بين قوة الاتفاق وغدر المدافع.. مستقبل السيادة السورية على المحك

بين قوة الاتفاق وغدر المدافع.. مستقبل السيادة السورية على المحك

عبدالناصر عليوي العبيدي

          على مدى أربعة عشر عامًا، ظلّ المجتمع الدولي يكرّر مقولته المعلّبة: «الحل في سوريا سياسي لا عسكري»، بينما كانت الوقائع على الأرض تُكذّب هذا الشعار يومًا بعد يوم. وزير خارجية النظام نفسه قالها بوضوح فجّ: «سنُغرقهم بالتفاصيل، وعلى المعارضة أن تتعلّم السباحة». وبالفعل، أُغرقت المعارضة السياسية في متاهات التفاوض والمؤتمرات، فيما كانت مجازر النظام تتوالى بلا توقف، ومعارضة الفنادق تراهن على فتات سلطة، لعلّها تنال وزارة هامشية في دولة مدمَّرة.

في المقابل، كانت الفصائل المقاتلة على الأرض تدرك حقيقة بسيطة تجاهلها كثيرون: بشار الأسد لا يتنازل إلا تحت ضغط القوة. وبينما كان النظام وأنصاره يتغنّون بـ«الانتصار على المؤامرة الكونية»، جاءت لحظة الحسم حين تقدّمت قوات ردع العدوان وأسقطت نظامه الإجرامي في تسعة أيام فقط. ولم يُبدِ بشار الأسد، في ساعاته الأخيرة، أي اكتراث بمصير الدولة أو الشعب؛ كان همه الوحيد سرقة ما تبقّى من أموال وذهب، وإفراغ البنك المركزي، في مشهد يلخّص طبيعة هذا الحكم حتى آخر لحظة.

اليوم، وبصورة تكاد تكون نسخة مشوّهة من التجربة ذاتها، تسير قوات قسد، الخاضعة لهيمنة حزب العمال الكردستاني (PKK)، على النهج نفسه. فمنذ توقيع اتفاق العاشر من آذار، لم نرَ التزامًا حقيقيًا بروحه أو بنصوصه، بل رأينا سياسة إغراق متعمّدة في التفاصيل، ومماطلة في التنفيذ، بالتوازي مع تحصينات عسكرية وحفر أنفاق، وكأن الاتفاق لم يكن سوى غطاء لكسب الوقت.

تُصرّ قسد على القول إن 70% من قوامها قوات عربية، غير أن الواقع الميداني والسياسي يكذّب هذا الادعاء؛ فلا وجود فعليًا لقيادات عربية في الصف الأول، ولا مشاركة حقيقية في صناعة القرار. كما تزعم تمثيلها لجميع مكوّنات المنطقة، بينما تمارس في الوقت نفسه سياسة فرض أمر واقع، وتطالب بامتيازات خاصة تحت عنوان «الحقوق الكردية»، وهي في حقيقتها مطالب فصيل قنديل الأيديولوجي، لا تعبيرًا عن تطلعات عموم الأكراد السوريين الذين كانوا، وما زالوا، جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني.

الأخطر من ذلك أن مهلة تنفيذ الاتفاق قد انتهت دون تطبيق بند واحد جوهري، لتنتقل قسد بعدها إلى تصعيد عسكري خطير، تمثّل في قصف المدنيين الآمنين في مدينة حلب بالمدفعية، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية والأعراف الإنسانية. هذا السلوك يعيد إلى الأذهان ممارسات نظام الأسد نفسه: استخدام القوة ضد المدنيين، والاستهانة بحياتهم، واعتبار الجغرافيا السورية ساحة نفوذ لا وطنًا لشعب.

أمام هذا المشهد، يحقّ للسوريين أن يتساءلوا: إلى متى سيبقى صبر الحكومة السورية الجديدة صامدًا؟ وهل يمكن لدولة تسعى لاستعادة سيادتها وبناء شرعيتها أن تتغاضى عن كيان مسلّح يلتفّ على الاتفاقات، ويقصف المدنيين، ويصرّ على فرض أجندة خارجية بقوة السلاح؟

إن ما تقوم به قسد لا يهدّد اتفاق آذار فحسب، بل يهدّد وحدة البلاد ومستقبل الاستقرار فيها. فكما ثبت تاريخيًا أن التسويف والمراوغة لم ينقذا نظام الأسد، فإن تكرار الأسلوب ذاته لن يمنح قسد شرعية دائمة، بل سيعمّق عزلتها ويضعها في مواجهة مباشرة مع الإرادة الوطنية السورية.

لقد آن الأوان لمراجعة شاملة وحاسمة: مراجعة تُعيد الاعتبار للاتفاقات بوصفها التزامات لا أوراق مناورة، وتُعيد تعريف الشراكة الوطنية على أساس المواطنة لا السلاح، وتُنهي زمن الرموز المفروضة بالقوة، تمامًا كما أُلقيت صور الطغاة وحلفائهم في مزابل التاريخ. فسوريا الجديدة لا تتّسع لاستنساخ بشّار آخر، مهما اختلف الشعار أو تغيّر الاسم.

شارك هذا الموضوع

عبد الناصر عليوي العبيدي

شاعر من سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!