بين الأيديولوجيا والبراغماتية: صداقة الإسلامي عبد الإله بنكيران واليساري محمد الساسي

بين الأيديولوجيا والبراغماتية: صداقة الإسلامي عبد الإله بنكيران واليساري محمد الساسي

عبد الرحيم التوراني

لا شك أن التاريخ نهر جارٍ لا يعود إلى الوراء، ولا يبالي بالتأسف أو الندم. لقد رسم الشاعر الكبير محمود درويش هذا اليقين بقوله: “ما كان سوف يكون، مؤكدًا حتمية الأحداث الكبرى، سواء كانت فيضانًا هادئًا أو تسونامي مدمرولكن، لماذا نكتفي بمراقبة النهر وهو يجري؟ إن لعبة ماذا لو” ليس إنكارًا للتاريخ، بل هي تمرين للعقل، ونافذة لخيالنا السياسي. إنها قد تسمح لنا بفهم منطق الحتمية، عندما نتخيل مسارًا بديلًا، يتضح لنا بشكل أكبر لماذا سار التاريخ في طريقه الأصلي بالذات. إن تغيير عامل واحد في المعادلة يكشف لنا عن نقاط الضعف والقوة في النظام السياسي الذي نحاول تحليله.   لن نخسر شيئًا في هذه المغامرة الفكرية. بل سنربح عمقًا في التحليل والقدرة على رؤية الخيارات غير المُتخذة…  

       ليست هذه أول مرة تقع عيني على تلك الصورة القديمة، لكنها هذه المرة لم تمر مرور الكرام، بل رست في عمق ذهني كعلامة تكشف عن مفارقة الزمن القاسية.

اللقطة بتفاصيلها العتيقة، بمثابة فلاش باك يضيء لحظة “منسية”، لكنها تحمل عبق الماضي، إذ تجمع شابين في مقتبل العمر، وهما على أعتاب تشكيل الذات.. عبد الإله بنكيران ومحمد الساسي.. يقفان معًا، على منصة أحلام متشابكة، يتشاركان القرب في العمر (بين 17 و18 تقريبًا). وكأنهما توأم روحي لم يدرك بعد مصيره.

لكن الكنزة المطوّقة لرقبة بنكيران، وقميص الساسي المتحرر، لم يكونا مجرد أزياء، لعلها كانت إشارة مبكرة لبذرتي الاختلاف التي ستنبتان لاحقا وتفصلان بينهما فصلاً جذريًا.

 بين الخفوت والتوهج

إن المشهد لا يكتمل دون الالتفات إلى تلك الابتسامة المرسومة على وجه كل منهما. ولن نعمد إلى تحليل شكلها أو تفاصيلها، لكننا نستشعر بكونهما ابتسامتين لا تنبعان من معين واحد، ولا تعبران عن المعنى الواحد.

ابتسامة الشاب عبد الإله، قد تحمل في طياتها شيئًا من التفاؤل الحركي، أو يقين الباحث عن موطئ قدم.

أما ابتسامة السي محمد، قد تكون ابتسامة المتمرد الهادئ، أو المفكر الساخر الذي يحمل بداخله بذور الاعتراض على الواقع.

 مهما كان تفسيرنا، فإن هذه الملاحظة الوجيزة تؤكد أن الشابين، حتى وهما يتشاركان اللقطة، كانا يحملان عالمين داخليين مختلفين، ومفاهيم متباينة للسعادة واليقين، وربما حتى للحقيقة ذاتها.

كل شيء في الصورة يشي بالانقسام القادم، من الكنزة المغلقة إلى القميص المفتوح، وصولاً إلى خُفوت ووهج الابتسامة.

فحين بدأ نهر الحياة بالجريان، افترق الشابان ليتبع كل منهما نداءه الأعمق..

بنكيران ركب سفينة الحركة الإسلامية، بحثًا عن الحقيقة في سياق التنظيم الديني والسياسي. لم يكن يدري أن مساره سيوصله إلى الإدماج والشرعنة.. وإلى أن يصبح جزءًا من اللعبة، ليقود التيار الإسلامي إلى قلب السلطة، متوافقًا مع “القصر” ومُتصالحًا مع قواعد اللعبة.

