تعدد وتنوع مرجعيات الشعر وأبعاده في “أقباس ونصوص أخرى”
عبد النبي بزاز
تتوزع مجموعة “أقباس ونصوص أخرى” للشاعر التونسي الشاذلي فرحاتي بين موضوعات عديدة تكسبها صفة التنوع على مستوى وسائل وطرائق التعبير الشعري ، والمعاني المنشودة ، والمرجعيات المعتمدة. فمن خلال عتبة العنوان نلمح ونلمس سمة التنوع ف ” أقباس ” لا تمثل العنوان الوحيد والأوحد ، بل هناك نصوص أخرى ؛ منها ما هو مُشَكَّل من ثوابت العمود الشعري بنظام الشطرين ، والوزن والقافية ، وهي خمسة نصوص وبقية النصوص الأخرى ، وعددها سبع عشرة نصا ، تختلف عنها من حيث الثوابت الإيقاعية ، ورغم ما يطرحه العنوان من لبس واستشكال نابعين من صيغته المركبة ، إلا أننا نلحظ أثناء الانخراط في قراءة المجموعة ، مدى تكامل نصوصها وتناغمها وتجانسها داخل نسق شعري يتنوع إيقاعيا وبلاغيا ودلاليا ، عكس ما قد يوحي به العنوان من خلال القراءة الأولى. فعلى مستوى الإيقاع يُشَكِّل تكرار نفس الحرف جَرْسا داخليا ، وهو ما يطالعنا منذ النص الأول ” رؤيا ” من خلال حرف الدال : ” عُزِفوا سُدى .. وأنا الصدى … / فشدا المدى ” ص5 ، وحرف الراء : ” مطر على باب الكرى ../ إني أرى .. / والعين لم تر ما ترى إطلاقا ” ص5، وفي نص ” غَادِرْ ” حيث يتكرر حرف الفاء : ” وخلفي تراب كثيف كفيف ” ص28، وهي حروف تخلع إعادتها نبرة داخلية على العبارة والأسلوب . وآخر خارجي كما في القافية المُكَوًّنَة من الميم والياء والتي تنتهي بها العبارتين في قوله : ” والسر ينطق في دمي ../ ساق الكلام على فمي .. ” ص 6، وروي التاء في : ” وهممت أقطف عازما فتحججتْ … / عَزَّمْتُ وِرْد الحزن حتى غَمْغَمَتْ” ص39، بينما تبقى النصوص الخمسة الأخرى ذات شكل عمودي موزع على شطرين ، وتخضع لنظام الوزن والقافية . ومن الناحية البلاغية سنكتفي بذكر عنصر التشبيه وما اتخذ من أشكال انتفت فيها الأداة حينا : ” الحبر ملح .. ” ص30، في تشبيه للحبر بالملح ، وذكرت ، أي الأداة ، أحيانا : ” فالكون كالشحاذ فيها يقبع ” ص31، حيث اقترنت الكاف بالمشبه به ، واسْتُعْمِلَتْ ” مِثْل ” في قوله : ” هي مثل ناقوس الغياب وفية … ” ص59، فالتشبيه كعنصر بلاغي أغنى عبارات النصوص بما أضفاه عليها من مسحة جمالية ودلالية . وعلاقة بما هو إيقاعي وبلاغي تتشكل صور شعرية اعتمادا على عنصر الاستعارة كما في قول الشاعر : ” وعانقتْ نابُ المسافة خافقي .. ” ص5، في استعارة الناب للمسافة التي التفت حول خافِق المتكلم ، وما يحمله الخافِق من دلالات يختزلها أفق منفتح ومفتوح على عوالم عدة . والحطب للحزن الذي يصير حاطبا لِلْهَمّ والغم : ” حاطب الحزن راقد عند بابي ” ص11، وتحويل صبر العاشقين لرصيف : ” وجَعَلْتُ صبر العاشقين رصيفا . ” ص46 ، وانخراط لغة القصيدة في السير على أحداق المتكلم بعد أن كشف غطاءها : ” ونزعْتُ عن لغة القصيد حجابها / فتبسمتْ تمشي على أحداقي ” ص17، ويصبح النبض زورقا يُمْتَطى : ” ثم امتطى نبضى وسار مجدفا ” ص21، ويغدو للغياب مفتاح : ” خبأتُ مفتاح الغياب .. تنبؤا ؟ ” ص32، والكآبة بساطا ومسرحا تطأه الأقدام : ” فلما أتتْ تمشي فرشتُ كآبتي بساطا … ” ص43، وتصوير الشوق في مشهد يتساقط غيثه على شكل دموع : ” الشوق يهطل ، والبكاء تداعى ” ص60. وكلها نماذج لصور بحمولات جمالية ودلالية تغني عبارات المتن الشعري ، وتوسع أفق معانيه . وارتباطا بالصور الشعرية تبرز تعابير تتميز بالاختلاف ، وأحيانا الغرابة كما نقرأ في : ” ولقد مَشَاك النص .. حَبْوا .. ” ص7، حيث يتحكم النص في سير المُخاطَب حَبْوا ، وهو استعمال ناشز ومنزاح عن التعابير المعروفة والمُتَّبَعة ، وقوله أيضا : ” وسألتُ كيف تَقولنُي واقولنُا ؟ ” ص21، في استخدام للقول مستندا إلى ضمير المخاطَب في التعبير عما يقوله المتكلم، الذي يتحول مكلَّف بالقول باسم الجماعة (أقولنُا) . وتقوم خطى الغائبين في صيغة المخاطَب بفعل مَشْي يهم هذا المخاطَب ، وتوجيه سؤال يخص الذات والنفس للغير: ” وسألتها عني فبدت مجنونة ” ص40، وبدل أن نقول الأشعار وننشدها ، توكل مهمة ذلك للأشعار ذاتها التي نكون مادة لما تقول : ” ما أعظم الأشعار حين تقولنا ” ص41، وعِوَض استعمال الحبر كمادة للكتابة يتحول هو، أي الحبر ، لكتابتنا : ” لا حبر يكتبني … ” ص46، ويقترف الشخص جريرة صهر نفسه بنار يشعلها : ” وأضرمْتُ النار لأصهرني ” ص47 . وكلها تعابير تختلف عن نسق الأساليب المألوفة لما تجترحه من صِيَغ تشذ عما هو معروف وشائع . وعمد الشاعر إلى استخدام رموز بمرجعيات مختلفة ؛ منها ما هو ميثولوجي أسطوري ك ” سيزيف ” الشخصية الأسطورية في الميثولوجيا الإغريقية، التي حُكِم عليها برفع صخرة ضخمة إلى قمة الجبل وما أن تضعها حتى تتدحرج ، فتعجز عن وضعها وتثبيتها في القمة رغم تكرار نفس العملية دون جدوى ، فتغدو رمزا للعبث واللاجدوى : ” ولم أكن / في رفعها مستلهما سيزيفا ” ص15، وما هو ديني عقدي كالمسيح وصليبه : ” فالمسيح وفي المنام صليبه ” ص 19،ونبي الله يوسف : ” وأنا كيوسف عالق في جُبِّها ” ص37، وقصته مع زوليخا امرأة العزيز التي وقعت في شرك عشقه ، ورسول الله محمد (ص) : ” يا سيد الكونين لسْتُ بقارئ ” ص62، وما وُصِف به من سيد الكونين ، أي الدنيا والآخرة ، وأبو لهب عم النبي محمد (ص ) ، والذي دأب على تكذيب رسالته ومناهضتها : ” بعد نسل أبي لهب … ” ص70، وأدبية شعرية بذكر الشاعر المخضرم الحطيئة : ” تاج الحطيئة باد في محافله … ” ص66، وهو ما ساهم في تنويع مكونات نصوص المجموعة ، وتشريعها على آفاق أعمق وأرحب ، وتجلى ذلك كذلك في لغة المتن الشعري ، والتي لم تفتأ تمتح من معجم تراثي في استعمال مفردات من قبيل : عاج ، وأطلال كما في قوله : ” القلب عاج على أطلالها وبكى ” ص65 ، وصفة ” وَجْناء ” التي تطلق على الناقة القوية : ” وجناء بانت وحر الشوق ودعها … ” ص65، و” الغيد ” الذي مفرده غيداء وهي المرأة الناعمة ، وما يميز مشيتها من لين ودلال : ” عيناء كانت لدين الغيد منسكا ” ص65، والسُّنان الذي هو نصل الرمح الذي كان يستعمل لدى العرب القدامى في الصيد، وفي الحروب : ” أنت السنان و كل العاديات لكا . ” ص67، العاديات التي تطلق على الخيل الضامرة ، وما تتميزبه من سرعة ، مما يبرز مدى إلمام الشاعر بلغة التراث الشعري الغنية بحمولاتها الرمزية والدلالية .
كما تمت الإشارة إلى أماكن لها قدسيتها ورمزيتها التاريخية والحضارية مثل مدينة القدس : ” للقدس عقدا رُدَيْنيا … ” ص68، والعقد الرُّدَيْني الذي يرصع جيدها في دلالة على العز والإباء ، ووقوفها شامخة أمام كل المحاولات والمؤامرات التي تحاك ضدها ، وتستهدف النيل من كرامتها وأثالتها ، والإشارة التاريخية والحضارية كذلك إلى بني أمية التي آلت إليهم الخلافة إبان تأسيس دولتهم على يد معاوية بن أبي سفيان ، وما عرفه عصرهم من امتداد بلغ بلاد المغرب والأندلس في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ، ليتضح مدى ما عرفته نصوص الأضمومة من تنوع من خلال انفتاحها على العديد من الموضوعات لتي تستند لمرجعيات دينية عقدية ، وتاريخية حضارية ، وميثولوجية ، وأدبية وهو ما َوسَّع من آفاقها ، ونَوَّع من معانيها ودلالاتها .
أقباس ( ونصوص أخرى ) شعر الشاذلي فرحاتي/ الفردوس للنشر والتوزيع ـ تونس 2024.
