تشاؤم الرؤية الفكرية وتفاؤل صنعة الكتابة في رواية “متاهات الأستاذ ف.ن” (2-2)

تشاؤم الرؤية الفكرية وتفاؤل صنعة الكتابة في رواية “متاهات الأستاذ ف.ن” (2-2)

لحسن أوزين

سادسا: تفاؤل صنعة الكتابة

لاحظنا في المحاور السابقة كيف استطاعت الرؤية الفكرية داخل الرواية ممارسة التحليل النقدي، وتفكيك الكثير من الوقائع والممارسات والمعطيات التي تخفي الأسس والأدوات والآليات السياسية والاجتماعية والمعرفية والثقافية، التي تعمل على تشويه الواقع وصناعة تاريخ مشبوه زائف ومزور. كما تناولت حالات من الظلم والاغتراب والتفقير والهدم لإنسانية البشر. وأيضا عملت على تشريح الخدمات التي يقدمها القمع السياسي والمؤسساتي والإعلامي، و”العلمي المعرفي” للجامعات، في الانتصار للفساد والافساد العلمي والاجتماعي والسياسي والتاريخي.

يُقدم هذا كله من خلال بنية سردية لا تنتصر للأحادية الصوتية، أو النظر والمتابعة من زاوية نظر ضيقة وبسيطة في فهم مكونات وتناقضات الواقع وحياة الناس. فهي تتوزع عبر مجموعة من المحاضرات أو الفصول السردية، لنشر رسالتها الثقافية على أن متاهات هذا الواقع المزيف القاسي والظالم، يحتوينا ويبتلعنا، كلما تخلينا عن كرامتنا واستسلمنا لشهوة أمل الترقي الاجتماعي والعلمي المغلوط والمزيف.

والرواية تبني حبكتها ومتاهاتها، من خلال، لغة جميلة مفعمة بالدلالات المعنوية والفكرية والسميائية، العميقة المعاني والأبعاد في أسئلتها الحارقة. والممسوسة بلعنة المتاهات التي فُرضت على الناس قمعا عليهم، وقبولا طوعيا جهلا منهم. والأسلوب التجريدي التأملي، والتحليل النقدي، يشوق القارئ. فتشده الرواية بسردها الجميل الأخاذ، الذي يعيد تركيب الواقع، فيخلق الواقعي الحي، النابض بفاعلية الانسان، وقدر التاريخ، الذي يلعب ويخوض في وحله المسيطرون.  إنها رواية ي غاية الروعة وهي تُعقد توقعات وأفق انتظار القارئ. حيث ترميه حكاية لأخرى أعمق وأمتع منها بكثير. طامعا ومتلهفا في كشف سر عنكبوت الكتابة في متاهات هذا السرد الأنيق. النابع من ذخيرة معرفية وفكرية ثقافية انعكست جمالا وفتنة على قوة الموهبة الخلاقة. هذا بالإضافة الى الصور البلاغية التي تكتنفها الاستعارات الرمزية، كأدوات فنية لها نصيب في صنعة الكتابة. وهذا ما منح للرموز الثقافية دلالات فنية وسياسية: اغتيالا العلماء، ضياع المخطوطات، هروب المواطن من بلده، تشويه البحث العلمي، وسلعنة المخطوطات في السوق السوداء. تشويه التاريخ وطمس عطاء وتضحيات الشعوب الفاعلة. غياب الاعتراف والتقدير اللامشروط، الفندق أو الوطن المسلوب…

هذه الرموز الثقافية تعبر عن حقيقة المتاهات، التي هي في جوهرها وأبعادها متاهات الحقيقة، أو سياسات الحقيقة، التي تسحق من يحاول النبش والحفر في سيروراتها المشبوهة، والقائمة على السيطرة والهيمنة والتغلب القهري والقمعي. وليس على قوة الحق وشرعية التاريخ وكفاءة العطاء ونبل الأخلاق، وعدالة الأحكام، ونزاهة المعايير…

