تشريح سيكولوجيا الهشاشة في روايات الدكتور نور الدين شكردة
عزيز باكوش
في المنجز الروائي – ثلاثية الهشاشة- مقهى درب الحاج إدريس – راس لقليعة – الخربة رقم 4 – و درب الجرندي يوميات الجائحة – للروائي الدكتور نور الدين شٌكردة، لا يحضر المقهى بوصفه فضاء عابرا للقاء أو احتساء القهوة، بل باعتباره بنية رمزية مكثفة تختزل أعطاب المجتمع وتحولاته. إنه فضاء تتقاطع فيه الهشاشة الاجتماعية بالهشاشة القيمية، ويتحوّل إلى مرآة كاشفة لوعي مأزوم يعيش بين وهم التضامن وحقيقة التنافر.
منذ الصفحات الأولى، تتناسل المقاهي “كالفطر”، في صورة بلاغية تحيل على التكاثر غير الطبيعي، وكأن المدينة – فاس الجديدة وفاس البالي – تعوّض عجزها التنموي بتكاثر فضاءات الاستهلاك السلبي. يفرّ إليها الرجال من “تعاسة المنزل وكآبة المعشر ورتابة العمل”، فتغدو ملاذا يوميا من ضغوط الحياة، لكنها في العمق ليست سوى إعادة إنتاج للهروب ذاته. المقهى هنا مهرب مؤقت لا يعالج أصل العطب، بل يؤجله.
يتعمق السرد في توصيف المقهى كموقع للتلصص الجماعي، وتعقب تفاصيل الآخرين، ومسرح للثرثرة حول الجنس، وكورونا، وكرة القدم، والانتخابات، والقمار… عوالم لغوية متخمة بالضجيج، لكنها فارغة من الفعل. إنها “مقبرة لقتل الوقت” و”محبس إرادي” لقبيلة من القطيعيين المنقادين، حيث تتعطل إرادة المبادرة ويُدفن التوكل والأخذ بالأسباب. وبهذا المعنى، يتحول المقهى إلى استعارة كبرى لعطب القرار الفردي والجماعي.
في بعده السياسي، يلمح الكاتب إلى كون المقهى “اختراعا يسّر على رجالات السلطة الوصول إلى منابع الفتن ومصادر الأخبار”، في إحالة ذكية إلى وظيفة المراقبة غير المعلنة، حيث يصبح الفضاء الشعبي أداة لضبط المزاج العام. أما اجتماعيا، فالمقهى امتداد للفقر والتهميش، جزء من نبض دروب أنهكتها الفاقة، وملجأ لمن “لم تعرهم الحكومات المتعاقبة الاهتمام الذي يليق بهشاشتهم”. إنه ملاذ البسطاء، لكنه أيضا كهف بلا مخرج وبئر بلا قرار.
ويبلغ الخطاب النقدي ذروته حين يعقد السارد مقارنة صريحة بين مقاهٍ صنعت الفكر وأخرى تصنع العطب. يستحضر تجربة مقهى Café Procope الذي افتتحه Francesco Procopio dei Coltelli سنة 1686 بباريس، والذي ارتاده Jean de La Fontaine وHonoré de Balzac وVictor Hugo وDenis Diderot وMaximilien Robespierre وNapoleon Bonaparte… في مقابل مقاهٍ محلية لم تنتج سوى “السل والفطريات”. ليست المقارنة هنا تمجيدا للغرب بقدر ما هي مساءلة لواقع ثقافي تخلى عن إمكاناته التنويرية، وسلم مفاتيح الأدب للتفاهة والسماسرة.
ومع جائحة كورونا، حين أُغلقت المقاهي، انكشف حجم الاعتماد النفسي والاجتماعي عليها، إذ بدت المدينة وكأنها فقدت نبضها اليومي. فالمقهى، مهما اشتد نقده، يظل “صدى المجتمع ومرآة للواقع العام”، معيارا يقيس درجة الوعي والجهل، التضامن والتنافر، الحياة والموت.
