تاريخٌ تحت الطلب: انزلاق مجلة L’Histoire الفرنسية نحو البروباغندا

تاريخٌ تحت الطلب: انزلاق مجلة L’Histoire الفرنسية نحو البروباغندا

عمر بنعطية

           أثار العدد الأخير من مجلة “L’Histoire” الفرنسية (عدد يناير- مارس 2026)، المخصص لتاريخ المغرب “من السلالات البربرية إلى عهد الملك محمد السادس”، موجة من التساؤلات التي تتجاوز قيمته المعرفية لتطرح إشكاليات عميقة حول أخلاقيات النشر الأكاديمي وحدود التماس بين البحث التاريخي والتسويق السياسي.

فبالرغم من الزخم الذي تمنحه أسماء وازنة شاركت في الملف، من طينة عبد الأحد السبتي ومحمد كنبيب وبيير فيرمران، إلا أن النتيجة النهائية جاءت مخيبة لآمال الباحثين عن المسافة النقدية، لتكشف عن منتج أقرب إلى كتيب إشهاري فاخر ممول من الجهات الرسمية.

المشكلة ليست في تسليط الضوء على عراقة الدولة المغربية، فهذا حق تاريخي لا غبار عليه، ولكنها تكمن في النبرة التمجيدية التي غلفت المقالات. لقد سقطت المجلة في فخ ما يطلق عليه: “التاريخ الغائي” (L’histoire téléologique)، حيث يُقرأ الماضي فقط لتبرير الحاضر وتلميعه. تم تصوير المسار التاريخي للمغرب كخيط حريري مستقيم، متجاهلاً بوعيٍ أو بضغطٍ التعرجات الحادة والانكسارات وصراعات “السيبة” والمركز، التي هي ملح التاريخ ومختبر فهم تحولات الدول.

إن المتصفح للعدد يدرك منذ الوهلة الأولى أننا أمام دبلوماسية ناعمة ترتدي قناعًا أكاديميا. فالصور الأيقونية المنتقاة بعناية، وجودة الإخراج الفني، والتركيز المفرط على المشاريع الكبرى: طنجة المتوسط، الطاقات المتجددة، الريادة الإفريقية… كاستمرار لـ “عبقرية السلالات”، يجعل من العدد بروشورا استثماريا موجها للنخبة الفرنكوفونية، أكثر منه ملفاً لمؤرخين يفككون البنيات العميقة للمخزن والمجتمع.

أين هي الأصوات النقدية التي تشرح جذور التفاوتات الطبقية والمجالية؟ وأين هو النقد السوسيولوجي لآليات الهيمنة؟

لقد اختارت “L’Histoire” مقاربة انتقائية بامتياز، فبينما استفاضت في الحديث عن “الاستثناء المغربي” و”حداثة المؤسسات”، مرت مرور الكرام على قضايا حقوقية واجتماعية شائكة، واكتفت برواية هيئة الإنصاف والمصالحة كخاتمة لسنوات الرصاص، دون نبش حقيقي في إرث السلطوية الذي لا يزال يشغل بال المؤرخين المستقلين.

هذا النوع من الملفات المؤدى عنها، سواء بشكل مباشر أو عبر تسهيلات لوجستية ورعاية رسمية، يضر بمصداقية المجلات العريقة. فبدلاً من أن يكون العدد مختبرًا لتمحيص الحقائق وتجديد الأطروحات، تحول إلى منصة إشهارية… والخطورة هنا تكمن في أن القارئ الأجنبي، وحتى المحلي، قد يبتلع الطعم الأكاديمي ليستهلك خطابا سياسيا محضا مغلفا بختم السوربون ومعهد الدراسات السياسية بباريس.

لا شك أن المغرب يمتلك تاريخا ضاربا في القدم يغنيه عن التدليس أو الشراء. إن حاجتنا اليوم ليست إلى مجلات فرنسية تبيعنا المديح في ورق صقيل، بل إلى مؤرخين يمتلكون الشجاعة للغوص في المناطق الرمادية، ومساءلة الذاكرة بعيداً عن ضغوط الأجندات الدبلوماسية.

لقد سقط العدد 110 من “L’Histoire” في فخ التاريخ الرسمي، فجاء خاليا من الروح، مجردًا من الصراع، ومطليا بطلاء المؤسسات. هو عدد سيُحفظ بلا شك في رفوف السفارات والمكاتب السياحية، لكنه لن يجد مكانا حقيقيًا في ذاكرة البحث التاريخي الرصين الذي يبحث عن الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة.

أبرز الأسماء والمواضيع المشاركة في الملف:

الباحثون المغاربة:

  • عبد الأحد السبتي: “آليات السلطة والمخزن: استمرارية الدولة الشريفة“.
  • محمد كنبيب: “يهود المغرب: تاريخ من التعايش والذاكرة المشتركة“.
  • لطيفة الكندوز: “المرأة المغربية: من الحريم إلى الإصلاحات القانونية الكبرى“.
  • علي بن مخلوف: “الفكر والفلسفة في مغرب العصور الوسطى: ابن رشد وابن باجة“.
  • بوشعيب السوربي: “المقاومة في الريف والأطلس: الوجوه المنسية ضد الاستعمار“.

الباحثون الفرنسيون:

  • بيير فيرمران (Pierre  Vermeren): “المغرب منذ عام 1999: تحديات الحداثة والتنمية“.
  • باتريك بوشرون (Patrick Boucheron): “الإمبراطورية الموحدية: عندما كان المغرب مركز العالم“.
  • دانيال ريفيه (Daniel Rivet): “ليوطي والمغرب: قراءة جديدة لفترة الحماية“.
  • فرانسوا إيمانويل روز (François-Emmanuel Rozé): “الدبلوماسية العلوية والقوى الأوروبية في القرن الثامن عشر“.
  • جوسلين داغوز (Jocelyne Dakhlia): “اللغة والثقافة: الأمازيغية كعمق تاريخي للهوية المغربية“.

المقالات المشتركة والملفات التقنية:

  • برنار لاغاراي (Bernard Lagaray): إعداد “أطلس الخرائط التاريخية” الملحق بالعدد.
  • حوار مشترك: حوار مطول بين عبد الله العروي (مساهم فخري) وبيير فيرمران حول سؤال: “كيف يُكتب تاريخ المغرب اليوم؟“.
شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!