جاك لانغ من براري الثورة إلى جزيرة الفضائح
عبد الرحمان الغندور
في ثنايا الذاكرة، تتجلى لي تلك الوقفات الثورية في فرنسا ماي 1968، لتمسح كل الرمزيات التي اعتقدناها، حين يتقاطع بريق “النضال التقدمي” مع عتمة الصالونات المخملية. هنا يقف جاك لانغ، وهو واحد من وجوه المرحلة، كشخصية إشكالية تتأرجح بين ضفتين متناقضين، كأنه خيط رفيع يربط بين حلم الثورة العالمي وبين كوابيس الأرستقراطية الحديثة. إن التأمل في مسار هذا الرجل يستدعي بالضرورة استحضار تلك اللحظة التي التقى فيها بظلال إرنستو “تشي” غيفارا؛ ليس كرفيق سلاح، بل كأيقونة جمالية وظفها لانغ لتحويل “الثقافة” إلى فعل سياسي متمرد في الظاهر، ومؤسساتي في الجوهر. لقد كان لانغ يرى في غيفارا تلك الرومانسية الثورية التي تليق بباريس، حيث تتماهى الكوفية مع بذلات المصممين الكبار، وحيث تصبح الثورة مجرد مهرجان للموسيقى أو عيد للقراءة. لكن هذا الاحتفاء بـ “القديس الثائر” لم يكن سوى القشرة الخارجية لشخصية أدمنت التواجد في دوائر النفوذ الأكثر تعقيداً، حيث تذوب الحدود بين الفن والسياسة، وبين العام والخاص. ومن هنا، ينبثق الظل القاتم لـ “جيفري ابستين” كاستعارة مريرة للسقوط من علياء المثالية إلى درك الشبهات التي لا ترحم.
إن ورود اسم لانغ في “الدفتر الأسود” أو ارتباطه بتلك الدوائر الغامضة التي كانت ترتاد جزر الخطيئة، لا يقدم دليلاً جنائياً بقدر ما يقدم إدانة رمزية لعصر بأكمله؛ عصر المطالبة بالحرية المطلقة حتى تداخلت عندها حرية التعبير بجرائم الاستغلال.
بين غيفارا الذي يمثل طهارة الدم المهدور من أجل الفكرة، وابستين الذي يمثل نجاسة المال المهدور من أجل الشهوة، يظل جاك لانغ هو الوجه البشع؛ هو ذلك الوزير الذي جعل من الجمال ديناً ومن الغموض درعاً. هل كان حقاً رسولاً للثقافة العابرة للحدود، أم كان مجرد قناع أنيق لنخبة عالمية قررت أن تعيش فوق القانون، وفوق الأخلاق، وفوق الذاكرة؟ إنها مأساة “المثقف السلطوي” حين تلتهم أضواء الشهرة مبادئه، فيتحول من معجب بصور الثوار إلى اسم عابر في سجلات الفضائح الكبرى، ضائعاً في المسافة السديمية بين هافانا ونيويورك.
إن فضيحة ابستين تريد أن تحطم في نفسيتنا آخر قلاع الثقة في الرمزيات التي احترمناها وقدرناها. وهو أمر فظيع ان نجد انفسنا قد فقدنا الثقة في كل شيء.