هكذا تتجلى المقهى في «مقهى الحاج إدريس» فضاء ملتبسا: ملاذًا وسجنا، ملهاة ومأساة، حافة وهاوية. إنها ليست مجرد مكان، بل بنية ذهنية وسوسيولوجية في طور التشكل، كما الشخصية المغربية في فاس. وبهذا المعنى، تنجح ثلاثية “الهشاشة” في تحويل المقهى من ديكور سردي إلى مفهوم نقدي، ومن فضاء للجلوس إلى استعارة لانسداد الأفق، حيث “الصمت بلا بداية والثرثرة بلا نهاية”، وحيث يتجاور الموت والحياة على طاولة قهوة واحدة.
هذه بعض الاقتباسات من رواية – لاتي لقليعة الخربة رقم4 :
*المقاهي أينعت كالفطر بين المقهى والمقهى تنبت مقهى جديدة. منها وإليها تفر فيالق الرجال من تعاسة المنزل وكآبة المعشر ورتابة العمل صوب سعادة . موقع للتلصص الجماعي وتعقب تموجات شحوم النساء والرجال وحل مسهمات أبو سلمى والسودوكو وتوقع نتيجة الديربي والكلاسيكو … مكان مثالي للشعور بالتضامن الكاذب والتخلص من ضغوطات الحياة والعمل والأسرة والتيهان في عوالم من وهم أنس وسعادة مؤقتة وزائفة .ص 6.
المقهى مكان للثرثرة التي تعلو في الأفق، ولغو لا يسمن ولا يغني من جوع ،حديث عن الجنس والحجر. كورونا وكرة القدم والانتخابات والقمار والخيانة الزوجية وإلغاءالعمرة وأباريق الشاي وكؤوس النص نص والسيباري – قهوة مع حليب غير مختلط – وسجائر التقسيط تؤثث المجالس ص10
*المقهى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية للساكنة. درب الجرندي وجنان الشامي وباب الخوخة وكل دروب العدوتين المتجاورتين، جزء من صميم نبض حيوات ساكنة أضنتها الفاقة والفقر . امتداد للحياة بل لعلها الحياة والملاذ الجديد لساكنة لم تعرها الحكومات المتعاقبة الاهتمام الذي يليق بهشاشتها ص13
*المقهى كهف من دون مخرج ،بئر من دون قرار ،قطعة من مجتمع فاسد شاشة يعرض عليها الزبائن أسمالهم وأسرارهم. ص17
* المقهى مأزق جماعي محبس إرادي ترتاده يوميا قبيلة القطيعيين بعقلية جمعية منقادة. سرب سمك بطريق جائع. المقهى منزل ثانوي بنواميس أكثر ليونة وإمتاعا. مقبرة لقتل الوقت ودفن قيم التوكل والمبادرة والأخذ بالأسباب. طوق نجاة لمن يخشى القيادة. توجيه إجباري لمن تعوزه حيلة القرار والاختيار.
* المقهى اختراع يسر على رجالات السلطة الوصول الى منابع الفتن ومصادر الأخبار ص18
* أما مقهى الميزان فتستمر في تقديم خدماتها المتواضعة لكل مرتاديها المخلصين لكل الميسورين والبؤساء كل الماكرين وعديمي الحيلة كل القانعين والطامعين خدمات تقليدية يطغى عليها التساهل الذي يمتح من قيم الرجولة والتفهم وغض الطرف. يغير النادل القهوة لأحد الزبناء ثقيلي الظل مرتين متتابعتين يرتشف الزبون من الكأس الثالث، يتبرم وينسحب غاضبا دون تأدية ثمن مشروبه ص 24
* تتناسل المقاهي كالفطر بعدوات فاس الجديد وفاس البالي انتشار هائل للمقاهي الراقية والشعبية قبل كورونا الأول وخلال كورونا الثانية تتشابه الوظيف يختلف الموقع والتصميم والكونسيبط فقط هم مستخدموها من يؤدون ثمن الازمات والنكبات ص30يبدو أن المقهى لم تعد مظهرا من مظاهر التمدن التفتا يمينا وسيطالعكم بائعو الديكة الرومية وفصوص الثوم.
