بين منطق القوة وميزان الدبلوماسية.. دومينيك دوفيلبان وتوماس غومار يشرحان تحولات العالم الجديد
ترجمة وتقديم: جواد هروال
الحرب دعوة الطبيعة، و التحضير لها شأن الدولة. أما السياسة والفلسفة والجغرافيا السياسية فهي مراقب للنظر وليست أدوات للتحليل. هي، إذا، ليست لعبة ذهنية مجانية، بل هي وضعية ووضع يجب فهمه والتعامل معه والتحضير له استراتيجيا. منذ سون تزو وتوقديد ثم ابن خلدون ومكيافلي إلى هيغل وكلاوزوفيتش وريمون أرون وصولا إلى عبد الله العروي. كلهم، باعتبارهم منظري “الدولة”، وضحوا أن الحرب جزء أساسي من/في سيرورة الدولة و صيرورتها.
حتى إن كانت هناك سنوات خداعات، حين يشعر الفرد بالسلام والأمن، فمنطق الدولة يقتضي أن الحرب هي القاعدة، أما السلم فحالة استثناء. فقد تصور “سون تزو” في كتابه “فن الحرب” المفعم بالحكمة العسكرية قواعد عملية لرقعة ثابتة، تظل منطلقاته حية مثل اعتباره الحرب “قضية حيوية بالنسبة إلى الدولة”. ولكن تفتت العالم يجعل من تصوره أمرا متجاوزا.
أما نظرية كلاوزفيتش التجريدية حول الحرب فقد تم تأويلها سلبا من قبل السياسيين والعسكريين، نتج عن ذلك الحربان العالميتان الأولى والثانية. الحرب استراتيجية وتاكتيك؛ أي علم ضبط الزمن وفن التحكم بالمكان. ولكن في لحظة فاجأنا الرئيس الصيني “جين بينغ” وهو يشير إلى “فخ توقديد” في لقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سنة 2025.
وفي ظل حالة اللايقين التي يعيشها العالم يتعين التأكيد أن زمن الدولة ليس هو زمن الفرد ومنطقها يختلف عن منطقه. لأنها مسألة استراتيجية تتجاوز التكتيكات العسكرية والمناورات البسيطة. فهل يمكن للفرد أن يفهم الحرب؟ الأكثر، إن لم يعشها أو يشارك فيها (كلاوزوفيتش مثلا)، هل يمكن أن ينظر لها؟ هل يمكن أن نعرف الحرب انطلاقا من الكتب؟
الكلمات ليست قنابل، والخوارزميات قد تفوق المعاجم بأسا. متى تبدأ الحرب، إذا، وأين تنتهي؟
***
يختل التوازن الجيوسياسي الدولي القائم منذ 1945. ولفهم الرهانات الجديدة، قمنا بمناظرة وزير الخارجية السابق (2004-2002) دومينك دوفلبان، خريج معهد العلوم السياسية sciences-po والمدرسة الوطنية للإدارة، له عدة مؤلفات أهمها “سلطة الرفض”،. وتوماس غومار مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الخارجية، ودكتور في العلاقات الدولية، من أبرز مؤلفاته: “من يتحكم في من ؟” 2026 . يشرحان معا، نظاما عالميا في طور التشكل.
أحدهما يفكك العلاقات الدولية بدقة مهندس عسكري، والآخر بصم العلاقات الدولية سنة 2003 بخطابه الشهير بمنظمة الأمم المتحدة؛ عبر الإعلان بالتراجع عن الاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية إبان غزو العراق. بهذا القرار تكون فرنسا قد أعادت إحياء التقليد (الغولي) القديم المتعلق بالاستقلالية الاستراتيجية.
