بين نبل المبدأ ومرارة الخصومة.. لماذا ندافع عن فنزويلا؟

بين نبل المبدأ ومرارة الخصومة.. لماذا ندافع عن فنزويلا؟

عبد الرحمان الغندور

          حين نشرتُ مقالي المندد بالهجمة الأمريكية الفاجرة على فنزويلا، معتمداً تحليلاً عقلانياً هادئاً يتوخى وضع القضية في بعدها الشمولي، انبرى بعض “الظرفاء” بتعليقات لا ترى الحقيقة إلا بعين واحدة، أو لعلها لا ترى الحدث إلا من منظور “شوفيني” ضيق، أو ربما لا تراه إطلاقاً؛ مما يستدعي مني هذا التوضيح المبدئي:

في لحظات الاختبار الأخلاقي الكبرى، حين تطغى لغة القوة وتتجلى الوحشية في صواريخ الغطرسة التي تستهدف المستضعفين، يجد المرء نفسه أمام استحقاق إنساني لا يقبل التردد أو المواربة. إن الوقوف مع فنزويلا في وجه آلة الحرب والهيمنة ليس بالضرورة تبنياً لمنظومتها السياسية، أو موافقةً على توجهاتها في كل القضايا، بل هو انتصار لمبدأ راسخ يأبى الصمت حين ينكأ الظلم جنب إنسان ـ أي إنسان ـ بفعل عدوان خارجي غاشم.

هذا الموقف لا يحتاج إلى فلسفات معقدة، بل ينبع من يقين بسيط وعميق في آن واحد: أن الإنسانية حزمة واحدة مقدسة، وأن أي اعتداء على جزء منها هو طعنة في جوهر الوجود البشري ذاته. إن الدفاع عن كرامة الآخرين، حتى أولئك الذين نختلف معهم في ساحات الفكر والسياسة، هو دفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن مخالب القوى العاتية التي لا تقيم وزناً لسيادة أو إرادة.

ويتحلى نبل هذا الموقف حين يترفع فوق الجراح الوطنية والسياسية الخاصة؛ فبالرغم من الإدراك التام بأن فنزويلا تقف في الجانب النقيض من قضية محورية كقضية “وحدتنا الترابية”، إلا أن الخلاف السياسي ـ مهما بلغت مرارته ـ لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للقبول بنهش لحم الآخر أو العبث بمصيره تحت وطأة العدوان. إن التخلي عن المبدأ الإنساني في لحظة الضعف التي يمر بها الخصم هو خيانة للذات قبل أن يكون خيانة للآخر، فالمبدأ الذي يمنح الوجود معناه هو أن الإنسانية تسبق التحالفات وأقدس من المصالح المتقلبة، والعداوة السياسية لا تمنح ترخيصاً للأقوياء لاستباحة حقوق الشعوب.

إن ما تتعرض له فنزويلا من استهداف لا يعود لدعمها لقضية بعينها، بل لجرأتها على رفض دور “الدمية” في مسرح القوى الكبرى، وهو ما يمثل استعلاءً على مبدأ السيادة واحتقاراً لإرادة الأمم، وامتداداً لتاريخ طويل من الهيمنة عانت منه شعوب الجنوب والمنطقة العربية والإسلامية على حد سواء. لذا، فإن الوقوف ضد الحصار والجوع والتهديد الذي يواجه الشعب الفنزويلي ليس انحيازاً أعمى لخصم سياسي، بل هو إعلان وفاء لثوابت أخلاقية تسمو فوق الخصومات.

إن الدفاع عن المستضعفين، أصدقاء كانوا أم خصوماً، هو تشييد لسور أخلاقي يحمي الجميع، وتأكيد على أن كرامة الإنسان وحق الصغير في الوجود هما المقياس الحقيقي لنزاهة الضمير البشري في مواجهة طغيان الجبابرة.

لذلك، أرفع صوتي عالياً: كفى عدواناً على فنزويلا.. كفى حصاراً يجوّع أطفالها.. كفى تهديداً يخيّم على مستقبلها. هذا الموقف ليس انحيازاً أخرق لخصم، بل هو إعلان وفاء لمبدأ إنساني رفيع، وإثبات بأن أخلاقنا ليست سلعة نتاجر بها عند الحاجة، بل هي ثوابت تسمو فوق خلافاتنا. إن الدفاع عن فنزويلا اليوم هو دفاع عن ذلك الجزء من كرامتنا جميعاً، الذي قد يتعرض للاغتيال غداً تحت أي ذريعة. وسواءٌ أكانوا أصدقاء أم أعداء، فهم بشر قبل كل شيء، والإنسانية وحدها تكفي لنمُدّ لهم يد المناصرة حين تدوسهم أقدام الجبابرة.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحمان الغندور

كاتب وناشط سياسي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!