لقد سلمت المقاهي مفاتيح الأدب والثقافة للتفاهة والمتسولين وللسماسرة وتجار الجائلين. المقهى وكر للغيبة والنميمة واحتساء المشروبات وقضاء أوقات الفراغ. فخ للنصب والاحتيال على السذج. ص38
*يبدو الجلوس على قارعة المقاهي وكأنه مهرب ومكافأة يومية لصناع وحرفيين قهرتهم الحاجة. بعشرة دراهم يستطيع الزبون تزجية يوم كامل واقتناص كؤوس شاي من أباريق صديقة. تبدو المقاهي أحيانا امتدادا للأسواق ورحبات الزرع والدجاج. وتبدو في أحايين كثيرة ملحقة لمسرح أو مدرسة أو جامعة. لكن الأكيد أن الشخصية المغربية بمقاهي مدينة فاس هي في طور التشكل، كما المقاهي تعيش زمن التجريب والتشكل ص50.
*صراحة لا مجال للمقارنة بين مقاهي أنتجت الفكر والموسوعات ومقاهي أنتجت السل والفطريات. أول مقهى افتتح بباريس 1686 لفرانشيسكو بروكوبيو دي كولتيلي كان يفتح مركزا للحياة الأدبية والفلسفية. مقهى سيتردد عليها لافونتين وبلزاك وفيكتور هوجو وديدرو ودلامبير وروبسبير ونابوليون بونابارت. وليس حليليفة والسوطيح وبليزو ولمحنك ص 58
*مقهى الدرب فضاء شعبي للتنفيس والمؤانسة. فضاء سوسيواقتصادي يعكس طبيعة المجتمع ومدى سوء تمثل أفراده لحدود العلاقة بين الفضاء العام والخاص هي مجرد مزارات يومية للمهمومين والمدمنين والمتسكعين والحائطيين. محطات استراحة للوحيش وأصنامات راس الدرب والموميائيين وقلة مثقفة قليلة يأتون كل يوم وهم مبرمجون على أن يراقبوا ويراقبوا يستفزوا ويستفزوا..
*أين نحن من تجربة المقاهي الثقافية بفاس؟ مقهى لاكوميدي.لا يمكن إنكار حقيقة جمع هذا المقهى لشتات المبدعين وتوقيع بعض الإصدارات وتنظيم قراءات شعرية.. المقهى هو المقهى صدى المجتمع ومرآة للواقع العام. موعد يومي لتفريغ الإنسان لحاجته لأخيه أو عدوه الإنسان. ثرثرة تلصص وتلاسن واحتساء لأكواب القهوة والشاي. نميمة شعبوية وأخرى متعالمة. لا يمكن إلصاق تسمية الأدبي لمقاهي ومدن من دون أدب. ص73
*إغلاق شامل للمحلات فرضته ظروف الجائحة -كورونا- المقهى ملجأ من لا ملجأ له، ملاذ من لا ملاذ له. المقهى نبض المجتمع الحقيقي ومرآته العاكسة لحجم الوعي والجهل، وقدر التضامن والتنافر الحاصل بين أفراده المقهى فسحة وسجن لعبيد كرة القدم. صمت بلا بداية وثرثرة بلا نهاية. معيار وميزان، ناقوس وجرس إنذار، حافة وهاوية، ناعورة وطاحونة، متلازمة وإدمان، ملهاة ومأساة. المقهى محبس للصحوة واليقظة والنهضة. ملجأ للبسطاء والتعساء والبؤساء المقهى موت وحياة “
رأس القليعة- الخربة رقم 4″ 2025، منجز أدبي شيق للقاص والروائي المغربي نور الدين شكردة، صدر في طبعته الأولى عن مؤسسة أفرا للدراسات والأبحاث. المنجز المومأ إليه جاء في 162 صفحة من القطع المتوسط مزدان بلوحة غلاف للفنانة مليكة زرياح. يعتبر الرابع في ريبيتوار الكاتب الحائز على دكتوراه في القانون وأستاذ جامعي وناشط إعلامي بعد – الجيلاني- مجموعة قصصية 2012 – درب الجرندي- يوميات الجائحة – رواية -2020. رواية – مقهى الحاج إدريس 2025، في سياق ما عبر عنه الكاتب ب ثلاثية الهشاشة ” اللتان تم توقيعهما بالتزامن بالمعرض الدولي للكتاب بالرباط في نسخته الـ 30.