هل مازال هذا الموقف ممكنا؟ فعبر دمج النظرية الجيوسياسية والعمل الديبلوماسي ظهرت مجموعة من المفاهيم الجديدة : القوة المضاعفة، نزعة اللامحدودية، الحرب الهجينة… بين المتخصص والسياسي،، بين الأستاذ في العلاقات الدولية ومرشح الرئاسيات عقد نقاش عميق حول منطق العدو. فحبن يتم تنميطنا، هل يمكننا فعلا التوضيح؟هل يمكننا غرس السلام دون التحضير للحرب؟ إجمالا؛ هل يمكن التحضير لها، دون أن نفعل ذلك حقا؟
جمع الملف: ألكسندر جادن
دومنيك دوفلبان: نعبر فترة يشوبها كثير من الغموض؛ دون الحديث عن التحالفات الاستراتيجية الجديدة والتكنولوجيا الحديثة مثل المسيرات؛ التي تعيد تشكيل ساحات الحروب، إلى درجة أن الشك بدأ يدب في النفوس حول صلاحية بعض الصناعات مثل: أبواب الطائرات. يجب طرح الأسئلة الكبرى العميقة والسير بأعين مفتوحة. هل نحن في وضع حرب؟ نحن لا نحيا، شكليا، الحرب ولكننا نعيش زمنا تهيمن عليه روح الحرب.
توماس غومار: هناك. تضخيم في استعمال كلمة “حرب” في كثير من المرات ، ذكر البابا فرانسوا “حرب عالمية ثالثة مجزأة” للتدليل على تعدد الصراعات عبر العالم. ولكن يجب الانتباه إلى الألفاظ. ترتبط الحرب، من وجهة نظري باستعمال القوة ؛ لهذا يجب التأكيد على الفارق بين الكلمات والأشياء. إذ تجنح بعض الدول مثل: روسيا وأوكرانيا وإسرائيل وإيران إلى تعبئة مجتمعاتها للحرب . في حين، لا عضو من الاتحاد الأوروبي في هذه الوضعية. إذ كان يعتقد الأوروبيون، لعهد قريب أن الحرب شأن الآخرين. وبما أن الاتحاد الأوروبي أنشئ على ذاكرة الحرب، فإن المشروع الأوروبي خلق السلام بين أعضائه.
عدت فرنسا ألف قتيل في اليوم خلال الحرب العالمية الأولى منذ 1963، من أجل تأمين سلامتنا نحن الفرنسيين، قتل حوالي 8000 عسكري. واليوم فإن الحرب التي نعتقد أنها غريبة عن أوروبا، بعد أن نسينا تفكك يوغوسلافيا، قد عادت إلى القارة الأوروبية بعد الاعتداء الروسي على أوكرانيا.
د . دوفيلبان: يجب التمييز بين الكناية الحربية عن الصراعات والأحداث الواقعية. هناك دوما، حولنا، صراعات ذات حدة عالية وصراعات أقل حدة . ثم هناك الصراعات المرئية، المرتبطة بالرهانات التكنولوجية و الطاقية والمعرفية.
توماس غومار: أوافقك الرأي حول أصناف الصراعات الجارية. أعتقد أنه يجب فهم معنى تسريع التاريخ الجاري؛ الذي يظهر جدليا بين المناطق وامتداداتها. فإذا تكلمنا اليوم عن الحرب الهجينة؛ فللإشارة إلى التحولات السريعة للأطوار أكثر من تغير في طبيعة الحرب. يعبر عن الحرب الهجينة عبر التغير السريع للتحالفات، عبر انتقال أطوار المنافسة بين الفاعلين إلى أطوار للاحتجاج وأحيانا المواجهة: هذا هو الوضع الجديد وهذا ما يعقد قدرتنا على التحضير.
د . دوفلبان: تعلم أن التمييز بين الأطوار التي تكلمت عنها أساسي من أجل التحصن للعيش في حالة الاستثناء ، مثل وضع الولايات المتحدة الأمريكية، منذ قانون الوطنية [Patriot Act] الذي يمكن تبنيه بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر، بغية تقوية وكالات الاستخبارات والحرب ضد الإرهاب. فذلك النص، عدل بعض القوانين الأساسية جذريا . وذلك ما فعلناه غداة الأحداث الإرهابية سنة 2015 وكنا على استعداد لفعلها حين طرح إيمانويل ماكرون مسألة إرسال جنود إلى أوكرانيا . إن رؤية فرنسا هي أن تكون: استباقية وتوسطية ومتوازنة. لا يجب أن تصطف أو تهيمن، ولكن أن تؤطر العولمة عبر القانون الدولي.
