بين شباك الخصوم وحصون الفساد.. الكرة وما خلفها
عمر بنعطية
عاش الشارع المغربي ليلة استثنائية أمس الجمعة، بعدما تمكن أسود الأطلس من كسر شوكة منتخب الكاميرون، وحجز مقعدهم في المربع الذهبي لنهائيات كأس الأمم الإفريقية 2025. هذا التأهل ليس مجرد عبور فني، بل هو استعادة لمجد غائب منذ دورة تونس 2004، وخطوة حاسمة نحو إنهاء لعنة طاردت الكرة المغربية لنصف قرن، فمنذ عام 1976، لم يلامس المغاربة الذهب الإفريقي، رغم توالي أجيال ذهبية من المواهب الفذة التي أبهرت العالم، لكنها سقطت دائمًا عند عتبات الحظ العاثر أو سوء التدبير في اللحظات الحاسمة.
اليوم تبدو الطموحات المغربية مختلفة تمامًا، الذاكرة الجمعية لا تزال تنزف من جرح “كان 1988” الذي نُظم فوق الملاعب المغربية وضاع في الأمتار الأخيرة. لذا فإن الجماهير التي تغص بها المدرجات والشوارع لا تقبل بأقل من التتويج. الهتاف واحد واليقين صلب: “الكأس لن تغادر الدار، وستبقى في المغرب”. لكن هذا الحماس الجارف يخفي خلفه توجسًا عميقًا، فالمغاربة يدركون أن خطأً بسيطًا أو هفوة غير محسوبة قد تطيح بهذا الحلم الشعبي الذي تجاوز حدود الفرجة ليصبح مطلبًا وطنيًا مُلحًا.
لقد استثمرت الدولة المغربية ميزانيات ضخمة وغير مسبوقة في البنية التحتية الرياضية وفي إعداد المنتخب الوطني، وهي استثمارات يراها البعض رهانًا مصيريًا وضع كرة القدم فوق كافة الأولويات التنموية الأخرى. وهنا تكمن الحساسية الكبرى، ففي ظل تحديات اجتماعية واقتصادية ضاغطة، يُنظر إلى الفوز بالكأس كتعويض رمزي عن الخسارات الأخرى، وصمام أمان نفسي يمنح الشعب لحظة فخر وطني تنسيه ضجيج الأزمات. إن الإخفاق في نيل اللقب فوق التراب الوطني هذه المرة لن يكون مجرد هزيمة رياضية، بل قد يتحول إلى صدمة سياسية واجتماعية لا يمكن التنبؤ بتداعياتها أو امتصاص غضب الجماهير حيالها.
هذا الضغط الرهيب الذي يثقل كاهل الدولة والمجتمع، تجسد بوضوح في ملامح المدرب وليد الركراكي عقب صافرة النهاية أمام الكاميرون. فحين حاول سفيان الراشيدي مراسل القناة الرياضية المغربية استدراج “رأس لافوكا”، كما يلقبه الجمهور، لاستعراض ضحكته المعهودة وبعض من روح الدعابة، جاء الرد مغايرًا للتوقعات، تجهم وجه الركراكي، وغابت الابتسامة التي أرادها المراسل، ليجيب الركراكي بلهجة حادة ومثقلة بالمسؤولية: “لا وقت للضحك الآن.. أريد الفوز بالكأس“.
جواب الركراكي رسالة مشفرة للجميع، فهو يدرك أكثر من غيره أنه لا يقود مجرد فريق كرة قدم، بل يقود طموح دولة وأمل شعب. هو يعلم أن الضحك في الثقافة الشعبية المغربية هو خاتمة الفرح، ولا فرح حقيقي قبل رفع الكأس في سماء ملعب مولاي عبد الله بالرباط. إن هذا التجهم هو وقار المسؤولية أمام المهمة الانتحارية التي ينتظرها الجميع، فإما مجد يكرس المغرب كقوة كروية عظمى قاريًا، وإما انتكاسة ستجعل من فاتورة الكرة موضوعًا للمساءلة الشعبية القاسية.
بين واقعية الميدان وتطلعات الشارع، يقف المغرب اليوم على مسافة مباراتين من التاريخ.. الكأس لم تعد مجرد قطعة من المعدن، بل أصبحت عقدًا اجتماعيًا غير مكتوب بين السلطة والمجتمع، والركراكي بتجهمه الأخير، أثبت أنه يدرك تمامًا أن التاريخ لا يبتسم إلا لمن يضع الكأس في خزانته أولاً.
