ثريا الشاوي: المقاومة بالأجنحة وتحرير المخيال الجماعي في مغرب الحماية

ثريا الشاوي: المقاومة بالأجنحة وتحرير المخيال الجماعي في مغرب الحماية

المختار عنقا الادريسي

مدخل سياقي: الاستعمار واحتكار السماء

     لم يكن الاستعمار الفرنسي بالمغرب مجرد احتلال عسكري للأراضي، بل كان أيضاً نظاماً للهيمنة الرمزية والمعرفية، فقد حرصت سلطات الحماية على احتكار المجالات ذات الصلة بالتقنية والحداثة – كالطيران والهندسة والإدارة- لتكريس صورة المستعمر باعتباره صاحب التفوق العلمي والحضاري، مقابل تصوير المغاربة بوصفهم شعوباً تقليدية عاجزة عن ولوج العصر الحديث. وفي هذا السياق، لم يكن الطيران مجرد نشاط مهني، بل كان رمزاً للقوة والسيادة، فالسماء، كالأرض تماماً، كانت مجالاً للهيمنة الاستعمارية.

لذلك، فإن اقتحام “مغربية” في مقتبل العمر لهذا المجال في خمسينيات القرن الماضي لم يكن حدثاً فردياً عابراً، بل فعلاً ذا حمولة سياسية ورمزية عميقة. ومن هنا -بالضبط- تبرز شخصية “ثريا الشاوي” باعتبارها نموذجاً فريداً للمقاومة من داخل فضاء الحداثة ذاته، إنها لا تمثل مقاومة بالسلاح، بل مقاومة بالصورة والإنجاز والاختراق الرمزي.

 النشأة والتكوين: بين الفن والوعي الوطني

ولدت “ثريا” بمدينة فاس في 14 ديسمبر 1936، وسط أسرة منفتحة على التعليم والثقافة. كان والدها، عبد الواحد الشاوي، المنتمي إلى “حزب الشورى والاستقلال”، من أبرز رواد الحركة المسرحية في المغرب، مما وفر لها مناخاً تربوياً غير تقليدي، فأشركها معه -منذ الصغر- في بعض مسرحياته، كما شاركت لاحقاً إلى جانبه في فيلم سينمائي بعنوان “الباب السابع” للمخرج الفرنسي “أندريه زوبادا”. كل ذلك شجعها على الجرأة وكسر الصور النمطية، فكانت أول فتاة مغربية تقتحم الفضاءات الفنية.

نخلص من ذلك إلى أن وسطها الأسري ساهم بشكل كبير في تنمية شخصيتها المستقلة وطموحها المبكر، فلم تنشأ في بيئة ترى في الفتاة كائناً منزلياً محدود الأفق، بل تربت في فضاء يؤمن بالقدرة على الفعل والإنجاز والمبادرة. وحدث أن أصيبت في صغرها بمرض صدري، فنصح طبيبها المعالج والدها بأن يأخذها إلى مطار المدينة ويتوسط عند أحدهم ليسمح لها بجولة في الأعالي، كعلاج لحالتها. وبالفعل تحقق لها ذلك، غير أنها التقطت خلال تلك الجولة “فيروساً” سيرافقها مدى حياتها القصيرة، إنه “فيروس الطيران“.

لقد عاشت ثريا تجربة فريدة في مرحلة كانت فيها أغلب الفتيات محرومات من التعليم النظامي، وخلالها ظهرت لديها ميول قوية نحو المغامرة والتحدي، الأمر الذي قادها لاحقاً إلى اختيار مسار غير مسبوق وهو “تعلم الطيران”، بعد أن انتقلت مع عائلتها سنة 1948 للاستقرار بمدينة الدار البيضاء.

  تعلم الطيران: قرار فردي يتحول إلى حدث وطني

تجدر الإشارة إلى أن عائلتها أرسلتها إلى تونس لاستكمال دراستها في تخصص “الاختزال” لمدة 6 أشهر، وفي شهر أغسطس من السنة نفسها توظفت كاتبةً في الوكالة المغربية للأنباء والإشهار. وعلى الرغم من نجاحاتها، كان هناك حلم يراودها، ولتحقيقه التحقت ثريا الشاوي بمدرسة الطيران الواقعة بمنطقة “تيط مليل” بالدار البيضاء.