توماس غومار: إن إرسال الكتائب، في ظروف معينة كان. يشير إلى التزام فرنسا بالمساهمة المباشرة في الأمن الأوروبي. بالمقابل، يجب الإشارة إلى أن إيمانويل ماكرون. ضاعف من عقد مجالس الدفاع باسم الأزمات الصحية والأمنية. قاطعا فكرة التحضير طويل الأمد بدعوى الاستثناء.
لماذا؟ تحديدا، لأن هناك تناقضات: في الاجتماع، هناك قلة، فقط، اتخذت القرار. لهذا يجب أن ننتبه إلى هذا التطور: تظل الديمقراطية أساسية في مثل هذه الأزمنة الملتبسة التي نعيشها.
د. دوفلبان: المشكل في العمق هو أن فضاء النقاش الديمقراطي يضيق كثيرا في مواجهة الحرب. ويتم فهم الفارق الضئيل على أنه ضعف ، ونصل إلى جعله حاكمة للنوايا. وكل موقف يدافع عن السلام يصبح شكلا من أشكال المساومة، ودعوة العودة إلى “ميونيخ” ليس بعيدة. طلب منا دوما، القيام بمبايعة لتصور كامل ومكثف لحدث ما. وهذا السلوك القائم على رفض التساؤل يقود إلى مأسسة العدو. فلم يعد فقط، العسكري هو ممثل البلد، بل كذلك الفنان، كما هي حال المخرج الإسرائيلي Nadov Lapid؛ الذي كان موضوع مقاطعة. وهذا ما يعبر عنه في العلاقات الدولية بالنزعة التموقعية Campisme [و هو مصطلح وليد الحرب الباردة الذي كان يدل على تصور ثنائي ومتراص للعلاقات الدولية].
تدفع الديمقراطية بالنقاش قدما، خصوصا وقت الأزمات، أما النظام التسلطي فلا يمكن من ذلك: ينمط ويوجه.
توماس غومار: نعرف الجملة الشهيرة لكليمانصو : “الحرب أمر أكثر جدية من أن نأتمن عليه الجيش”. مما يستدعي سؤالين أساسيين؛ الأول لأفلاطون: “من يراقب المراقبين؟”، فالمدني والعسكري تربطهما علاقات معقدة؛ وقبول وتقبل الحرب مسألة اجتماعية. فإذا كان المسلحون هم من يربح المعارك، فإن الأمم هي التي تربح الحروب. الأمر، إذن، أننا ولينا وجوهنا نحو توزيع غنائم السلام بدل التحضير للحرب.
والقرار الذي اتخذه جاك شيراك سنة 1996 عبر تأهيل الجيش، غير من طبيعة العلاقة بين حاملي السلاح والأمة.
د . دوفلبان: نمط ثم تجاوز؛ إذ إن النظام العسكري كان يمنع مهننة الجيش. أما اليوم، فيجب إعادة النظر في هذا النقاش. أعتقد أنه لا يجب وضع بديل للنظام العسكري، بل يجب تجييش المجتمع كافة ضد الأخطار العسكرية، مدنيين أو افتراضيين، كنموذج الإطفائيين المتطوعين أو المحترفين.
ولكن قبل التحضير بحزم لهذا الوضع العالمي الجديد، يجب، قبلا، فهم المعطيات. فنحن لا نعيش في عالم الندرة، فقط، ولكن في عالم الامبراطوريات.
وهاتين الظاهرتين تتداخلان؛ إذ كلما زادت الندرة، كان التطلع أكثر نحو السلطة. أتكلم، ها هنا، عن “لا نهائية النار” (illimitisme prométhéen)، فروح الافتراس عند بعض المسؤولين السياسيين فجر، حرفيا، قواعد القانون الدولي.
