بين وارسو وموسكو: صراع التعويضات وإرث الحقبة السوفيتية
د. زياد منصور
ذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز” أن بولندا تعكف على إعداد دعوى تطالب فيها روسيا بتعويضات عن “حقبة الهيمنة السوفيتية”، وذلك في أعقاب مطالب مماثلة وجهتها لبرلين لتعويضها عن أضرار الحرب العالمية الثانية.
وردًّا على هذه التحركات، أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن المطالب البولندية لا تعدو كونها “خيالات سياسية”، مشيرة إلى أن سلطات وارسو غالبًا ما تلجأ إلى “مراجعة التاريخ” كأداة لحل مشكلاتها السياسية الداخلية. وفي السياق ذاته، وصف الكرملين هذه المطالب بأنها تجسيد لـ “روسوفوبيا صريحة وتطرف سياسي غير رشيد”.
أمام هذه الوقائع، يغدو من الضروري العودة إلى التاريخ لاستجلاء حقيقة ما جرى فعليًّا في تلك الحقبة، وتبيان الدوافع التي حدت بالجيش الأحمر للقيام بحملته على بولندا، والإجابة عن السؤال الجوهري: لماذا لم يكن أمام الاتحاد السوفيتي خيار آخر في أيلول عام 1939؟
خريف 1939: منعطف حاسم في تاريخ أوكرانيا وبيلاروس
شكّل خريف عام 1939 نقطة تحوّل كبرى في مسيرة الشعبين الأوكراني والبيلاروسي؛ فلولا الأحداث التي جرت قبل ثمانين عامًا، لما أمكن قيام دولتين مستقلتين ضمن حدودهما الحالية. وبينما كان يُفترض أن يُحتفى بالسابع عشر من أيلول كعيد وطني، نجد مفارقة تكمن في تجاهل هذه المناسبة في أحد البلدين، ووصفها في الآخر بأنها “جريمة للنظام الستاليني”.
طموحات بولندا: من فنلندا إلى جبال القوقاز
اتسم تفكك الإمبراطورية الروسية، الذي بدأ فعليًا مع سقوط أسرة رومانوف، بطابع دموي. وسعت الأقاليم الطامحة للاستقلال إلى توسيع سيطرتها لأقصى حد، وكانت بولندا بقيادة يوزف بيلسودسكي الأكثر اندفاعًا. تطلع بيلسودسكي لبسط النفوذ على أراضٍ لم تكن يومًا ملكًا للبولنديين، معبرًا عن أهدافه بوضوح:
“إنّ روسيا، إذا انحصرت ضمن حدود القرن السادس عشر وحُرمت من الوصول للبحار وموارد الجنوب، ستتحول لدولة من الدرجة الثانية، بينما ستضمن بولندا لنفسها مجال نفوذ يمتد من فنلندا إلى جبال القوقاز”.
ولم تكن روسيا السوفيتية تعتزم الاكتفاء بوقف التوسع البولندي، بل سعت لإخراجها من دائرة نفوذ دول “الوفاق” (الأنتانتا). وقد برز في تلك الحقبة ثوريون بولنديون انخرطوا في المشروع السوفيتي، أبرزهم فيليكس دزريجينسكي، مؤسس جهاز “التشيكا”.
شرق «خط كرزون»: الإشكالية القومية
في عام 1919، اقترح المجلس الأعلى لدول الوفاق ما عُرف بـ «خط كرزون»، ليفصل بين المناطق ذات الغالبية البولندية وتلك ذات الغالبية الأوكرانية والبيلاروسية. إلا أن بيلسودسكي رفض هذا الخط، واحتل كييف في أيار 1920، قبل أن يشن الجيش الأحمر هجومًا مضادًا انتهى بـ “صلح ريغا” 1921، الذي كرّس حدودًا لبولندا تتجاوز بكثير المعيار الإثني المقترح.