ويتجلى أيضا تفاؤل صنعة الكتابة في تفكيكها للمظاهر السياسية والعلمية والاجتماعية. وما يختبئ من معاني تحت رماد الصراعات والحروب الاستعمارية والفاشية. ومختلف أشكال الاستغلال التي تكرسها سلطات الامر الوقع الأجنبية والمحلية. إضافة الى التناقضات الاجتماعية وما تخلقه من تطلعات وطموحات وهمية ساحرة وجذابة لتحقيق الترقي والمكانة، والسقوط في فخ عقدة المشهدية. كما أن الرواية حافلة بجمالية الألم والأمل التي تطبع شخصيات الرواية بين قوة النهوض، أو هشاشة السقوط. ورغم قساوة الحياة فالشخصيات حاولت التغيير، ونظرت الى واقعها بتأمل وتفكير وتحليل نقدي. دون تقبل تام للخنوع والانكسار: فريد، الاخرس، ابن الياسمين، تلميذه، مراد بنصالح…

وفي هذا تجسد الكتابة قمة التفاؤل الفني والإنساني القادر على منح معاني جميلة للأبعاد الأدبية والفكرية الثقافية للرواية.  ويمكننا التأكد من هذا في كل فصول الرواية سواء في الحرب الأهلية الاسبانية، أو في ورطة الشاب المغربي الأخرس، وفي لقائه بالفتاة اللبنانية الهاربة من واقع تسلط النظام الابوي الذكوري. وخاصة في الفصل الذي تضمن بوح واعتراف فريد النوري. فرغم عنف القهر الداخلي الذي دفع به الى الانفجار. إلى حد رمي حمم اللافا التي تحرق دواخله، وترهقه بثقلها الرهيب الذي أتى على الأخضر واليابس في تاريخه الشخصي، وخراب بعده الإنساني النرجسي. لأن لهيب الحريق أتى ليس فقط على حلمه في الترقي العلمي والاجتماعي، بل على قلبه ووجدانه. تلك النواة الداخلية تحطمت وما عاد له كتف ولا جدار يحميه من همجية الضعف الإنساني، وإرهاب الهشاشة الذي نخره من الداخل فصار مجرد حطام. كل الألم الفظيع تقدمه لنا لغة في قمة الحرارة الإنسانية المشبعة بحب الحياة. وبكلمات ومعاني وأسلوب ودلالات نابضة بالحياة والمشاعر والأحاسيس الإنسانية النبيلة. إلى درجة جعلت حرارة اللغة الإنسانية بائعة الهوى متلاحمة مع تلك النواة الأجمل في داخلها، التي طمستها وهمشتها، قسوة الحياة وظروف البنى اجتماعية السياسية والاقتصادية، والثقافية والمجتمعية، البالغة الرعب والإرهاب في تجريد الفرد من إنسانيته. وهذا ما جعلها تتصرف في تلك الليلة مع فريد بنبل إنساني أصيل. هذا هو عمق التفاؤل الذي نراه في صنعة الكتابة، التي تجعل الفرد معجزة أمام الخيبات والهزات والانكسارات.  فهناك مشاهد رائعة للحلم والحب والكفاح والصمود والرغبة الجنونية في عشق الحياة، رغم قسوة الظروف القاهرة. ومع كل فصل من الرواية ينبثق أمل بين طيات الكتابة على أن هناك من هو معني، حتى لو كلفه ذلك حياته، بالتشويه والتزوير والتزييف وضياع الحقيقة ورد الاعتبار للإنسان والوطن والعلم والتاريخ…

أن تستطيع الرواية تقديم البشاعة والآلام والمعاناة والدسائس الخبيثة، و بشاعة الفظائع التي يسببها القهر والظلم والحروب، بلغة فنية راقية، تسمح لنا باكتشاف السؤال، والتأمل العميق، والتفكير النقدي الرصين، فهذا تعبير عن تشبتها، ككتابة أدبية بالجمال والتفاؤل، وتكون المعنى في وحل ومآسي التاريخ البشري.

ولعل إدراك ووعي القارئ، النبيه والنبيل، معنيّ بهذه الومضة المشعة الجميلة، كليلة الفلق. التي حملتها اللغة في شاعريتها المكثفة والمتراصة، كعدسة فاحصة نقدية. قادرة على جعلنا نرى الواقع في أدق تفاصيله، وتفكيك لغز متاهاته، وخلق الأمل في دواخلنا على أن تغييره من الزيف والتشويه والقهر  ممكن مهما طال أمد تغييب وطمس وتزوير الحقيقة.