أما الساسي، فقد انحاز إلى اليسار الراديكالي والجذري. كان يبحث عن التغيير عبر الصدام والمقاومة الفكرية. هو يمثل تيار المعارضة الإيديولوجية التي ترفض أي توافق جوهري مع النظام القائم، مفضلاً النضال الطويل على التسوية السريعة.

 إن هذه المفارقة بين المتُصالح والمندمج”، و”الراديكالي الرافض”، هي السر الكامن خلف الصورة القديمة. لقد جمعتهما لحظة عابرة ليصبح كل منهما على النقيض التام للآخر في أهم المنعطفات التاريخية للمغرب.

 لن نتمادى في إنتاج قراءة سيميائية، ونحن لا نملك أدوات توليد أنساق علاماتها وأدلتها ورموزها.. ذلك سيمثل اعتداء من جانبي على مجال يتقنه جيدًّا صديقنا العالم د. سعيد بنكراد. لكن ما يناسب فهمي المتواضع، هو أن هذه اللحظة العابرة تحمل في طياتها بذرة الاختلاف الذي سيشتد لاحقًا، وهو ما سأحاول أن أخوض في تتبع أثر مساره المشترك والمفترق، بين عبد الإله بنكيران، الصاعد من الحلقيات الدعوية إلى القمة، ومحمد الساسي، الراديكالي القابع في جمر الإيديولوجيا اليسارية.

 تذكرتُ فورًا تصريح الساسي، وهو بصدد فكّ شفرة اللقطة بمرارة: “دلالة الصورة كانت تفرض أن الذي كان سيكون في الصف الحداثي التقدمي هو ابن كيران، وفي الصف المحافظ الديني هو أنا”..  ثم ختم: “لكن بعدها تغير المسار.

 هذه المرة، لم أكتفِ بالمرور على الكلمات. تأملتُ في الصورة جيدًّا، وتساءلتُ بلهفة: ماذا لو حدث فعلاً ما فكر فيه الساسي؟

لو سار بنكيران في درب التقدمية، لكان حزب الاتحاد الاشتراكي، بلا شك، على رأسه اليوم كاتب أول يحمل اسم “الأخ المناضل عبد الإله بنكيران”. لعله كان سيمنح التنظيم صلابةً في الخطاب وجرأة قيادة يفتقدها.

 أما محمد الساسي، لو أصبح إسلاميا، فمن المستبعد أن يتولى قيادة العدالة والتنمية، لأننا نعرف أنه شخص يحب دائمًا أن يبقى في الظل، في موقع “صانع الأفكار” لا حاملها الأوحد. فباستثناء فترة قيادته للشبيبة الاتحادية، ظل الساسي دائمًا يرفض الأضواء.. وشاهدناه يرفض الترشح لمنصب الأمانة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، كما رفض قيادة حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي. الساسي لا يقود الموجة أو يركبها، بل يراقبها من الشاطئ. لعله يؤمن بأن البقاء في الظل، أو في مساحة المعارضة النقدية، مسألة إيجابية للحفاظ على نقاء المبدأ وفاعلية الرؤية النقدية.

بخلاف صديقه القديم (بنكيران) الذي يرى أن التقدم إلى الواجهة مسألة إيجابية للحظة التاريخية، حيث استغل الفرصة لإحداث تغيير شكلي وخدمة أجندة حزبه، حتى لو كانت براغماتية.

 مفارقات لا يصدقها عقل

في لعبة السياسة، تغيير المواقع أمر مبتذل، فالتحالفات تتغير مع تغير مصالح السلطة. لكن ما يجذب العقل ويأسر الخيال حقًا هو التغيير غير العادي، الاستدارة بزاوية 180 درجة.. أن يمزق شخصٌ جلده الأيديولوجي القديم ليلبس هوية مضادة تمامًا. هذا التحوّل من الفكر اليساري الجذري، والعلمانية الصارمة، إلى الفقه الديني والإسلام السياسي المتشدد (أو العكس)، هو شبح يطارد تاريخنا العربي.