سياسة «البولنة» والصهر القومي
انتهجت وارسو في الأقاليم الشرقية سياسة “البولنة القسرية”، وهي حزمة إجراءات لإضعاف الخصوصية اللغوية والدينية للأوكرانيين والبيلاروس. شملت هذه السياسة تقييد التعليم بلغاتهم الأصلية، وإغلاق الكنائس الأرثوذكسية، والضغط للتحول للكاثوليكية. ووفقًا لإحصاءات 1921-1931، انخفض عدد المسجلين كبيلاروس بأكثر من مئة ألف نسمة نتيجة هذه الضغوط.
توتر مستمر وطموحات “الضبع الأوروبي”
رغم معاهدة عدم الاعتداء عام 1932، ظل انعدام الثقة سيد الموقف. وفي مطلع 1939، صرّح وزير الخارجية البولندي يوزف بيك بمطامع بولندا في أوكرانيا السوفيتية ومنفذ على البحر الأسود. غير أن رفض وارسو التنازل لألمانيا في مسألة «ممر دانتسيغ» حوّلها، بتعبير وينستون تشرشل، من “ضبع” يطمح للافتراس إلى فريسة للنازية.
انهيار الجبهة والتحرك السوفيتي
بدأ الهجوم الألماني في 1 أيلول 1939، وبحلول منتصف الشهر كانت القوات الألمانية قد سيطرت على بريست وطوّقت لفيف. ومع انهيار الدولة البولندية وفرار حكومتها، اتخذت موسكو قرار التحرك لحماية مصالحها الاستراتيجية وسكان أوكرانيا وبيلاروسيا الغربية، وفقًا للتفاهمات الواردة في البروتوكول السري لمعاهدة عدم الاعتداء مع ألمانيا.
تُظهر الوثائق أن الاتحاد السوفيتي تريّث حتى تأكد من انهيار المقاومة البولندية وعدم جدية الحلفاء الغربيين في فتح جبهة حقيقية ضد هتلر. وفي 17 أيلول، تسلم السفير البولندي مذكرة رسمية تعلن أن الاتفاقات السابقة فقدت مفعولها لزوال الدولة البولندية واقعيًا، وأن الجيش الأحمر سيعبر الحدود لحماية الأرواح والممتلكات.
شهادات من الميدان وحقائق سكيدل
أفاد رئيس الأركان البولندي، فاتسلاف ستاخيفيتش، بأن الجنود السوفيت كانوا يتجنبون إطلاق النار في الغالب، مؤكدين أنهم جاءوا للمساعدة ضد الألمان. وفي المقابل، شهدت مدينة سكيدل أعمال قمع وحشية ارتكبها قناصة بولنديون ضد السكان المحليين والثوار الذين استقبلوا الجيش الأحمر كمحرر، حيث سُجلت حالات تعذيب مروعة قبل وصول الوحدات السوفيتية التي أوقفت التنكيل.
الخاتمة: إعادة قراءة استراتيجية
انتهت العملية العسكرية في 29 أيلول 1939، بضم مساحة توازي 50.4% من أراضي بولندا السابقة، وهي مناطق تقع ضمن “خط كرزون”. والمثير للاهتمام أن القوى الغربية، بما فيها بريطانيا، لم تعتبر هذه العملية خرقًا للقانون الدولي، حيث صرح تشرشل حينها بأن تمركز الجيوش الروسية على هذا الخط كان حيويًا لأمن روسيا ضد التهديد النازي.
إن محاولات تصوير أحداث 1939 كـ “عدوان سوفيتي” تتجاهل الحقائق الموضوعية وسياق انهيار الدولة البولندية. هذا التلاعب التاريخي يخدم أجندات سياسية معاصرة تشبه الحملات الإعلامية ضد روسيا اليوم، والتي تغفل الأبعاد الأمنية والجيوسياسية. وفي النهاية، إذا كان البعض يعارض “إعادة التوحيد” التي قادها ستالين، فإن الدول المستقلة تملك كامل الحق في إعادة تلك الأراضي كـ “هدية” لبولندا إن أرادت الاتساق مع دعواها.
