بكائية كان يا ما “كان” في حديث الزمان!
إسماعيل طاهري
عودوا إلى الحقيقة..
لقد ضحكوا علينا وعليكم.. وهكذا يفعلون. هذه الليلة كانت فرصة للعودة إلى الواقع الذي لا يرتفع.. الرياضة الحقيقية تُلعَب في الساحات والوديان والوهاد، وليس في الملاعب المكيفة البراقة، وليس في مدرجات الحقد والضغينة واختلاق صراعات ومعارك وهمية؛ فكل الديكتاتوريات تبحث عن شرعيتها في الرياضة الرسمية الصناعية. لو كانت هذه الديكتاتوريات تفهم معنى الرياضة لما أخرجتها من المدارس والثانويات والكليات.. ولما أقبرتها في الأحياء والساحات العمومية وأزقة الحارات والحومات وجنبات المداشر والدواوير.
لو فزتم لما سمعتم مثل هذا الصوت النشاز في جوقة الشرف المزيفة.. والآن ستقولون قال “أقصبي”، وأفاد “اليساريون” – وأنا واحد منهم – أن الرياضة أفيون الشعوب، ليس الرياضة كممارسة وإنما كفرجة، كلعبة سباق خيول، كيا نصيب تلوح بها الرياح.
عودوا إلى رشدكم.. إلى اقتصادكم وإلى سياستكم.. وإلى نمط حكمكم.. لتروا الحقيقة، لقد انقشعت الغيوم وعاد النجم الأصفر إلى السطوع ليبخر قطرات “الكان” (CAN) الذي كان أضغاث أحلام.
أعرف أنكم لو فزتم بضربة جزاء لزدتم في تضييق الخناق على غلابة الشعب، ولانتفخت بطون تجار الوطنية بالعملات الصعبة. ها هو الصباح قد بزغ بلا لف ولا دوران، نوره ساطع، فذكرونا بأرقام النمو العالي ونسبة الرخاء وبرامج انتهاء أمراض الصحة وجهل التعليم وبداوة الصناعة وموت التكنولوجيا… أين النتائج الفاخرة للنموذج التنموي الجديد؟
انتهت الحكاية وبدأت المأساة.. قدموا لنا ماذا جنينا من هذا الذي “كان“.
عَوْدٌ على رأس فاكهة المأساة
في زحمة الحياة ننسى أنفسنا، ولا نكاد نذكر أغانينا الجميلة، كما ننسى عناوين أحبتنا المنسيين في ذاكرتنا المثقوبة.. وفي حزننا المعتق في الخميلة. ننساق وراء التافهات النسبيات الزائلات، نهتبل الجدية الزائفة والصلابة الثقيلة، وكذا التعايش مع الرذيلة.
وعندما نضحك لا تصل أنفاسنا إلى الأعماق؛ فلا وقت لنا للقفشات وبراءة زمان حين كنا صبيانًا وتلامذة أو طلابًا “نربي الأمل” في زنازين محمود درويش. نحس سريعاً بأن كل ما يحيط بنا مزيف إلى درجة القرف! لا نقوى على فتح قنوات ود جديدة.. لقد أصبنا بزكام الاحتباس الوجودي.
نحس أن ما لنا من علاقات وهويات إنسانية بات رخواً بل قاتلاً.. وننافق كأننا خاليي الذهن لنصمد قليلاً ونساير، ونداهن حتى لا ننكسر في منتصف المنحدر الشهيق الذي يطوق وجودنا.. وننهزم بلا شرف، حتى صارت مقاومتنا رخوة مثل ورقة “الجوكير” في لعبة “الرامي”، نبرر بها كل شيء، ونعايش لوجهها الأخاذ الشيء وضده… ولا مجال لنا لأخذ أنفاسنا لنفكر بعقل وروية وبعد خيال… إلا بعد فوات الأوان.
وأمام كل هذا الابتذال الذي نعيشه بوعي وبدون وعي، أصبحنا شركاء في الكارثة، اشتراكيين في الجريمة، شيوعيين في الوليمة الفاسدة، لأننا نصالح الأمل بالإحباط، ونخلط السلطوية بالديمقراطية… ونحسب الكفر إيماناً، وما نحن إلا متعبون، منهكون، فاقدون للبوصلة والسيطرة وجدول الأعمال.
لقد تحولنا إلى “ماكينات” استهلاكية تتقيأ كل ما يطالها من أضواء وإشارات وتغريدات و”جيمات” وفيروسات وكيماويات ووضعيات تواصلية رثة.. صرنا رماديين بلا مجد في عالم “الترند” الزائف. لم تعد أدمغتنا قادرة على النوم قليلاً ثم تستيقظ لتدلنا على الطريق الصحيح للخروج من هذا الدمار الذي يصنعنا ونصنعه بأفواه مفتوحة.
“ضاع المجداف وامتلأ الزورق ماء ولجّ في الخفقان” كما قال الشاعر محمد الحلوي.
ليس لي ما أحتفل به تبخر كل شيء تجمد كل حلم في السريرة تسمر كل متحرك في “الحريرة“.
قد أهتبل التهاني قد أمتطي صهوة الفرح قد أخط الأماني في دفتر الجرح بمرح ولكن عقلي متعب بالفداحات وقلبي منفطر بالتفاهات.
فلا ديراً يديرني أو يأويني ولا جامعاً يجمعني من هذه الحيرة ولا كنيسة أو كنيساً يكنسني من هذه المدينة/ المقبرة.
لقد طال هذا الوجع مثل حزن قُبرة أو بجع. فبِمَ تأتي الحياة إليّ راقصة؟ قبل أو بعد ثورة رُضّع مثل أميرة ساخطة على نار بعبع.