كان مجرد قبولها في هذا التخصص حدثاً استثنائياً نظراً لطابعه التقني والعسكري، إذ كان من الصعب وضع فتاة مغربية لا تتجاوز 16 عاماً وسط مدرسة محصورة للنخبة الأجنبية، حيث كانت تنالها نظرات عنصرية محقرة، لكنها حظيت برعاية أستاذها الإسباني. وبعد تدريب مكثف، جاء يوم الامتحان ليصادف أحوالاً جوية غير مناسبة للطيران، لكنها استطاعت السيطرة على الطائرة وأبهرت اللجنة حين حلقت على علو 3000 متر، قاطعة مسافة دائرية محيطها 40 كم. وبذلك حصلت على شهادة الطيران، لتكون سباقة في الحصول على صفة “ربان طائرة” في المغرب على مستوى الرجال والنساء معاً، وأصبحت:

  • أول امرأة مغربية حاصلة على شهادة الكفاءة في الطيران.
  • أصغر رُبانة طائرة في العالم العربي والإفريقي آنذاك.
  • إحدى أوائل النساء الطيارات في العالم.

شاع صيتها عالمياً وتصدر إنجازها عناوين كبريات الصحف والإذاعات، وتلقت صورة موقعة من الطيارة الفرنسية “جاكلين أوريول”. واستقبلها الملك محمد الخامس بالقصر الملكي لتهنئتها، برفقة الأميرات للا عائشة وللا مليكة. وقد نقل مؤرخ المملكة “عبد الحق المريني” كلمات كتبتها ثريا في مذكراتها تتوجه بها إلى والدها قائلة:

لقد عشتُ يا أبي أسعد لحظة في حياتي حين كنت ممسكة بزمام الطائرة، فما كنت مضطربة أو خائفة من الرسوب، بل كنت متيقنة من فوزي التام… لم أرَ إلا ضباباً في ضباب، لكني كنت حذرة أشد الحذر للحفاظ على توازن الطائرة وعدم الخروج عن الإطار الذي حددوه لي. كنت أحس نفسي كطائر يشارك الطيور فضاءها ويستمتع بالحرية الكاملة، وحيدة يؤنسني صوت محرك طائرتي وتقودني معرفتي ومعلوماتي“.

استقبل المغاربة هذا الإنجاز باحتفاء واسع، تحولت معه صورتها إلى رمز للأمل والتجديد، فلم يعد نجاحها إنجازاً شخصياً، بل انتصاراً جماعياً يرفع معنويات شعب يرزح تحت وطأة الاستعمار. لقد كانت بمثابة إعلان صامت بأن “المغاربة قادرون“.

 حركة الطيران الأولى بوصفها مقاومة رمزية

قد يبدو للوهلة الأولى أن تجربة ثريا الشاوي لا تدخل ضمن المقاومة بالمعنى السياسي المباشر، إذ لم تنخرط في العمل السري أو الحربي، غير أن قراءة تاريخية أعمق تكشف أن إنجازها شكل تحدياً ثقافياً للاستعمار القائم على فرضيتي: (التفوق التقني للمستعمر، ودونية المُستعمَر). فحين تقود فتاة لم تتجاوز ربيعها التاسع عشر طائرة -وهي قمة التكنولوجيا آنذاك- فإنها تنسف هاتين الفرضيتين معاً، وتكسر الاحتكار الأوروبي لمجال الطيران، والصورة النمطية عن المرأة المغربية، وفكرة العجز الحضاري الملصقة بالمغاربة. لقد تحول “جسدها الطائر” إلى خطاب سياسي بصري بامتياز دون الحاجة لنطق أي شعار.

 البعد الاجتماعي: نموذج للمرأة الحديثة

لم يكن تأثير ثريا الشاوي سياسياً فحسب، بل كان اجتماعياً وثقافياً أيضاً، فقد فتحت الباب أمام تخيل جديد لمكانة المرأة في المجتمع. فالفتاة التي كانت محصورة في أدوار تقليدية، أصبحت ترى أمامها نموذجاً يجمع بين الدراسة، وقيادة الطائرة، والتحرك في عالم ذكوري، ونيل الاحترام الدولي. ساهمت ثريا -من حيث لا تقصد- في إعادة تعريف قدرات النساء، فبرز دورها في مسار تحرير المرأة ومشاركتها في الحملات التي تهدف لتشجيع تعليم الفتيات وتحفيزهن على النضال الوطني، كما أسست وترأست جمعية “أخوات الإحسان”، وكانت عضواً فاعلاً في مؤسسة “للا أمينة“.

