بنكيران وبوريطة: عندما تقع الدبلوماسية في فخ السياسة الداخلية

بنكيران وبوريطة: عندما تقع الدبلوماسية في فخ السياسة الداخلية

أحمد لعيوني

         أثار الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، عبد الإله بنكيران، جدلاً سياسياً جديداً عقب نشره مقطع فيديو على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك، وجّه فيه انتقادات مباشرة إلى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، على خلفية قيادة المغرب لبرنامج يتعلق بمكافحة خطاب الكراهية المرتبط بالحرب على غزة داخل إحدى الهيئات الدولية المعنية بالسلام، وذلك بدعوته إلى تغيير البرامج والمناهج الدراسية لنشر التسامح ومنع الكراهية.

سياق الانتقاد: غزة كمدخل للمساءلة السياسية

جاءت مداخلة بنكيران في سياق إقليمي شديد الحساسية، حيث ما تزال الحرب على غزة تشكل محوراً مركزياً في الرأي العام العربي والمغربي على حد سواء. وقد اعتبر بنكيران أن تولي المغرب مبادرة دولية مرتبطة بـ”مكافحة خطاب الكراهية” في ظل ما يجري في القطاع يطرح، بحسب تعبيره، إشكالاً أخلاقياً وسياسياً.

فخطاب بنكيران لم يكن موجهاً فقط إلى شخص وزير الخارجية، بل حمل في عمقه تساؤلاً حول طبيعة التموضع الدبلوماسي المغربي في لحظة دولية مشحونة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضية تحظى بإجماع شعبي واسع داخل المغرب.

بين الدبلوماسية الرسمية والنبض الشعبي

ركز بنكيران في كلمته على فكرة مفادها أن مكافحة خطاب الكراهية، وإن كانت مبدئياً قيمة إنسانية نبيلة، فإنها – في نظره – قد تُفهم دولياً كنوع من المساواة بين الضحية والجلاد إذا لم تُؤطر سياسياً بشكل واضح يراعي سياق العدوان والحرب.

ومن خلال مخاطبته المباشرة للوزير بوريطة، حاول الأمين العام للعدالة والتنمية إبراز ما اعتبره فجوة بين الموقف الرسمي الذي تحكمه اعتبارات دبلوماسية معقدة، والموقف الشعبي المغربي المتعاطف بقوة مع الفلسطينيين.

خطاب موجّه للداخل أكثر من الخارج

تحليل مضمون الفيديو يكشف أن الرسالة الأساسية لبنكيران تبدو موجهة أساساً إلى الداخل المغربي، وليس إلى المؤسسة الدبلوماسية وحدها. فالرجل يسعى إلى إعادة تموقع حزبه داخل النقاش العمومي المرتبط بالقضايا الدولية ذات البعد القيمي، خصوصاً بعد تراجع حضوره المؤسساتي منذ انتخابات 2021.

وبذلك، يتحول ملف غزة إلى مساحة لإعادة بناء خطاب سياسي قائم على الدفاع عن “الانسجام الأخلاقي” بين السياسة الخارجية ومشاعر المجتمع.

حدود النقد في نظام التوازنات

ورغم حدة الانتقاد، حافظ بنكيران على أسلوب يجمع بين النصح السياسي والانتقاد غير التصادمي مع المؤسسات العليا للدولة، وهو أسلوب يعكس إدراكاً لطبيعة تدبير السياسة الخارجية في المغرب باعتبارها مجالاً سيادياً تُحدد توجهاته الاستراتيجية على مستويات تتجاوز الفاعل الحزبي.

وأخيراً، يمكن القول إن فيديو بنكيران يعكس عودة واضحة للخطاب السياسي القائم على القضايا الكبرى ذات الرمزية الجماهيرية، حيث تتحول الدبلوماسية إلى موضوع نقاش داخلي حول القيم والتمثيل السياسي.

فالجدل الذي أثارته تصريحاته لا يتعلق فقط ببرنامج دولي لمكافحة خطاب الكراهية، بل يكشف عن سؤال أعمق: كيف يمكن التوفيق بين ضرورات العمل الدبلوماسي وتعقيدات التوازنات الدولية من جهة، وانتظارات الرأي العام الوطني من جهة أخرى؟

وفي هذا التقاطع تحديداً، يتشكل اليوم أحد أبرز وجوه النقاش السياسي المغربي المعاصر.

شارك هذا الموضوع

أحمد لعيوني

مؤرخ منطقة امزاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!