***
لا يمكن فصل الصعود الكروي للمغرب عن السياق العام الذي تعيشه البلاد، وهو ما لخصته بإيجاز بليغ د. لطيفة البوحسيني الأستاذة الجامعية والناشطة الحقوقية في تدوينة لافتة، مزجت فيها بين عاطفة الانتماء وصرامة التحليل الحقوقي. فقد اعتبرت الأستاذة البوحسيني أن الفوز الكروي ليس مجرد فرقعة عابرة، بل هو دليل إدانة لكل من يدعي عجز المغاربة عن الإنجاز، فالفوز في الملعب هو برهان ساطع على أن النجاح ممكن في كل المجالات، شريطة توفر الإرادة السياسية الحقيقية.
ترى البوحسيني أن تفوق أسود الأطلس يضع الدولة أمام مرآة مسؤوليتها، فإذا كان بمقدورنا الوصول إلى المربع الذهبي ومقارعة الكبار عالميا وقاريا، فلماذا لا ينسحب هذا النجاح على أوراش البناء التنموي ومشاريع النهضة؟ إن المعادلة التي تطرحها التدوينة واضحة: المغاربة مستعدون للانخراط في أي مشروع وطني بجهد مضاعف، لكنهم يحتاجون إلى ضمانات بأنهم سيقطفون ثمار هذا المجهود، وأن عائد التنمية سيوزع بعدالة لا تحجبها المصالح الضيقة.
وبلغة مباشرة لا تخلو من حدة، وضعت البوحسيني أصبعها على الجرح الحقيقي الذي يعيق تحويل النجاح الكروي إلى نهضة شاملة، قائلة: “خاص غير الفسدة والمفسدين يحيدوا من الطريق ويعطيوا التيساع“… هذه العبارة تلخص العائق البنيوي الذي يخشاه الشارع، فبينما يستثمر المغرب أموالا طائلة في كرة القدم لتحقيق إشعاع دولي، تظل محاربة الفساد هي المباراة المصيرية التي يطالب الشعب بالفوز بها.
إن الخوف الشعبي الذي يتقاطع مع رؤية النخبة المثقفة، يكمن في تحول كرة القدم إلى شجرة تغطي غابة من الإخفاقات الاجتماعية. الفرح بالفوز حق مشروع، لكنه في نظر الحقوقيين والمثقفين يجب أن يكون محركًا للمطالبة بفتح الآفاق المسدودة، وتطهير الطريق من كوابح التنمية التي يمثلها الفساد والمفسدون.
إن الرسالة التي تحملها هذه التدوينة، وبالتوازي مع ملامح الركراكي الجادة، تؤكد أن المغرب اليوم لا يلعب من أجل لقب يضاف إلى الخزانة فحسب، بل يلعب من أجل استعادة الثقة في القدرة المغربية. الكأس بالنسبة للمغاربة هي رمز للانتصار على الذات وعلى الفشل، لكنها لن تكون مكتملة الأركان ما لم يرافقها انتصار موازٍ على جيوب المقاومة التي تعرقل طموحات الشباب في مجالات الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية.
لم تعد كأس إفريقيا 2025 بالنسبة للمغاربة مجرد منافسة كروية تنتهي بتبادل القمصان، بل تحولت إلى مختبر لقياس قدرة الأمة على صناعة المستحيل. إن ملامح وليد الركراكي المثقلة بجدية المسؤولية، وصرخات الجماهير المتعطشة للإنصاف التاريخي، تلتقي جميعًا عند نقطة واحدة: المغاربة لا ينقصهم الذكاء ولا تنقصهم العزيمة، بل تنقصهم الطرق المعبدة بالنزاهة والفرص المحصنة بالعدالة.
إن الرهان اليوم يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، فإذا كان بإمكان الإرادة الوطنية أن تبني ملاعب تضاهي العالمية وتصنع منتخبًا يرهب الكبار، فإنها حتمًا قادرة على تشييد صروح تعليمية وصحية تليق بكرامة هذا الشعب. الكرة الآن ليست في أقدام اللاعبين فحسب، بل في ملعب مدبري الشأن العام، فالفرحة التي تصنعها الجلدة المنفوخة في الشباك، يجب أن تكون حافزًا لتسديد ضربات قاضية لمعاقل الفساد والريع.
لقد أثبت منتخب أسود الأطلس أن النجاح متاح حين تغيب المحسوبية وتحضر الكفاءة، وهذه هي الكأس الحقيقية التي يحلم بها كل مغربي.. وطن يربح مبارياته التنموية بنفس الروح القتالية التي يربح بها مبارياته الكروية.
فليكن الفوز باللقب القاري فاتحة لانتصارات كبرى في معارك الكرامة والحقوق، لكي لا يبقى الفرح المغربي رهينًا بصافرة حكم، بل مستدامًا بقرار سياسي شجاع يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