ففي عمق المتاهات والآلام والخراب الذي أتى على فريد النوري ومن معه في هذا التاريخ المشؤوم، يزهر في اللغة وتماسكها بوح جميل، وكتابة خلابة، حنونة، مضيافة للاعتراف. وتطهيرآلام الإنسان.

كما ترك الأسلوب التحليلي النقدي التأملي بصمته، في تجسيد تفاؤل صنعة الكتابة، المنفتحة الرؤية، والمتعددة الأصوات. والمتسعة المنظور، الى درجة إشراك القارئ في إنتاج المعاني وتوليد الدلالات.

وأيضا، تبعا لهذا الفهم والتأويل للرواية في قدرتها على الجمع جدليا بين تشاؤم الفكر النقدي، وتفاؤل صنعة الكتابة، يمكننا القول على مستوى المبنى، أو الخطاب، أن المفارقات والتوترات والتناقضات الاجتماعية والسياسية والثقافية القيمية التي تشكلت على أرضيتها الرواية: القهر/ الانصاف، الانغلاق/الانفتاح، الوفاء/الخيانة، دق/ النفاق، المودة/ المصلحة، الموت/الحياة، التعتيم/الإضاءة، الإنجاز/ الولاء، التزوير والاخفاء/ الفضح والتعرية…، تمنح الرواية أفقا للأمل ومخرجا آمنا من ورطة وعسر المتاهات. وهذا التوتر الجدلي  يسمح للكتابة في صنعتها الفنية بتخطي قسوة الواقع وتعقد أزماته. وبناء شكل من التفاؤل، من خلال  النهايات المفتوحة لكل فصل مولد للكثير من الأسئلة، الناتجة عن إمكانية تعدد التأويلات. هذا يعني تحرر المعنى من قيود الانغلاق، الشيء يعطي أملا في انبثاق الحلم و التفكير، ورسم الطرق السليمة للتغيير. أو على الأقل الخروج من واقع مأزوم متخلف، مشوه وزائف.

ولعل في قدرة الكتابة في لغتها و أسلوبها، وخطابها، ومن خلال كل أدواتها الفنية، على التعبير عن المعاناة والآلام والفظائع، وفي السطو على السياسية والثروة والجاه، وصناعة التاريخ المشوه المزور. ما يدل على جماليتها، ونبض فاعلية  تفاؤلها. فالحقائق التي عرتها وفضحتها الرواية، على كل المستويات الظاهرة والخفية في المجتمع والسياسة والثروة والسلطة…، والتفاصيل الموجعة التي أرقت وعذبت فريد، الى حد السقوط والانهيار، وجدت في الآخرين من يهتم بها ويدفع حياته في سبيل كشف لغزها. وما فريد، سوى رمز فني يعبر عن استحالة توقف الحفر والبحث والتعرية، وإعادة بناء الحقيقة وكتابة التاريخ…

ويستطيع القارئ المتفاعل المشارك، المتورط بالمعنى الجمالي في متاهات الرواية، أن يلاحظ كيف تتحول كل هذه الآلام والتشوهات والزيف، في سيرورة القراءة إلى معرفة ومساحة للفكر، ومعانقة حرقة الأسئلة. محفزة لإنتاج أسئلة فلسفية ووجودية حول الظلم والعدالة والحياة، والحرية، والحقيقة…

وهذا ما يجعل القارئ يتماهى، لكن بمسافة نقدية في الوقت نفسه مع شخصيات الرواية: الفتاة اللبنانية، الاخرس، فريد، بائعة الهوى، فتاة الحالة الحرجة، وابن النجار… ليس كضحايا، بل كأفراد يحاولون فهم أوضاعهم، و الدفاع والحفاظ على ما تبقى من كرامتهم في عالم شديد القسوة، جردهم من نبل القيم و مكارم الأخلاق. وهذا ما لمسناه بين الأخرس والفتاة، بين بائعة الهوى وفريد، وابن النجار في صراعه الداخلي بعد أن باعة نفسه للقراصنة…