على امتداد مساحتنا العربية، تقف هذه السير كشواهد على قوة الانكسار الفكري:

– منير شفيق من فلسطين، مفكر ماركسي راديكالي، سيتحول رغم أصوله المسيحية، إلى واحد من أبرز منظري التيار الإسلامي. كأنه بحث عن أرض أكثر صلابة للثورة فوجدها في النص. 

– حسين مروة من لبنان، النموذج المعاكس الأكثر درامية، حيث انسلخ من جبة وعمامة التدين الشيعي ليصبح باحثًا عن الحقيقة في النقد المادي الماركسي، ليغتال شهيدًا على سرير بيته.

المفارقة أننا شاهدنا رقصة التحولات هذه مرارًا في المغرب، حيث تتحول الأيديولوجية إلى ورقة تبحث عن فاعل، أو طوق نجاة:

– الشاعر محمد الحبيب الفرقاني، (صاحب “نجوم في يدي”)، المناضل الاتحادي الصلب الذي ناهض الاستبداد وعذب العذاب الأليم في أقبية سنوات الرصاص، شوهد في أواخر حياته يدعم الإسلاميين في معارضتهم لـ”خطة إدماج المرأة”.. كأنه أعلن أن إرثه اليساري عجز عن تقديم الإجابة، فبحث عنها في الضفة المضادة. 

– محمد طلابي، من قلب المكتب السياسي لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، تحت قيادة المقاوم محمد بنسعيد أيت يدر.. قفز طلابي إلى حضن حزب العدالة والتنمية ليصبح أحد منظريه. تحول يبدو منطقيًا ومحسومًا لمن يدرك أن القناعات الراسخة قد تنهار أمام مشروع أيديولوجي جديد يقدم “حلولاً” جاهزة للوصول إلى السلطة. 

– عبد الصمد بلكبير، اليساري السابق، تحول إلى “جاسوس” بنكيران ومستشاره السياسي، مزوّدًا إياه بـ”نمائم” الحاضر مع الماضي، وملفات ومعلومات عن قواعد وأقطاب وذهنية اليسار. هنا، يصبح التحول وظيفيًا بامتياز، حيث يُستغل الماضي ليخدم الحاضر المُضاد بشكل فعّال. 

لكن التحول الأكثر مأساوية ودموية يبقى مرتبطًا بعبد الكريم مطيع، المفتش التربوي، الاتحادي الذي بعد إحباطه وخسارته لرهان رئاسة النقابة الوطنية للتعليم، لحظة تأسيسها (1966)، انقلب على كل شيء. انتقل من يساريته إلى تأسيس “الشبيبة الإسلامية” التي قادت بعض الشباب إلى حافة التطرف، وبلغت ذروة مأساتها باغتيال القائد الاشتراكي الشهيد عمر بنجلون.

هرب مطيع ولا يزال لاجئًا، لكن قصته ظلت حاضرة، تحكي كيف يمكن للانتقام الشخصي أو الإحباط العميق أن يقود إلى التخلي عن الإيديولوجية والارتماء في أحضان التطرف المُدمّر.

 وبعيدًا عن هذه الأسماء اللامعة، يظل السؤال يراودنا دائمًا عن تلك الجموع المغمورة التي انتقلت من ضفة إلى أخرى مناقضة.. هل هو إيمان جديد يولد، أم هو مجرد بحث عن ملجأ، أم إعلان فشلٍ في تحقيق الذات داخل أيديولوجية مهزومة؟

تلك الصورة القديمة، التي تجمع بنكيران والساسي، تهمس بأن المسار ليس قدرًا محتومًا، بل هو اختيار، يدفع أحيانًا إلى مفارقات لا يصدقها عقل.

 الحاجة إلى ضوء لا إلى عطر

لا شك أن المسار التاريخي للمغرب عبارة عن شبكة معقدة من الخيوط، لكننا سنقتحمها بلعبة تخيل سياسي جريئة: ماذا لو؟

تخيل لو أن الزلزال السياسي لـ “انتفاضة 20 فبراير” قد اندلع، وكان على رأس سفينة حزب الاتحاد الاشتراكي رجل بحجم عبد الإله بنكيران؟

هل كان القصر سيسلمه مفاتيح الحكومة لتهدئة العاصفة؟

الإجابة، على الأرجح، هي “لا” قاطعة.