  النهاية المأساوية والذاكرة الجريحة

عند عودة السلطان محمد الخامس من المنفى، شاركت ثريا في احتفالات الترحيب برمي أوراق ملونة من الجو بطائرتها بين الرباط وسلا. ومن شدة فرحتها، لم تعر اهتماماً لبرودة الجو ولا لنافذة الطائرة المفتوحة، فنزل جسمها “مثلوجاً” مما استدعى علاجاً طويلاً في سويسرا.

عند عودتها، أسست أول مدرسة للطيران العسكري والمدني بالمغرب، وألفت كتاباً بالعربية لتعليم الطيران بالتنسيق مع وزارة التجهيز والنقل. غير أن مسار هذه الأيقونة تعرض لسلسلة من محاولات الاغتيال الفاشلة من قبل الاحتلال بين سنتي 1954 و1955:

  1. نوفمبر 1954: وضع قنبلة أمام منزلها دمرته بالكامل.
  2. بعد 6 أشهر: إطلاق النار عليها وهي برفقة والدها.
  3. أغسطس 1955: محاولة اغتيال من قبل شرطيين فرنسيين وهي في سيارتها مع والدتها.
  4. بعد أسابيع: اعتراض شرطيين آخرين لها ومحاولة اختطافها، وفشلت المحاولة بتدخل المارة.

أما المحاولة الخامسة فكانت القاتلة، ففي بداية شهر مارس 1956، وبعد مشاركتها في احتفالية الاستقلال، اغتيلت ثريا غدراً أمام منزلها برصاصة مباغتة في الرأس أمام أنظار والدتها وشقيقها الصغير “صلاح الدين”، وهي لم تتجاوز 19 عاماً. يقول شقيقها عن تلك اللحظة: “ظننت أن أحدهم يمازحنا… لكني وعيت من خلال عويل أمي الثكلى أن الأمر حقيقة“.

شيع المغرب في جنازة مهيبة حضرها 60 ألفاً، لتكون أول جنازة سياسية في تاريخ المغرب المستقل. ظل مقتلها محاطاً بالغموض، ووجهت أصابع الاتهام في روايات عديدة إلى “أحمد الطويل”، زعيم إحدى الميليشيات المسلحة آنذاك. وتعددت الروايات بين انتقام شخصي لرفضها الزواج منه، أو تصفية سياسية لإسكات صوتها التحرري، أو حتى وقوف منظمة “Presence Française” اليمينية الفرنسية خلف الحادث. ومهما اختلفت الروايات، فالمؤكد أن موتها المبكر حرم المغرب من مسار واعد، لكن الرمز الذي صنعته ظل حياً.

 خلاصة تحليلية

يمكن فهم تجربة ثريا الشاوي من خلال ثلاثة مستويات:

  1. مستوى وطني: تمثل في رفع المعنويات وكسر احتكار المستعمر للحداثة.
  2. مستوى نسائي: تمثل في توسيع أفق طموح المرأة المغربية.
  3. مستوى رمزي: تجلى في القدرة على تحويل الإنجاز التقني إلى فعل مقاومة تحرري.

إن لم تكن ثريا الشاوي تنتمي للمقاومة المسلحة التقليدية، فقد انتمت لما لا يقل أهمية: “تحرير المخيال الجماعي”. وكما قيل بحق: “إذا كانت المقاومة تُكتب بالدم، فإن مقاومة ثريا الشاوي كُتبت بالأجنحة“.

 المستندات المعتمدة:

  1. عبد الحق المريني (مؤرخ المملكة): الشهيدة ثريا الشاوي أول طيارة بالمغرب الكبير، مؤسسة محمد الزرقطوني، 2009.
  2. مجلة مرايانا: نساء في حكاية مملكة، عدد خاص، مارس 2022.
  3. إسماعيل عزام: لغز اغتيال ثريا الشاوي (محتوى مرئي)، يوتيوب.
شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!