فنكتشف بفرحة عارمة أن الأمر يتعلق بتجربة لغوية وسردية، تفضح، تعري، تفكك، تحلل، أشكال المسخ والتشوهات. فتصير الكتابة أرضية فكرية وجمالية ذات قدرة هائلة على تفعيل قطب القارئ، في خوض تجربة إنتاج خطاب، ومعنى وسط كل هذه المتاهات المرعبة التي تحفل بها الرواية. وذلك رفضا للمسخ والتشوه والزيف…

سابعا: فريد كمجاز لاستحالة الترقي والتغيير من الداخل

 عادة في أغلب المواقف والوضعيات والممارسات يؤدي الانطلاق من التربة الفكرية المعرفية،  والأخلاقية القيمية الإيديولوجية، النقيضة لرؤيتنا وأفكارنا ونظرتنا القيمية الإنسانية، الى الاحتواء. والسقوط في فح إعادة الإنتاج لما كنا نرفضه ونسعى الى تغييره.

 يمكن اعتبار شخصية فريد استعارة فنية كبرى لما عاشته أغلب شخصيات الرواية كابن النجار في فصل “حبر وجبر وبحر”. فهو من طبقة مسحوقة عاش الحرمان العاطفي الجزئي، بفقده للأم. التي أجهز عليها دون شفقة ولا رحمة تسلط الأب الوحشي. وكان منتظرا في ظل قهر أبوي أن يجد نفسه مطرودا من البيت. ومع كل المحن والصعاب تشبث بالمعرفة والعلم كأفق للنجاح والخلاص. ولم يسلم من استغلال وحقد عمه وأبنائه جميعا. فقد كان مجرد خادم مغبون مقابل حصوله على نوع من الحماية والاحتضان المشروط بالاستغلال الشنيع. ورغم قسوة قدره الملعون واصل معركة التحصيل العلمي، الى أن وجد نفسه أستاذا مميزا داخل الجامعة، يحب عمله، ويؤديه بكفاءة عالية. إلا أنه للأسف استغل طرقا بئيسة التفافية مشبوهة، لا تخلو من المكر والحيلة والخبث. حيث كان نجاحه يسير بالموازاة مع تعفنه وتورطه في تكريس الزيف والتزوير والمغالطات، وتشويه مسارات وظائف وأهداف ورهانات المعرفة الاكاديمية والبحث العلمي. وتشويه الروح الأخلاقية والقيم الثقافية الاجتماعية. حاول بجهده العلمي الخاص شق الطريق، لكنه استسلم لخبث التناقضات المجتمعية في البحث عن الوسائل غير الشرعية للوصول واعتلاء موقع السيطرة والهيمنة. سار على هذا النهج رغم وعيه بخطورة مكر ودسائس ومكائد السلطة، والممارسات المؤسساتية السياسية والعلمية والإعلامية. فعاش بأقنعة متناقضة ورهيبة تتجاوز ازدواج الشخصية في الجمع بين الحب والتملك العاطفي والمادي، الاجتهاد والتحايل، العدالة والظلم، الوفاء للقيم وتمريغها في وحل عفونة المكانة والوجاهة…

لذلك كان صعبا عليه في عوالم المكر والحقد والضغينة والتزوير والسطو على التاريخ والسياسة والاعلام والمؤسسات العلمية…، أن يبقى أنيقا نظيفا من قذارة تهدده باستمرار. مهما ما امتلك من علم ووثائق ومخطوطات وحقائق تدين المتحكمين في الوضع السائد. لذلك كان طبيعيا أن يدفع ثمن ازدواج القيم والمبادئ والقناعات. لأن التعود على الأقنعة يؤدي إلى صياع الهوية، والتحلل النرجسية الذاتية، وإلى النفي والاغتراب والإلغاء الوجودي. هذا ما حدث له في نوع من التواطؤ الذاتي مع أسس وأدوات وآليات القهر والهدر التي تشتغل كبنيات شرسة تلتهم الأفراد. لضمان سيرورة وجودها، وديمومة سيطرتها وهيمنتها.