توماس غومار: أشاركك أهمية مفهوم “النهائي”، ويتوجب التأكيد على مفارقة؛ نتكلم كثيرا عن الندرة ولا نتكلم عن التبذير. إذ يقدم الاحتباس الحراري وفقدان التنوع البيولوجي الأرض كنظام محدود و مهدد، حسب منظور البعض، بالانهيار. وكردة فعل، تحمل بعض الخطابات المستقبلية والاقتراحية، كما هو مشروع إيلون ماسك، وعودا حول المستقبل بكوكب المريخ. الغطرسة والمغالاة ليسا مستجدين في عالم السياسة. فما تم تبئيره هو “سياسة الأبدية” بتعبير Timity Snyder. في شتنبر 2025، مثلا، ظهرت محادثة بين فلادمير بوتين وتشي بينغ حيث يخبر الأول الثاني أن بمقدوره العيش إلى حدود 150 سنة.
ما يجب استخلاصه من هذه المسألة هو تمظهر لقوة محبوكة كغياب للحدود، بعيدا عن المسؤوليات التي يمتلكها المسؤولون، لا التي يمكن أن يمتلكوها؛ وهذا يتطلب كثيرا من التواضع.
.د.دوفلبان: للأسف، فإن بعض المسؤولين لا يفهمون الواقعي إلا من خلال القوة اللانهائية. والحال أنه يجب الجمع بين ديمومة الواقعي والمقتضيات المطلقة للنهائي. كل مآسي العالم تأتي من الاستعمال المطلق للقوة آخرها؛ حرب الخليج في فبراير/ شباط 2025 التي أطلقها دونالد ترامب.
هذه الحرب لم تكن فقط اعتباطية بل رجعية. ولنعد إلى ماض قريب حين خرقت و.م.أ القانون الدولي باجتياحها العراق وأفغانستان. هذه الحرب هي دليل على تحطم الدور القيادي الأمريكي.
توماس غومار: سأكون أقل حسما؛ حقا إن كلا من دونالد ترامب و فلاديمير بوتين في مأزق استراتيجي. وهذا على الأقل، فالأول يتكبد خسائر عسكرية، مع العلم أن الإدارة الأمريكية، وخصوصا في الميدان التكنولوجي، تهيمن قلبا وقالبا على رأسمال البورصة العالمية. فرغم خسارة الولايات المتحدة الأمريكية للواجهة فإن ذلك لا يخفي القدرة الفريدة لها التي يمكن أن يفرض أو يدمر نظاما للقواعد.
د. دوفلبان: ولكن يجب العلم أن هناك حدا فرض على الولايات المتحدة الأمريكية وسيفرض حتما على إسرائيل. في يونيو الماضي، تم توقيع بروتكول اتفاق ببن إيران و و.م.أ ، و كان بمثابة دورة للقوة ، والذي يعترف حتى النهاية بضرورة عقلنة العلاقات الدولية. وهذا ما فهمه دونالد ترامب عبر توقيعه هذا الاتفاق: لقد فهم درس الحماقة التي اقترفها سنة 2018 عندما انسحب من الاتفاق النووي الإيراني الموقع ثلاث سنوات قبل ذلك من قبل فرنسا. لقد قبضت سميون فيل على جوهر الفكرة في كتابها “الإلياذة أو قصيدة القوة” حين ذكرت: “إن القوة تشيئ الإنسان”. والقوة المطلقة تصطدم، حتما، بسؤال إنسانيتنا. نمتلك كل الوسائل لإقناع القوى الامبرالية الكبرى بأن القوة تنتج الضعف، كما حدث، لنا، في التاريخ السابق. فما فقدته و.م.أ و روسيا و إسرائيل، منذ بداية حروبهم، أكثر بكثير مما قد يحلمون بجنيه.