هنا يكمن المنطق السياسي المحكم. النظام المغربي وهو يواجه غضبًا شعبيًا هائلاً، كان يبحث عن أداة محددة جدًّا، عن الحزب المتماشي والموثوق.. ليس أي حزب، بل الحزب القادر على امتصاص السخط الهادر، والمستعد لإجراء تغييرات سطحية دون أن يمس جوهر الثوابت العميقة. هذا الدور، الذي يجمع بين الشعبوية والولاء، كان متوفرًا بالكامل في حزب البيجيدي” (العدالة والتنمية).

 في خضم أزمة “الربيع العربي” التي زلزلت المنطقة، وجدت السلطة نفسها فجأة محاصرة داخل نفق مظلم. لم يعد الطريق واضحًا، وكان البحث جاريًا عن ضوء يهدئ العاصفة.

لقد استُبعدت وردة” الاتحاد الاشتراكي، التي كانت قد ذبلت وفقدت عبيرها الثوري منذ زمن بعيد. الحاجة لم تكن لزهرة حقيقية أو من “بلاستيك”، بل لقنديل و”مصباح” قادر على إضاءة الطريق الخافت وتوفير مخرج آمن. وهنا ظهر دور البيجيدي”.

لم تكن صدفة عابرة، فالأمر كله كان جزءًا من خطة محكمة، رُسمت خيوطها بعناية من خلف الستار. لم يولد “البيجيدي” من فراغ، بل وُلد في أحضان الدكتور عبد الكريم الخطيب، الطبيب الجراح الذي كان محسوبا بوضوح على القصر. ولذلك لا نجانب الصواب إذا قلنا إن “البيجيدي” وُلد في رعاية السلطة نفسها.

 بعد فشل في تجربة الالتحاق بصفوف “حزب الاستقلال”، جاء التوجيه الحاسم في عام 1996، التقط إخوان” حركة التوحيد والإصلاح الإشارة للالتحاق بحزب الخطيب (الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية). كان الوضع يتطلب بالفعل عملية جراحية سياسية دقيقة. وفي غضون سنتين فقط (عام 1998) اكتمل التحول، وتم تبديل اسم الحزب ليصبح اسمه الجديد والمدوّي“حزب العدالة والتنمية.

وفي عام2011 حان دورهم الحقيقي.. لم يكن فوزهم نتيجة صناديق اقتراع عادية، بل كانت لحظة استدعائهم تاريخية. لقد أُلبسوا ثوب وخوذة رجال الإطفاء لامتصاص الغضب الهائل. في الحقيقة شكلوا الأداة الأكثر فعالية لإعادة توازن النظام وتمرير الإصلاح الدستوري السريع، ليصبحوا بذلك القربان السياسي الذي أعاد الاستقرار للقصر.

 عبد الإله بنكيران على رأس الاتحاد الاشتراكي

لو جاء عبد الإله بنكيران إلى قيادة الاتحاد الاشتراكي، لكان المشهد مختلفًا، لكن النهاية غالبًا ستكون ذاتها. فالاتحاد الاشتراكي أصبح مُنهكًا ومثقلاً بالخيار التاريخي لـ “التناوب التوافقي”، وبحلول 2011، كان قد بدأ يتهالك وتخلى عنه مثقفوه.

شعبوية بنكيران كانت ربما ستحافظ على قليل من الوهج المفقود، وتمنعه من الاندثار، لكن السلطة التي اختارت حزبًا إسلاميًا غير مرتبط بثقل تاريخي وسياسي عميق، لم تكن لتغامر بتسليم دفة الحكومة لحزب الاتحاد الاشتراكي بقيادة “ثوري” مثل عبد الإله بنكيران. فالاتحاد يحمل جينات مطالبة أعمق وأكثر خطورة على توازنات المشهد.

إن شعبوية بنكيران كانت ستنقذ الاتحاد من الاندثار، لكنها كانت ستبعده عن كراسي الحكومة في تلك المرحلة تحديدًا، لأن الحكومة كانت تحتاج إلى وجه إسلامي “مطمئن” وليس إلى أيقونة معارضة شعبوية.