لهذا عندما شعر فريد بنار الغدر والخيانة تلتهم وتحرق جوفه الحي، كان طبيعيا أن يخسر معركته، ويضعف، إلى حد الانكسار والهشاشة. لأنه أخذ بآليات وأدوات خصومه فكرا وأخلاقا وقيما. محاولا اللعب فوق حبال يجهل قوتها في الإطاحة به في أي وقت ممكن. خاصة أنه لم يعمل في اتجاه تجاوزها. بقدر ما عمل على ترسيخها وتكريسها. الفساد لوثة خطيرة يصعب تفادي عدواها لمن اختار اقتحام مجالها الخاص.

هكذا تنتج الروية خطابا شديد التركيب والتعقيد حول ذواتنا هويتنا، يفضح ويعري مآزق ما بعد الكولونيالية. كيف نتخلص ونتحرر من التشويه والتزوير والزيف والفساد، دون أن نصير نسخة منه؟

وعلى ضوء هذا السؤال تحاول الكتابة السردية التغلب على بؤس الواقع، وخلق أمل ولادة الفرد الحر. بحيث لا ينظر القارئ الى مصير شخصياتها، بشكل اختزالي لما يشكل الانسان عموما من توترات، وجدليات نابعة من مبدأ التناقض المجتمعي في ولادة الفرد، وفي نشأته وتفكيره وقيمه…

بل ضروري توسيع الرؤية لإدراك أن مآل شخصية فريد، تعبير فني جميل حول الشرط التاريخي الاجتماعي الإنساني في عالم مفكك ممزق مأزوم.

فنحن لسنا أمام مأساة فردية فقط، بل كارثة أجيال، وتاريخ وثقافة، ومؤسسات معرفية أكاديمية، وممارسات سياسية المزيفة. إننا أمام وثيقة تتحمل مسؤولية التفكير، والدعوة الجادة إلى معاودة بناء الإنسان بعد هذا الخراب الفادح الثمن.

فأن تُكتب هذه الرواية، بهذا الشكل الفني الروائي الجميل، المفعم بالتعدد السردي والصوتي، والتعدد اللغوي والخطي، يعني قمة التفاؤل رغم تشاؤم العقل النقدي. كما يدل بوضوح على تعدد المعنى.  إنها صنعة أدبية تبحث عن شعاع أمل، ومصدر نور وهاج في هذا الواقع المأزوم المظلم.

ثامنا: عندما تفكر الرواية في نفسها، تشرك القارئ في صنعتها

وجمالية الرواية أيضا تتجلى في قدرتها على ممارسة التفكير في نفسها ككتابة إبداعية. تبعا لما يسمى “ميتاسرد”. وهي تضع بين يدي القراء الأدوات والآليات الفنية الضمنية التي تمثل شكل المنطق الداخلي لاشتغال العمل السردي. ونستطيع أن نقول إن الرواية ذهبت بعيدا في التجريب، حين فتحت ذراعيها للقارئ جاعلة منه قطبا جماليا حقيقي. فهي لم تكتف بكشف كيفية تشكل نسيج العمل الإبداعي في ترابطه المعقد بين المتخيل والواقع. بل جعلت من نفسها ورشة للتدريب على صنعة الكتابة التي لا تقف عند الموهبة الخلاقة. مشيرة بتفصيل دقيق الى الوجه الآخر المعرفي والفكري النقدي الذي ينبغي أن يحضر خلال مخاضات تشكل العملية الإبداعية، باعتبارها صنعة محكمة البناء.

كتابة لا تخشى العدسة النقدية، فهي تتطلبها، وتسعى إليها، في تطور حركة سيرورتها تكونها وبنائها، ككتابة أدبية. لذلك كان لحضور الميتا سرد دوره الجمالي والفكري، في تأكيد خصوصية وتميز عوالم المتخيل الروائي. الذي ينتج واقعه في علاقته التركيبية غير المباشر بالواقع.

___________________________________________________________________________________________
عبد المجيد سباطة، في متاهات الأستاذ ف.ن. (المركز الثقافي العربي- الطبعة الأولى2025)

شارك هذا الموضوع

لحسن أوزين

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!