تم إنشاء هيئة الأمم المتحدة غداة كارثة الحرب العالمية الثانية. وجاءت هندستها حول فكرة جوهرية هي: هشاشة الإنسان والنظام العالمي والسلم والأمم. قد تكون اللغة الديبلوماسية فعالة؛ فإبان خطاب فرنسا الذي ألقيته بمنظمة الأمم المتحدة سنة 2003, الذي حاولت أن أنبه من خلاله إلى مأزق استعمال القوة بالعراق. في مجال الجغرافيا السياسية أتموقع بين “الواقعية ” و”المثالية “، وهو نوع من ” الواقعية- المثالية”. إن الواقعية دون مبادئ تقودنا نحو نوع من ” الكلبية”، والذي لا يعير بالا للواقع يصل حتما إلى العجز. إذ لا يجب أن نمد أعيننا، فقط، نحو منطق القوة.
توماس غومار: حقا، لكن الواقع هو أيضا ما نصطدم به ، وليس فقط العدو الذي نحدده . فالسؤال الذي يجب طرحه يتعلق بتحصننا وقدرتنا على إنتاج أثر رادع للحفاظ على نظامنا الديمقراطي وأسلوب عيشنا . إذ منذ خطابك سنة 2003 ، توقف الأوروبيون عن التفكير في قسوة العالم: استظل البعض بالحامي الأمريكي، توج الآخرون التعددية القطبية الديبلوماسية. الاستيهامية .
لم يعد الغربيون يملكون زمام توازن القوى، بسبب ضعفهم وتراجعهم الاستراتيجي، فالأوروبيون ، اليوم يفضلون الخطابات على حساب القوة ذات الأمد البعيد.
د.دوفلبان: أتفق معك في هذه النقطة . فمنذ 2007 أصبحت فرنسا أحد التلاميذ النجباء للنزعة المحافظة الجديدة الأمريكية . وهي مذهب جيوسياسي استباقي عزيز على جورج بوش الابن .هناك أخطاء تكررت ، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بالعراق و أفغانستان ، ثم فرنسا بليبيا والساحل . و قد نبهت سنة 2002 عندما كنت وزيرا للشؤون الخارجية ، خلال اللقاء السنوي للسفراء ، من جشع القوة: إذ لا يمكن توقيف سلسلة الانتقام ، و القوة المضاعفة تتحول في النهاية إلى ضعف . لذلك يجب استخلاص الدروس مما عشناه سابقا.
نعرف جميعا القولة: “إذا أردت تجنب الحرب، فاستعد للحرب”. ولكننا ننسى دوما صيغة : إذا أردت السلم فأعد للسلم”. لماذا نتجاهل هذا الأمر؛ لأننا منذ العصور القديمة نعتبر الحرب أمرا عاديا.
دشنت المسيحية فكرة “الحرب المقدسة”. ولكن ما أن نتساءل عن الآلية التي تمهد لحرب مقدسة كما فعل الديبلوماسي Hugo Ggrotuis في القرن السابع عشر يصبح من العسير الفصل بين فكرة الحرب وفكرة السلم.
و لقلب مجرى الأمور، تمكنت لبعض الدول الأوروبية أن تؤسس مجلسا للأمن الأوروبي. يمكن لهذه المؤسسة أن تصبح قطبا للأمن والاستمرار مركزا للعالم عبر التفكير في السيادة والأمن.
توماس غومار: الواقع أننا أمام فاعلين يخلطون بين المسعى الديبلوماسي و نظيره القهري ، ولهذا السبب لم يعد للقانون الدولي قيمة حدية .
ففي كتابه: “السلم والحرب بين الأمم” (1962 )، يذكرنا ريمون آرون بخصوصية العلاقات البين-دولية من خلال نموذجي الديبلوماسي والعسكري، آنذاك يجب أن نتساءل دوما متى يكون هذا الحدث سببا هنا أو هناك.
فحتى إذا التزمت روسيا بسيرورة التفاوض الديبلوماسي، لا يعني ذلك انتهاء العنف العسكري.
