معقد يجمع بين الضعف الاقتصادي العميق والهشاشة الاجتماعية المتفاقمة، ويهيمن عليه شبح فقدان الثقة بين مكونات المجتمع والدولة، في ظل استشراء ظاهرة الفساد التي أصبحت تهدد كيان الدولة ذاته. هذا المزيج الخطير يطرح أسئلة مصيرية عن اتجاه المغرب ومآله في ظل هذه العواصف المتلاحقة.

فحين نفتح عيوننا كمواطنين، بدون الاعتماد على عيون أجنبية، فإننا نرى أنه لا يمكن فصل دوامة الانهيارات هذه عن بعضها البعض، فهي حلقات متصلة في سلسلة واحدة. فالضعف الاقتصادي يظهر جلياً في معدلات النمو الهزيلة التي لا تستطيع مجاراة الطموحات التنموية أو استيعاد الطاقات البشرية المتعطشة للشغل، حيث يعاني الاقتصاد من هشاشة هيكلية تجعله رهيناً لتقلبات المناخ وسوق المواد الأولية، وعاجزاً عن خلق دينامية إنتاجية حقيقية تقوم على التصنيع والابتكار، واستيعاب البطالة، خاصة في صفوف حاملي الشهادات والشباب، والتي أصبحت قنبلة موقوتة تنذر بانفجار اجتماعي في أي لحظة، أمام الفوارق الطبقية التي تتعمق يوماً بعد يوم، مما يغذي الشعور بالظلم والإقصاء.

هذه الوضعية الاقتصادية المتردية، التي نراها يوميا بعيون المواطن، وليس بعيون الخارج، تقود حتماً إلى هشاشة اجتماعية خانقة، حيث تتراجع القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والفقيرة تحت وطأة الغلاء وارتفاع الأسعار، فيما الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وسكن لا تستجيب للحاجيات الدنيا للمواطنين. وأصبح التعليم، الذي يفترض أن يكون قاطرة للتنمية والحراك الاجتماعي، يعاني من أزمة عميقة تنتج أجيالاً محبطة تفتقد لأبسط المقومات المعرفية والمهنية. أما النظام الصحي فهو على حافة الانهيار، أمام استقالة الطب العمومي لفائدة المصحات الخاصة وعجزه عن تلبية المتطلبات الضرورية للمواطنين.

وفي خضم هذه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يطفو على السطح عامل آخر لا يقل خطورة، وهو أزمة الثقة بين الدولة والمواطن. لقد تراكمت على مدى السنوات الأخيرة خيبات أمل متتالية جعلت المواطن يفقد الثقة في جدية الخطابات الرسمية ووعود الإصلاح، بما فيها الخطابات الملكية، وأصبح هناك هوة سحيقة بين ما يُعلن في الخطابات وما يُطبق على أرض الواقع. هذه الأزمة لم تأت من فراغ، بل هي نتاج تراكم ممارسات وسياسات قصرت في استيعاب مطالب المجتمع وتحولاته، وغياب الحوار الحقيقي والفاعل بين جميع الأطراف.

أما الفساد فهو الورم الخبيث الذي يغذي كل هذه الاختلالات. لقد تجاوز الأمر حالات فردية ليتحول إلى منظومة متشعبة تمسك بخناق مؤسسات الدولة وتستنزف ثرواتها. الفساد الكبير والصغير أصبحا جزءاً من الثقافة اليومية، مما أدى إلى تشويه المنافسة الشريفة وهدر المال العام وإفشاء ثقافة الريع والزبونية على حساب الكفاءة والنزاهة. هذا النهب المنظم للثروات لا يضعف الاقتصاد فحسب، بل يقتل الأمل في نفوس الناس ويقتل أي إمكانية للتغيير من داخل النظام نفسه.

خطر هذه الانهيارات المتلاحقة لا يقتصر على جانب دون آخر، بل يهدد بانفجار شامل قد يؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة برمتها. عندما تفقد الدولة شرعيتها في عيون مواطنيها، وعندما يعم الشعور باليأس والإحباط، فإن الساحة تصبح خصبة للصراعات والاحتقانات التي قد تقود إلى فوضى عارمة لا يُحمد عقباها. المغرب، بموقعه الجيوسياسي الحساس وتحدياته الأمنية والاجتماعية، لا يمكنه تحمل الدخول في منطقة الأعاصير هذه، والتي قد تجره إلى مصائر مشابهة لما حدث في دول أخرى في المحيط الإقليمي.

التحدي الأكبر الذي يواجه المغرب اليوم هو كيفية الخروج من هذا النفق المظلم. فهل يمكن أن تشكل الانتخابات والتناوب السياسي آلية حقيقية للتغيير أم أنها مجرد ديكور ديمقراطي يخفي تحته استمرارية نفس المنطق؟ هل هناك إرادة حقيقية لدى النخب بكل أطيافها للإصلاح أم أن المصالح الضيقة هي التي تتحكم في القرار؟ الأسئلة كثيرة والإجابات غير واضحة.

المغرب بلد عريق بتاريخه وحضارته، ويمتلك طاقات بشرية هائلة وإمكانيات كبيرة يمكن أن تنقذه من الهاوية. لكن إن استمرت الأمور على هذا المنوال، دون وقفة جادة وشجاعة لمراجعة المسار، فإن السيناريوهات المتشائمة هي التي ستفرض نفسها. فالخروج من هذه الأزمة الشاملة يتطلب جرأة في الاعتراف بالأخطاء، وإرادة سياسية حقيقية للإصلاح، وقطعاً مع سياسات الترقيع والمسكنات المؤقتة، وإشراكاً حقيقياً للقوى الحية في المجتمع في صنع القرار. كما يتطلب محاربة الفساد ليس بالخطابات فقط، بل بإرادة قضائية وسياسية فولاذية تستعيد المال العام وترد الاعتبار للثقة بين الدولة والمواطن.

إن الرهان على الشباب، على التعليم، وعلى الاقتصاد المنتج، وعلى العدالة الاجتماعية، وعلى الشفافية والمحاسبة، هي الدروب الوحيدة التي يمكن أن تقود المغرب إلى بر الأمان. وبدون ذلك، فإن السفينة قد تظل تتهاوى تحت ضربات الأمواج العاتية، إلى أن يأتي اليوم الذي لا تنفع فيه التحذيرات ولا تنجح فيه المحاولات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. مستقبل المغرب معلق بين خيارين: إما الانطلاق نحو آفاق التنمية والاستقرار عبر إصلاح حقيقي وجذري، أو الركون إلى الوضع القائم والمخاطرة بالدخول في منطقة الزوابع والأعاصير التي لا تبقي ولا تذر.

القرار الآن بين يدي الملك قبل أن يفوت الأوان.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحمان الغندور

كاتب وناشط سياسي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!