 لو كان بنكيران اتحاديا لما شاهدناه وهو يتحول “في ظل وضع معقد وصعب ومحفوف بالمخاطر” إلى “صانع الحدث ومنشطه الأساسي ومهندس المرحلة”، كما وصفه صديقه القديم محمد الساسي، بعد عام من تولي بنكيران زمام رئاسة الحكومة.

بالعودة إلى تلك الصورة بالأسود والأبيض، المشهد يظل آسرًا. في تلك اللحظة، يبدو أن بنكيران لم يطف بخلده مطلقًا أنه سيتولى رئاسة الحكومة. فالسلطة، يا صاحبي، لها طقوسها وقواعد لعبتها القاسية..

المنصب الحكومي سارع إلى تطويق رقبة بنكيران بربطة العنق الرصينة، بعدما كان كمعظم الإسلاميين يعتبر ارتداءها من “الثقافة الغربية الكافرة. هكذا أصبح المنصب الحكومي يبرر كل شيء، بما فيه توقيع التطبيع مع الكيان الذي كان حزبه يعتلي فيه قادة “البيجيدي” الأكتاف في المسيرات ويدعون له بالموت.

هنا، تتكشف البراغماتية السياسية في أقصى صورها، فمبادئ الأمس تذوب كقطعة سكر أو رشة ملح أمام ضرورة السلطة اليوم، وتؤكد هذه المفارقات أن الإيديولوجيات في الحكم نادرًا ما تبقى نقية، بل تتحول إلى أدوات وظيفية تخدم استمرارية التموقع في المشهد السياسي.

 كان بنكيران يحتفظ بشيء من التعاطف مع الاتحاديين، أو لنقل يكن بعض الاحترام لبعض أقطابه ومناضليه، بالرغم من تأييده لاغتيال عمر بنجلون في ديسمبر 1975، على يد عناصر من “الشبيبة الإسلامية” التي كان بنكيران ينتمي إليها حينها.. عندما لم يتردد في وصف الشهيد بـ”كلب أجرب”.. غير أنه حسب مقرب منه اعتبرها معلومة غير صحيحة، وأنكر قولها.

 عندما صعد عبد الإله بنكيران إلى قمة المشهد في خريف 2011، حاملاً بيده التعيين الملكي في منصب “رجل إطفاء”، كان يعي ثقل المهمة. إنه يعلم أن رئاسة الحكومة وسط تسونامي الربيع العربي” تعني الوقوف وحيدًا في مهب الريح.

توجه بنكيران ببصره صوب رفاق الأمس/خصوم اليوم.. الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.. قام بتذكيرهم بجميل قديم عندما ترأس عبد الرحمان اليوسفي “حكومة التناوب” في التسعينيات، واختار “البيجيدي” البقاء في صف المساندة النقدية، أي دعم الأغلبية مع الاحتفاظ بحق المعارضة. دينٌ سياسي حان وقت سداده.

في تصريح عفوي أعلن بنكيران بلهجته الشعبية والمباشرة: “بغيت الاتحاديين يسخنو لي اكتافي”. (أريد الاتحاديين أن يدعموا ظهري)، تعبير شعبي ومباشر يلخص جوهر البراغماتية السياسية التي اتبعها بنكيران بعد فوزه في انتخابات 2011.

لم يكن هذا مجرد عرض شراكة، بل كان نداء لتقاسم النار، طلب صريح بأن يقف الحزب العريق بجواره لتخفيف حدة الأزمة. كان الرجل يبحث عن غطاء سياسي ليمنح حكومته ذات الخلفية الإسلامية، شرعية أوسع.. كانت محاولة لجرّ “وردة اليسار الذابلة” إلى منطقة “مصباح البيجيدي”.. لعلها تشاركه الدفء والمسؤولية، أو على الأقل، لتمنحه سندا قويا يحميه من السقوط.

هذا التناقض يجسد كيف يمكن للزمن أن يحوّل الأعداء الإيديولوجيين إلى حلفاء محتملين، أو على الأقل، إلى شركاء في تحمل أعباء الحكم، بينما تبقى أصداء الكلمات القاسية مُعلقة في ذاكرة التاريخ.