د. دوفلبان: في كل الحالات ، لن تخرج روسيا منتصرة في الحرب بأوكرانيا . إذ يجب التذكير ، مرة أخرى بفشل الاعتداء الروسي ،وتصوره عن القوة . ويجب الإشارة إلى الدعم الأوروبي لأوكرانيا، في وقت أدارت الولايات المتحدة الأمريكية ظهرها . ألا يجب أن يرافق هذا الالتزام الأوروبي المتمثل في الدعم العسكري ، يدا ممدودة ، وإلا تحول الأمر إلى أزمة. يجب أن ينصب فهمنا على فعالية الحق . هذا واجبنا نحن الأوروبيين: أن نوضح أهمية النظام و القانون الدولي ، وأن نمطا جديدا للتفكير يظهر . ألسنا نخوض ، دوما ، معركة قديمة . عندما كنت ديبلوماسيا شابا رأيت نهاية آخر المدافعين عن النموذج السوفياتي في قيادة Quai D’orsay . لم يتمكنوا من الخروج من رؤية لعالم مقسم إلى قطبين : و.م.أ و الاتحاد السوفياتي . فهم لم يروا نشأة الجنوب العالمي la sud global ، أو لم يأخذ في الحسبان . و الحال أنه انطلاقا من موقع الجنوب العالمي تنتصر الصين اليوم.
توماس غومار: لن أكون أكثر قسوة منك تجاه الديبلوماسية الفرنسية بما أسميه “جنوب تفاعلي ” لأنني لا أعتقد أنه سيتوحد. إن فهم العالم المتعدد- الأقطاب عبر الديبلوماسية الفرنسية هو أمر متجاوز . دون الرجوع إلى الجنرال دوغول، فقد ربط فرانسوا ميتران خلال الثمانينات، مثلا، علاقة خاصة مع الهند، والتي أفضت سنة 1998 إلى شراكة استراتيجية ثنائية ذات قيمة. إذ خلال سنوات التسعينيات انتشر خطاب التعددية القطبية. المشكل أن هذه التعددية تم دعمها بالتعاون الدولي Multialtéralisme الذي كان يثمن وضعية فرنسا داخل مجلس الأمن والأمم المتحدة، و وظيفتها كوصي على القانون الدولي.
فإذا كانت روسيا تميل نخو الصين، فبسبب فشلها في الاندماج بالعولمة رغم انخراطها في منظمة التجارة العالمية منذ 2011.
د.دوفلبان: بقيت الصين حذرة نسبيا خلال محاولة التوسع في ملف مضيق هرمز. فموقعها في العالم تعزز سياسيا وديبلوماسيا، بينما كانت و.م.أ تخرق مبادئ القانون الدولي بزعمها أنها ضامنة للاستقرار عبر دعوتها للتصعيد. إذ عبر تطوير الطاقات المتجددة والمسالك الجديدة لطريق الحرير الذي التف حول المطبات التجارية للمضايق البحرية، رسمت الصين أفقا جديدا: و يمكننا أن نندمج مع هذه الرؤية.
توماس غومار: ولنكن أكثر دقة، فالصين لم تتخل، أبدا، عن الاستعمال التقليدي للقوة وعلاقات القوة. بمعنى آخر، فالقوى الجهوبة مثل: تركيا والجزائر أو الملكة العربية السعودية تطمح في النفوذ الاستراتيجي. وهذا ليس أمرا غريبا. ولهذا لا يجب أن نتجاهل البؤس الاستراتيجي للضعف. في زمن التحولات التكنولوجية والبيئية يجب على أوروبا أن تعيد النظر في علاقاتها بالعالم، والذي سيحكمه، دوما، منطق المواجهة والتحالف.
د.دوفلبان: يجب النظر أبعد من نظام العالم الذي يظهرنا في وضعية بئيسة. أن نتجنب التبعية معناه تركيز استقلالية تكنولوجية وطاقية وعسكرية واستراتيجية. يجب كذلك، إعادة التفكير في العلاقة مع إفريقيا و مع باقي القوى الأخرى: فالمستقبل يوجد في الحدود المشتركة.
عن مجلة “فيلوسوفي”، الصفحات: من 18 إلى 23 ، عدد 202، شتنبر 2026.