 حين أطلق بنكيران تصريحه القوي، كان الأمر أشبه بوضع قنبلة تحت “وردة” الاتحاد الاشتراكي. لم تكن الدعوة بريئة، فقبولها يعني الدخول في ائتلاف مع رجل ينتمي للتيار الذي نعت الشهيد عمر بنجلون بأقذع الأوصاف. حتى وإن تم التبرير الآن بأنه “طيش شباب”.. ولم يكن حينها لا أنترنيت ولا مواقع إلكترونية ولا فيديوهات هواتف لتسجل الواقعة. وهو ما يعني استحالة حساب بسنوات ضوئية تفصل المسافة بين التاريخ الشفوي والذاكرة السياسية في غياب التوثيق الرقمي.

 خذلان أول من الاتحاد، سبق ما يسميه بنكيران اليوم في هجومه المتكرر باتهام إدريس لشكر بكونه مدبر مؤامرة “البلوكاج” في 2017.

 نهاية الأحزاب

في السياق، لا يختلف اثنان على أن الأحزاب اليوم في المغرب افتقدت لشرعيتها الشعبية ووهجها المفترض في الشارع. لقد انحسر دورها الوظيفي، وتحولت بكل أسف إلى مجرد مراكز لتوزيع واقتناء التزكيات.

لقد كانت هذه الأوصاف تليق في الماضي بـ “الأحزاب الإدارية”، لكن ما نشهده اليوم هو أن المد اكتسح وأغرق باقي الأحزاب التاريخية التي لم تعد بمنأى عن هذا التدهور.

وما من شك، أن الفساد السياسي الذي تعرفه البلاد ينتصب بارزًا يرفرف بألوان الأحزاب وشعاراتها المهلهلة. والدليل على هذا التحلل واضح في التناقض.. فما معنى تشجيع ترشيح الشباب في اللوائح المستقلة بعيدًا عن الأحزاب؟ هذا اعتراف ضمني بأن الأحزاب لم تعد أوعية صالحة لحمل طموحات الشباب.

صارت الأحزاب اليوم أشبه بـمأذونيات سياسية، يستغلها من يسيطرون على هرم تلك التنظيمات، وهم يسعون إلى توريثها لأبنائهم أو ذويهم وأصحابهم، ولا يترددون في تغيير القوانين الداخلية لمباركة استمرار بقائهم لعقود. هذا السلوك أدى إلى إغلاق الأبواب بإحكام في وجه الشباب، مما يدفعهم إما إلى اللامبالاة، أو البحث عن مسارات بديلة. لقد فقدت الأحزاب قدرتها على التجديد، وباتت مجرد هياكل عظمية بلا روح جماهيرية حقيقية.

 لغز المقاس الحزبي

بعد هذا الاستقصاء المحفز، نتوجه نحو قلب الجدل الحزبي، إدريس لشكر، الكاتب الأول (للمرة الرابعة) لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية… والمفارقة هنا أن لشكر، الذي يقود الحزب منذ سنوات طويلة، يُذكر أيضًا كأحد العوامل التي دفعت محمد الساسي وغيره من الكثيرين إلى مغادرة الساحة الاتحادية.

ماذا لو كان بإمكان إدريس لشكر أن يصل لو كان في حزب آخر؟

هل كان يمكن أن يكون قياديًا في حزب إداري؟

ربما، فالأحزاب الإدارية غالبًا ما تقدر القدرة على ضمان البقاء في المناصب دون الحاجة إلى قاعدة نضالية دائمة.

هل كان يمكن أن يكون في حزب ليبرالي براغماتي؟

هذا احتمال وارد أيضًا. فمثل هذا الحزب يركز على الكفاءة الإدارية والتركيز على الإدارة والاقتصاد بدلًا من الإيديولوجيا والشارع الملتهب.

لنترك الإجابة النهائية لذكاء القراء. هم بالتأكيد يعرفون التشكيلات الحزبية المختلفة في المشهد، وسيفصلون للشخص المعني المقاس الحزبي “المريح” أو “المناسب” له، بناءً على مسيرته القيادية الطويلة، التي اتسمت بالتمسك بالمنصب والمواجهة الداخلية، وهي سمات قد تكون عيبًا في حزب تاريخي، وورقة رابحة في حزب براغماتي يركز على البقاء.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!